جورباتشوف يحمل الغرب المسؤولية ومفتي روسي يدين التنظيمات المتطرفة
موسكو: أشرف الصباغ
رأى رئيس المجلس الفيدرالي الروسي سيرجي ميرونوف أن
الاضطرابات الدائرة في فرنسا تشكل دافعا لتفكير جميع دول
أوروبا، بما فيها روسيا إلى عادة النظر في سياسة الهجرة.
وأكد أنه يجدر بروسيا حل مشاكلها السكانية لا عن طريق
الهجرة وحدها. ونصح ميرونوف الحكومة الروسية بالتفكير جديا
في الاعتماد الأساسي على سكان روسيا، واتباع سياسة حكومية
مدروسة بشأن عمليات الهجرة. واتهم أوروبا بالكامل بأنها لا
تستطيع حماية مواطنيها.
ومن جانبه اعتبر الرئيس (الأول والأخير) للاتحاد السوفيتي
السابق ميخائيل جورباتشوف أن الاضطرابات الواسعة التي تجري
في فرنسا تشكل إحدى عوارض سيطرة "المرض" على العالم كله.
وقال إن هذه عارضة خطيرة تدل على العلة الشمولية لمنظومتنا
الأرضية. فلو نظرنا بشكل شامل إلى الأمر لوجدنا أن موجات
عدم الاستقرار تعم كافة أنحاء العالم. وأعرب عن قناعته
بأنه يجب البحث عن جذور هذه المشكلة وليس في أخطاء سياسة
الهجرة إلى الدول الغربية المتقدمة، بقدر ما في عدم
المساواة العمومية، وفي تزايد ثراء قسم من سكان الكرة
الأرضية وفقر القسم الآخر منها. وذكر بأن قمة الأمريكيتين
التي اختتمت أعمالها يوم السبت قبل الماضي الماضي أظهرت
بقوة التناقضات العميقة، حيث اضطر الرئيس الأمريكي جورج
بوش إلى مغادرة القمة عقب الانتقادات التي وجهها إليه كل
من رؤساء البرازيل والأرجنتين وفنزويلا. وأشار إلى أن ما
يجري هو أن العالم أجمع قد أصيب بهذه العلة. ورأى أنه بشكل
عام فإن الدول الإسلامية التي يقطنها أكثر من مليار نسمة
تتصور كذلك بأنه تجري إزاحتها إلى هامش العملية التاريخية،
وهذا ما يؤثر نفسيا، طالما أن هذه الدول تشكل عالما أبدى
طوال 1500 سنة تأثيرا هائلا في العالم أجمع وفي الثقافة
الإنسانية، بما في ذلك أيضا الثقافة الأوروبية.
ورأى الرئيس السوفيتي السابق أن الأحداث الراهنة في فرنسا
والتي تهدد بالزحف إلى جميع أنحاء أوروبا تشير إلى عدم
جدوى النماذج القديمة لسياسة الهجرة التي تمت تجربتها
أثناء فترة انهيار المنظومة الاستعمارية. وأكد على أن
فرنسا التي امتلكت خبرة جدية بعد أحداث الجزائر وكانت تتبع
سياسة أشبه بالموزونة والرشيدة إزاء المهاجرين، ولكن ما
تبين هو أن الأمور كانت على غير ما يرام، وأن هذه السياسية
كانت تعاني من نواقص وسلبيات خطيرة. وأشار إلى أن عدم
المساواة والوضعية والصفة الاجتماعية قد أثرت في أعمق
الأحاسيس، أى مشكلة العدالة والإنصاف. وأعرب عن ثقته بأن
روسيا غير مهددة بمثل هذه الحروب مع ما وصفه ب "العالم
الإسلامي". ومع ذلك، كما رأى جورباتشوف، فمن الضروري أن
يستخلص الساسة الروس الدروس والاستنتاجات من وراء ما يجري
في فرنسا. إذ بدأ يظهر أيضا في روسيا في السنوات الأخيرة
تفاقمات في الأوضاع. وبالتالي يجب عدم إهمال حقيقة مواقف
عدم احترام الناس الذين ينتمون إلى قوميات أو ديانات أخرى.
ومن جانبه رأى رئيس معهد الدين والسياسة ألكسندر
إيجناتينكو أنه من المحتمل أن يؤدي الوضع الراهن في فرنسا
إلى نشوب حرب أهلية فيها. ويمكن أن يحدث ذلك بالفعل في
حالة عجز السلطة عن السيطرة على الوضع وانجرار المجتمع كله
إلى هذا النزاع، وذلك أنه سيتعين على الناس حماية أنفسهم.
وأعرب عن اعتقاده بأن السلطات الفرنسية تبذل ما بوسعها،
غير أن ذلك لا يكفي إطلاقا. وحسب رأيه، فإن أية إجراءات
أشد حزما لا تتخذ إزاء مسببي الفتن، لأن الاعتبارات
السياسية تمنعها، وذلك بالأخذ بعين الاعتبار ماهية الوضع
الذي سينشأ على أعتاب الانتخابات الرئاسية في فرنسا عام
2007، مشددا على أن تجنيد المجتمع يعتبر مغامرة لأن
المجابهة يمكن أن تتسع لتتحول إلى حرب دينية. كما رأى أن
محاولات زعماء المسلمين الفرنسيين الرامية إلى حل النزاع
لم تسفر عن أي نتائج. وأكد على أن محاولات إجراء التكامل
بين المهاجرين العرب مع الثقافة الفرنسية قد باءت بالفشل.
إذ أن هناك في هذا المحيط قوى إسلامية تتبع سياسة تدعو، بل
وتستهدف الانعزال العدواني حسب مبادئ التطرف التي تدعو إلى
عدم الاختلاط مع الكفار.
وصرح مسؤول الإدارة الدينية المركزية للمسلمين المفتي محمد
على خوزين بأن أعمال الشغب التي تثيرها ما وصفه ب
"العصابات الإسلامية" داخل فرنسا لم تصبح ممكنة إلا بسبب
تغاضي السلطات في الدول الأوروبية عن نشاطات الجماعات
الإسلامية الراديكالية. وقال إن جملة من الدول الأوروبية
سعت طوال السنوات الأخيرة إلى مغازلة التنظيمات المتطرفة،
متوهمة بذلك بأن الأخيرة سوف تعيش معها بموجب اتفاقيات غير
معلنة بشكل لا يلحق الضرر بالدول نفسها. وأشار إلى واقع أن
الكثير من مكاتب المنظمات الإرهابية يقع في لندن، بل وتصف
في شارع واحد. الأمر الذي يشير إلى ممارستها العنف العلني.
كما رأى خوزين أن ما أثر بقدر كبير على الوضع هو العامل
التاريخي، أي السياسة الاستعمارية طوال قرون عديدة، لأن
أعمال الشغب تجري في ضواحي باريس بمشاركة المهاجرين الذين
وصلوا من المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا،
وأفريقيا الاستوائية. وحذر المفتي الروسي بأن الوضع سيمتد
من فرنسا إلى دول أوروبية كثيرة، ومن ضمنها بلجيكا أيضا،
ما لم يقدم الاتحاد الأوروبي ودول القارة الأوروبية على
تصحيح مواقفها من المجموعات الإسلامية المتطرفة، وما لم
تكف هذه الدول عن ممارسة سياسة الكيل بمكيالين.
من جهة أخرى رأى رئيس لجنة الشؤون الدولية في المجلس
الفيدرالي الروسي ميخائيل مارجيلوف أن سبب الاضطرابات
وأعمال الشغب الحالية في فرنسا وألمانيا وبلجيكا يعود إلى
تعطل عمل البرامج الأوروبية في مجال دمج المهاجرين. وذكر
أن الحديث حول وجود أثر إسلامي أو دافع إرهابي في تلك
الأحداث يعد محاولة لحجب الحقيقة، مشيرا إلى أن مواطني دول
العالم الثالث يتوجهون إلى أوروبا ليس من أجل قيمها، بل من
أجل الحصول على لقمة العيش. وبما أن الأوروبيين لا يرغبون
بمجيء هؤلاء المهاجرين نظرا لانخفاض كفاءتهم المهنية فإن
هؤلاء يتجهون نحو تجارة المخدرات وأعمال السرقة والعصابات.
أما رئيس لجنة الشؤون الدولية في البرلمان الروسي قنسطنطين
كوساتشوف فقد ذكر أن الأحداث التي تشهدها فرنسا حاليا لم
تأت بمحض الصدفة حيث تقاعست السلطات الفرنسية عن توفير
الظروف الضرورية لدمج الأقليات القومية بالمجتمع الفرنسي
بشكل كامل.