على الرغم إن تقرير ميليس لم يذكر ولا لمرة واحدة كلمة
إسرائيل أو أي من رجالات الدولة الصهيونية، إلا أن التقرير
برمته يعمل على مسألة واحدة ، هي البحث عن أمن إسرائيل
الذي بات خلال السنوات الأخيرة يتهدده الكثير من الخروقات
وعلى أكثر من مستوى.
وهنا لن أتحدث عن تقرير ميليس ولا عن الأبعاد العامة إلا
من خلال المسألة الأساسية التي أرى نبها انها محور واس
تقرير ميليس ، حيث أن التقرير قد أشبع تحليلا وقراءة رغم
أنه لا يحتاج الى كل ذلك كونه معروف قبل أن يقدم تقريره
الى الأمين العام للأمم المتحدة، لأنه قادم بمهمة محددة قد
عرف ما هي وما مبتغاها، وهو ما أشبعته الدراسات والتقارير
والقراءات والتحاليل المختلفة . إلا أن أحدا لم يحاول
قراءة ما يخفى وراء هذا التقرير، رغم الإشارات المتعددة
بأنه يخدم العدو الصهيوني.
ولكني أرى خلاف ذلك ، إذ أني أرى التقرير إنما يتوجه من
الكلمة الأولى الى النهاية وهو يخاطب العالم والدول
المعنية بأن الهدف الأول والأخير من كل هذه المغالطات التي
وردت في التقرير والتي أعتمد بها على بعض المصطلحات ومنها:
ربما / أعتقد / أخمن / أستنتج ... الخ وهي بمجملها عبارات
تحمل دلالات عائمة ليست ثابتة.والتي لا تدل إلا على الفقر
في جمع المعلومات أو على عدم الجدية في جمعها ، لأنه لا
يريد الوصول الى الحقيقة وإنما يريد الوصول الى إلى حقيقة
واحدة وهي البحث الاستراتيجي عن حماية أمن إسرائيل قبل كل
شيء .
ولنحاول هنا إن نأخذ بعض هذه الدلالات من خلال وضع يدنا
على الجهات التي وجه إليها السيد ميليس اتهاماته، وهي:
1 / سوريا الدور القومي
2 / لبنان الوطني العربي
3 / الفلسطينيون في لبنان وسوريا
أولا / تناول التقرير اتهام سوريا بشكل مباشر،ويأتي هذا
الاتهام كون سوريا تمثل الدور القومي وبخاصة بعد تخلي
النظام العربي عن لعب هذا الدور ولو بحده الأدنى أو على
الأقل ما يحفظ به ماء الوجه،كون سوريا ما زالت ترفض
الاعتراف بدولة العدو الصهيوني رغم الضغوط الدولية
والعربية عليها من أجل أن تتقدم سوريا الى دائرة التفاوض
مع دولة العدو ، أو أن تقدم التنازلات المطلوبة منها على
المستويين الأمريكي والصهيوني، رغم أن سوريا كأي دولة في
هذا العالم تقيم علاقات مختلفة المستويات مع الولايات
المتحدة الأمريكية، ولا ترفض ذلك كون هناك مصالح دولية لا
بد من التعامل معها ولكن على أساس أو انطلاقا من مبدأ
الندية في هذا التعامل. وهي أي سوريا لم تنفي ذلك بل أن
للولايات المتحدة سفارة أمريكية في دمشق وكذلك هناك سفارة
سورية في واشنطن. ولكن ليس هناك من علاقات ما بين دمشق
ودولة العدو الصهيوني. وهنا يكمن بيت القصيد.
وسوريا تقف الى جانب الحق الفلسطيني من حيث حقوقه
التاريخية إن بالعودة والتعويض ، وان حق الفلسطيني في
ممارسة المقاومة ضد الكيان المغتصب والمحتل، بل هي تحتضن
العديد من الفصائل الفلسطينية التي ترفض الاعتراف بدولة
العدو أو حتى بما أفرزته هذه الثنائية ما بين ثلة من
الفلسطينيين( فلسطينيو أوسلو ) وما بين حكومة العدو
الصهيوني.
وسوريا تعترف ولو ضمنا بالمقاومة العراقية ولا تصمها
بالإرهاب كما تريد قوات الاحتلال الأمريكي أو كما تريده
حكومة برايمر في المنطقة الخضراء، وهي ( متهمة ) اليوم
بأنها تساعد المقاومة وتمدها بالمقاتلين أو انها تسمح
بتسلل المقاتلين العرب الى داخل العراق.وكأن العراق يحتاج
الى أنفس ولكنها محاولة للفت أنظار العالم الى إن العراق
والشعب العراقي يرضى بالاحتلال وليس عنده الحد الأدنى من
الحمية والغيرة على وطنه وأرضه وشعبه وعروبته، ليتسلل إليه
بعض من العرب ليقيم الدنيا ولا يقعدها في كل أنحاء العراق
من مقاومة عنيدة وشديدة للمحتل وعملائه وان سوريا هي التي
تدعم( الارهاب ) ولولا دمشق لما هناك من مقاومة.
وسوريا هي التي أبقت على لبنان الوطني القومي العربي
والمقاوم وهي التي ساعدت المقاومة والشعب اللبناني على
إفشال اتفاق 17 أيار ، وهي التي وقفت الى جانب المقاومة
الوطنية اللبنانية لهزيمة المشروع الصهيوأمريكي في لبنان
ودحرت عصابات العدو الصهيوني من لبنان وهي تجر أذيال
الخيبة والهزيمة المنكرة، وهي التي من خلال وجودها القوي
في لبنان عملت على إضعاف التيار الانعزالي وأضعفت الدور
المشبوه لبعض القوى اللبنانية التي كانت تعمل على تغريب
لبنان والتفاوض مع العدو الصهيوني والانفراد بهذا التفاوض
على غرار فعلة عرفات وعباس .
إضافة الى أن الذي يحكم سوريا هو حزب قومي بغض النظر عن
سلوك البعض من هذا الحزب هنا أو هناك، أو عن رؤية البعض
الأخر لمدى صلاحية هذا الحزب وقدرته على إدارة الأزمات أو
دوره السياسي على المستويين الداخلي والخارجي، إلا أن
الحكومة الأمريكية والعدو الصهيوني يأخذان هذا الأمر
بالاستناد على مفهوم ( البلوك ) ، ولذلك فان رأس هذا الحزب
هو المطلوب في بنية هذه الدولة كما هو مطلوب كان وما زال
الى يومنا هذا في بغداد ، تحت شعار ( استئصال البعثيين )
وعدم عودة البعث لممارسة دوره السياسي في العراق، وهذا أمر
قد يثير البعض في الرؤيا إلا إن أمريكا تعمل ومعها إسرائيل
على انهاء أي دور قومي حتى لو كان هذا الدور لجمعية خيرية.
إذن فسوريا تقف حجر عثرة في وجه السياسة الإستراتيجية
الصهيوأمريكية في المنطقة بل وفي الملعب الدولي أيضا ،
وعليه فان سوريا مطلوبة بطلب دورها القومي والمساند
والمناصر والداعم للقضية الفلسطينية.
ثانيا / لبنان ، هذا اللغز الذي حير العديد من المحللين
والمتابعين ‘ كيف يستطيع أن يقوم بكل هذا الدور الذي عجزت
عنه أنظمة وجيوش بعتاده من دبابات وطائرات وأجهزة وإمكانات
.. الخ، واستطاع هذا اللبنان أن يهزم العدو ويجبره على
الاستجابة لشروطه ، هذا اللبنان لا بد إن ينتهي ليحل محله
لبنان المدول الخاضع للبنانية الانعزالية المتفاهمة مع
العدو الصهيوني ومع النهب الأمريكي للمنطقة ليكون لبنان
ممرا وجسرا للوصول الى ما لم تستطع بعد الوصول إليه .
إذن فدور لبنان مطلوب للدوائر الصهيوأمريكي كونه يقف حجر
عثرة في وجه التمدد الصهيوني في المنطقة ويشكل بالوقت عينه
مخرزا قويا في أعين التوجهات الصهيوأمريكي بصفته يشكل
امتداد قوة للحركة السورية في المواجهة. وكذلك يحرج العديد
من الأنظمة العربية التي تقيم العلاقات السرية والخفية مع
دولة العدو وهو البلد الصغير الفقير بلد اللاامكانات سوى
انه ما زال يحافظ على عروبته وتمسكه بالحق العربي.
أيضا لبنان يأوي العديد من الفلسطينيين من مخيمات ومن قوى
مقاومة على أراضيه وهي قوى رافضة للاعتراف بالعدو وهي تنسق
حتما مع عدو الكيان الرئيسي في لبنان رأس المقاومة
اللبنانية / حزب الله / والذي يشكل قوة يحسب حسابها ،
واليوم تجري مؤامرة كبيرة كي يتم حل المليشيات .. ولكن فقط
القومية وبخاصة المقاومة منها للعدو الصهيوني.
ثالثا: الفلسطينيون.. في سوريا ولبنان :
وأما بشأن هذه الفئة التي أضحت مزعجة للعديد من أصحاب
المصالح والمشاريع بالوكالة، لا بد من التخلص منها واذا
كانت الرياح في ما مضى ليست كما تشتهي سفنهم فهي اليوم
مؤاتية، ولا بد من استغلالها الى حد الفيض، حتى لو ادى ذلك
الى اضاعة ما لم تستطع السلطة الفلسطينية من اضاعته ،
لياتي السيد عباس الى بيروت في ظل تردي الوضع العام وقد
امالت الريح الزنخة شراع الرحلة الى ما لا نشتهي ، ليؤكد
من هناك انه لا بأس ولا ضير من اعطاء الفلسطينيين الجنسية
للدولة التي ترغب بذلك. قامت الدنيا ولكنها قعدت فجأة بعد
أن هدأت واشنطن منروع من تخوف ، فالقصد من ذلك لم يكن من
هم في لبنان لأن هؤلاء قد أعد لهم ما هو أسوأ من أية مذلة
ومهانة وضياع للحق.
ليجيء تقرير ميليس واضعا اسم الفلسطيني محشوا ومحشورا في
متن التقرير دون أي تهيئة لذلك سوى استحضار من له علاقة
طيبة مع دمشق من هؤلاء الفلسطينيين ( بالتلميح السياسي
الخفي / عملاء دمشق ) والمقصود هنا أحد أهم فصائل المقاومة
الفلسطينية وبخاصة في الخارج والتي تحتضنهم ساحة دمشق(
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين / القيادة العامة / . وترافق
مع ذلك التقرير مجموعة من التصريحات لحكومة التبع حول
تهريب أسلحة من دمشق الى لبنان وتسلل عناصر فلسطينية وهكذا
ومشاهدة الشاحنات و .. و.. الخ ، وتتهم فيها أهم فصيلين في
الساحة الفلسطينية في الخارج وبخاصة ممن لهم تواجد قوي في
لبنان وليست متوافقة مع سلطة أوسلو وضد الاعتراف بالعدو
الصهيوني، فتح الانتفاضة والقيادة العامة.
هذا التلميح وما فيه من تصريح إنما القصد فيه فتح الملف
الفلسطيني حسب التوجيهات والأوامر القادمة من أسياد ميليس
وحكومة السنيورة،وكله لخدمة التوجه الأساسي وهو الضغط على
دمشق التي ما زالت تقف على الضفاف العربية القومية
والرافضة التنازل عن الحق القومي في فلسطين ولبنان والعراق
وكل الوطن العربي.
وفورا يتحرك الجيش اللبناني بأوامر حكومة السنيورة الى
المناطق التي تتواجد فيها الفصائل الفلسطينية، وتشديد
القبضة الأمنية على مداخل المخيمات الفلسطينية باعتبارها (
جزر أمنية ) وليس مزارع شبعا ولا التسلل اليومي من قبل
القوات الصهيونية والطيران الذي ينتهك سيادة لبنان في ظل
حكومة السنيورة العتيدة وذلك كله بقصد خلق بلبلة لا يستفيد
منها سوى أصحاب تقرير ميليس ومن في فلكهم يرتعون.
أمر دبر بليل، وبخاصة بعد اعادة انتشار قوات الاحتلال
الصهيوني من غزة الى مناطق اخرى وليبلع هذا الطعم من
الجهلة ومن المتواطئين والتبع، ليقبض شارون ثمن ذلك كل
فلسطين ولبنان والهيمنة على وادي الرافدين/ العراق / ،
وليمرح الأقزام برقعة من الأرض لا تزيد في بلاد اخرى عن
كونها منطقة لصيد سمك السردين.
لذلك كله ولما هو أكثر فان الهدف يبقى دمشق
خروج أمريكا من ورطتها في العراق العنوان هو دمشق ، كي
تعمل بهدوء لتنفيذ المخطط الصهيوأمريكي بالسيطرة على وادي
الرافدين والتخلص من قوة بغداد المؤرقة للعدو الصهيوني
والمطامح الأمريكية في المنطقة.
انهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين كعنوان أساسي للقضية
الفلسطينية تمر من طريق دمشق ، لتحرير السلطة الفلسطينية
الأوسلوية من التبعات الاخلاقية للحق الفلسطيني، ومن ضغوط
الشارع الفلسطيني.
القضاء على المقاومة الفلسطينية يبدأ من دمشق وانهاء
الاحتضان والدعم السياسي والجغرافي ، لاراحة شارون وحكومته
ليتسنى للعدو التخلص من منغصات الحل النهائي الذي يفيد
بغزة اولا واخيرا..
حل ( الميليشيات المسلحة ) اللبنانية ، أي انهاء المقاومة
اللبنانية التي هزمت العدو وحررت لبنان من الاحتلال
الصهيوني وطردت القوات الامريكية والفرنسية بقوة المقاومة
ودعم دمشق، كي يعود لبنان الى الحاضنة الغربية والحديقة
الخلفية لتل ابيب، وهذا لا يمكنه إلا بعد انهاء المقاومة
التي تتحدى الوجود الصهيوني فلا نفوذ لإسرائيل في لبنان
بوجود المقاومة.
أين تحركت فان إسرائيل حاضرة في ثنايا تقرير ميليس،
والعنوان هو دمشق.
وعليه فانه رغم لا وجود لاسم اسرائيل في تقرير ميليس إلا
أنه زاخر بالمعاني والدلالات التي تدل على امن إسرائيل
اولا .