الولايات المتحدة تفرض نفسها على آسيا الوسطي وما وراء القوقاز
وحلف الناتو يبدأ في إملاء شروطه على روسيا بلغة دبلوماسية باردة
موسكو: أشرف الصباغ
على الرغم من الاتفاق الضمني بين روسيا والولايات المتحدة
على استخدام اللياقة الدبلوماسية في التعامل مع أعقد
المشاكل بينهما، واللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية في
معالجتها، إلا أن الردود الدبلوماسية أصبحت من علامات
الصراعات الجديدة، والتي توصف عادة ب "المنافسة". ومن
الواضح أن نشاطات روسيا، ومعها الصين وبعض دول الاتحاد
السوفيتي السابق، قد وصلت إلى نهاية الحدود الجيوسياسية
التي يسمح بها "الراعي الدولي"، إذ أكد مندوب حلف الناتو
للعلاقات مع دول جنوب القوقاز روموالدس راجوكس على استعداد
الحلف لنشر قوات لحفظ السلام في مناطق النزاعات في جنوب
القوقاز في حالة الضرورة. وشدد راجوكس على ضرورة أن يتخذ
القرار النهائي حول إمكانية نشر قوات حفظ سلام تابعة للحلف
في جنوب القوقاز من جانب الدول الأطراف في تلك النزاعات
الإقليمية.
ويبدو للوهلة الأولى أن تصريحات راجوكس، التي انطلقت من
العاصمة الأرمينية يريفان قبل أيام، تمثل بالون اختبار
للوقوف على مدى ترحيب كل من أذربيجان وأرمينيا بمثل هذه
الخطوة، وجدواها في حل النزاع الدائر بين البلدين منذ 15
عاما حول منطقة قرة باخ الجبلية. وفي الحقيقة، فنشاطات
روسيا داخل المنظمات الإقليمية (شانجهاي، المجموعة
الاقتصادية الأوروآسيوية، معاهدة الأمن الجماعي.. إلخ)،
ومع العديد من دول آسيا الوسطي وجنوب القوقاز، دفعت بالحلف
إلى هذه الخطوة على الرغم من أن الجانبين يبديان أعلى
مراحل الاستعداد للتعاون في مكافحة الإرهاب وتثبيت الأوضاع
وترسيخ السلام والأمن والاستقرار سواء في القوقاز أو جنوبه
أو في آسيا الوسطي.
وإذا كانت تصريحات راجوكس قد جاءت من أراضي دولة شبه
محايدة مثل أرمينيا، إلا أنها موجهة بالدرجة الأولى إلى كل
من جورجيا (جنوب القوقاز) ومولدافيا (جنوب شرق أوروبا)،
وهما الدولتان العضوتان في منظمة "جوام" (التي كانت تسمى
منذ عدة أشهر ب "جووام"، ثم سقط أحد حروفها بعد خروج
أوزبكستان منها واقتصارها فقط على جورجيا وأوكرانيا
وأذربيجان ومولدافيا). ففي بداية صيف 2005 أعلن كل من
الرئيسين الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي والأوكراني فيكتور
يوشينكو عن عزمها على عدم الانصياع لروسيا، ودعيا دول
المنظمة إلى إنهاء الوجود الروسي على أراضيها. وكان
المقصود ببساطة إجلاء القوات والقواعد الروسية من أراضي
جورجيا ومولدافيا، في ما يعرف بالأولى بالمشكلة
الجورجية-الأبخازية، والمشكلة الجورجية-الأوسيتية
الجنوبية، وفي الثانية بمشكلة بريدنستروفيه. وفي مطلع
نوفمبر الجاري، أصدرت وفود (جوام)، في أعقاب اجتماع عقده
المجلس الدائم لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية في فيينا
يوم 3 نوفمبر، بيانا يؤكد على أن الوجود العسكري الروسي
يعرقل تسوية النزاعات في كل من جورجيا ومولدافيا. ورأى
ممثلو جوام أن إجلاء القوات الروسية من هاتين الدولتين
بموجب القرارات الصادرة عن قمة منظمة الأمن والتعاون
الأوروبية التي عقدت في اسطنبول عام 1999، سيعمل على
التسريع بتسوية القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية،
وسيساعد في وضع المعاهدة التي تتلاءم مع المستجدات حول
القوات المسلحة التقليدية في أوروبا قيد التنفيذ.
وفي فقرة ذات مغزى، أكد البيان قناعة دول جوام بأن إشاعة
الديمقراطية في المناطق الانفصالية وتجريدها من السلاح هما
أفضل وأضمن طريق نحو إعادة وحدة أراضي الدول غير الخالية
من النزاعات، ونحو تعزيز استقلالها وسيادتها. ورأت الدول
الأربع في بيانها أن "تأييد حلف الناتو لسعي دول جوام في
تحقيق هذه الأهداف ينطوي على أهمية كبيرة". وفي نفس اليوم
بالضبط (3 نوفمبر 2005)، بدأت في العاصمة المولدافية
كشينيوف الجلسة المشتركة لرؤساء مجالس أمن الدول والأجهزة
الخاصة في منظمة جوام، وشاركت فيها وفود من رومانيا
وليتوانيا وحلف الناتو ومركز المبادرين للتعاون بين دول
جنوب شرق أوروبا، إضافة إلى دول جوام الأربع. وكانت القضية
الأكثر إلحاحا هي بحث ضمانات الأمن القومي لدول المنظمة.
وبالعودة إلى تصريحات مندوب حلف الناتو للعلاقات مع دول
جنوب القوقاز روموالدس راجوكس، تبدو هذه الخطوة من جانب
الحلف ردا أوليا على تنشيط المنظمات الإقليمية سواء
الاقتصادية أو الأمنية التي تشارك فيها روسيا والصين، وبعض
دول الاتحاد السوفياتي السابق التي رفعت راية "العصيان" في
وجه الولايات المتحدة، مثل أوزبكستان وبلاروسيا، ونقل
رسائل محددة إلى الدول التي تفكر في مثل هذا الأمر مثل
قيرغيزيا وطاجيكستان وأذربيجان وأرمينيا، ومن جهة ثانية
تعتبر رسائل تطمين لدول مثل جورجيا ومولدافيا وأوكرانيا،
بالإضافة إلى الثلاثي البلطيقي المعادي لروسيا. وفي سياق
دبلوماسي بارد، أشار روموالدس راجوكس، من العاصمة
الأرمينية، إلى أن حلف الناتو لا يلعب دورا رئيسيا في حل
النزاعات المجمدة، ويعتمد في هذه المسائل على منظمة الأمن
والتعاون الأوروبي. ولكنه أكد من جانب آخر على أهمية تعاون
حلف شمال الأطلسي مع هذه المنظمة، مشددا على أن الحلف
الناتو بدأ يهتم بعد التحولات السياسية التي طرأت عليه،
بالمشكلات التي كانت تقع في السابق خارج نطاق رؤيته، وخاصة
مسائل حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية للدول.
من جهة أخرى أعرب الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي عن
قناعته بأن دول منطقة القوقاز تستطيع صياغة سياسة موحدة
للتكامل مع أوروبا. وقال ساكاشفيلي في مؤتمر صحفي عقب
محادثاته مع رئيس جمهورية لتوانيا فالداس أدامكوس في
تبليسي يوم الأربعاء الماضي "أنا واثق من أن بلدان منطقة
القوقاز الثلاثة (جورحيا وأرمينيا وأذربيجان) ستتمكن من
صياغة سياسة موحدة لعلاقتها بأوروبا والتكامل معها بغض
النظر عن الاختلافات السياسية ووجود النزاع بين أرمينيا
وأذربيجان".
ومن الملاحظ أن ساكاشفيلي (الابن الأمريكي المدلل ومنفذ
جميع ما يخطر على بال البيت الأبيض في منطقة القوقاز) أولى
اهتماما خاصا بمبادرة الرئيس اللتواني المتعلقة ببناء إطار
جديد للتعاون بين بلدان منطقتي البلطيق وجنوب القوقاز،
"3+3" (لاتفيا ولتوانيا وإستونيا من جهة وجورجيا وأرمينيا
وأذربيجان من جهة أخرى). وذكر الرئيس الجورجي بهذا الشأن:
"إن هذا الإطار يتميز بأهمية كبيرة بالنسبة لبلدان منطقة
جنوب القوقاز لأن المسألة تطرح بهذا الشكل: هل ستكون هذه
البلدان دولا ديمقراطية على النمط الأوروبي أم بلدانا
إقطاعية ذات أنظمة فاسدة". وأضاف بأن المبادرة المتعلقة
بتشكيل الإطار الجديد للتعاون بدأت تكتسب ملامح واقعية،
حيث سيعقد وزراء خارجية بلدان منطقتي البلطيق وجنوب
القوقاز أول لقاء لهم في العاصمة السلوفينية لوبليانا.
وأكد على أن ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا إلى جانب بولندا
وبلغاريا ورومانيا والولايات المتحدة تشارك مشاركة فعالة
في تسوية النزاعين في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وذهب
ساكاشفيلي إلى القول بأن جورجيا سوف تسعى إلى تشجيع انتشار
الديمقراطية في المجال السوفيتي السابق، بما في ذلك في
بلاروسيا أيضا. وأكد بأنه سيواصل أسلوبه الراديكالي في ما
يخص الحرية والديمفراطية واستقلال كافة الدول السوفيتية
السابقة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن موقف جورجيا
وليتوانيا متطابق إزاء هذه المهام.