يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1254 (16 - 23) نوفمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

هكذا

 
 

سكك «أبو زيد» .. كلها مسالك!

 
 

رءوف توفيق

 

 
كان «أبو زيد الهلالي» شجاعا .. ولكن عبد المقصود أفندي، ليس كذلك.. وأن كانت له نظرية في الحياة بناها علي أساس حبه الشديد لأبو زيد الهلالي .. سر هذا الحب أنه يقال عنه دائما «إن سكة أبو زيد كلها مسالك». وهذا فقط كل ما يعرفه عن أبو زيد .. ولهذا فقط يحبه!
إنه موظف بسيط في إحدي المصالح الحكومية له أربعة أبناء ومسكن متواضع جدا في إحدي حواري شبرا .. يخرج كل صباح من منزله شاهرا سلاحه .. ألا يستسلم للظروف .. فالظروف يصنعها ناس آخرون، ولابد أن تكون وراء هؤلاء الناس .. أن تبحث عنهم، وتستفيد منهم!
والفرص - في نظرية عبد المقصود - لا تأتي كما في الأفلام والمسلسلات المصرية قضاء وقدرا .. بل بالعكس لابد أن تسعي وراءها تجري وتلهث وتنحني!
وعبد المقصود لا يطلب المستحيل .. لا يطلب الوظيفة الكبيرة .. ولا المسكن المريح المعقول.. ولا أن تكون في جيبه في آخر الشهر عدة جنيهات .. فهذا ترف تعود ألا يفكر فيه .. إنما كل طلباته بسيطة جدا..
إنه يريد أن يعرف «سكة» أحد الأصدقاء المقربين من رئيسه في العمل حتي يعامله بما يليق من تقدير وتشجيع .. وألا يتهور في يوم ليطلب نقله لمجرد أن هناك شخصا آخر سيحل محله له ارتباطات برئيسه!
إنه يريد أن يعرف «سكة» أحد الأطباء في المستشفي العمومي .. يستطيع أن يضع بين يديه ابنه إذا مرض .. بدلا من أن يدوخ علي الأبواب بين نظرات التعالي والاستنكار!.
إنه يريد أن يعرف «سكة» أحد المدرسين الذي يقبل أن يعطي درساً خصوصيا لابنه بأجر لا يقطم ظهره .. وأن يعرف «سكة» أحد العاملين في الجمعية الاستهلاكية يضمن له شراء كيلو من اللحم البرازيلي بدون شغت ودهون .. وأن يعرف «سكة» مخبز يضمن له شراء خبز صالح للاستهلاك الآدمي .. وأن يحصل علي حقه من السلع المدعومة بدون إذلال أو بهدلة .. وأن يجد «سكة» لأحد باعة الملابس المستعملة لا يخدعه بالأقمشة المهترئة والتي تنهار مع أول غسلة.
إنه يريد أن يعرف «سكة» أحد كتبة المحامين .. حتي يستطيع أن يتكئ عليه في ثقة لو دخل في دوامة القضايا والمحاكم .. فصاحب العمارة التي يسكنها - وكلمة العمارة من باب التشجيع - يود أن يتخلص من كل السكان الذين يستأجرون الشقق بالإيجارات القديمة .. حتي يتمكن من هدمها وبناء عمارة جديدة بدلا منها ويستطيع أن يتحكم في سكانها كما يشاء.
وعبد المقصود أفندي .. يدرك جديدا أنه داخل حصار محكم، الحياة أصبحت مقفولة وكل ما يفكر فيه وما يحلم به، أن يعثر علي «سكة» لكي يعيش دون أن تدوسه الأقدام!.
علي الجانب الآخر .. يقف «عبد المهيمن» مزهوا بأمواله .. والتي جمعها من عمله في مجال المقاولات من الباطن .. وخبرة سنوات طويلة من غش «المونة» .. حتي أصبح من كبار رجال الأعمال .. له مكتب وموظفون يعملون تحت أمرته .. وحسابات في البنوك وكارت باسمه مزين بعبارة «رجل أعمال» .. ولكن هو الآخر يبحث عن «سكة» تصل به إلي مقاعد الجالسين في أول الصفوف .. لطالما تساءل ما الذي ينقصه لكي يكون قريبا من رجال السلطة .. يصافحهم ويتحدث معهم ويلتقطون له الصور معهم وهو يحتضنهم ويقبلهم .. وإذا وقع في مشكلة يستطيع أن يقتحم مكاتبهم أو يكفي أن يرفع سماعة التليفون ويحادثهم .. فتذوب كل المشاكل في غمضة عين.
وحتي يصل «عبد المهيمن» لهذه «السكة» انضم للحزب الوطني باعتباره حزب الحكومة .. والقريب من الحكومة قريب من النعيم كله .. وعرف كيف يفرض وجوده بالأحضان والقبلات ورفع الأيدي بالموافقة دائما .. فقد أدرك أن أول سلمة لهذه «السكة» هي الولاء الحزبي التام ولا اعتراض .. فهل هو مجنون لكي يعترض علي الحكومة وحزب الحكومة .. وهكذا وجد اسمه ضمن المرشحين للانتخابات .. وهتف عبد المهيمن منتصرا بقرب بلوغ كل أحلامه وأمانيه .. فالسكك مفتوحة أمامه .. وبقيت «سكك» الناخبين للحصول علي تأييدهم وأصواتهم..
أسهل «السكك» هي الكلام وإطلاق الوعود .. القضاء علي البطالة .. إنشاء المصانع.. وزرع الصحراء .. والقضاء علي الغلاء .. وعلي عنوسة البنات وعزوبية الشباب .. وإقامة حفلات الزفاف الجماعي وتوفير المساكن .. وتقسيط الأثاث والمفروشات ..
وجلجل صوت «عبد المهيمن» في المؤتمرات .. وعبر الميكروفونات المزروعة فوق أسطح المنازل وفوق السيارات .. وامتلأت الطرق والميادين بلافتات الدعاية والتأييد له .. هو كتبها بنفسه ضمانا لعدم الخطأ .. وزينها بصوره بالألوان وهو يبتسم .. وهو يحيي الجماهير.
وخرجت الأموال من جيبه سهلة .. المليون وراء المليون.
و«سكة» عبد المهيمن لمجلس الشعب .. مليانة مسالك ..
قبل موعد الانتخابات بثلاثة أيام .. دخلت الحواري والأزقة سيارات نقل تحمل أكياسا من المواد الغذائية لتوزيعها علي أهالي الدائرة..
وفي اليوم التالي .. بدأ شراء الأصوات .. الصوت بعشرة جنيهات..
وفي ليلة الانتخابات .. ارتفع السعر .. الصوت بعشرين جنيها..
وفي يوم الانتخابات .. وصل الصوت إلي خمسين جنيها .. مع عربات نصف نقل وميكروباصات تشحن الناخبين إلي مراكز الاقتراع .. غير مسيرات الميكروفونات والأغاني التي سجلها للدعاية له ..
ويقال إن عبد المهيمن .. أنفق 12 مليون جنيه للوصول إلي سكة مجلس الشعب.. ثم فوجئ بقرار الإعادة مع مرشح آخر .. أي أنه عليه أن يدفع مرة أخري عدة ملايين.
ولنا أن نتساءل هل تساوي سكة مجلس الشعب كل هذه الملايين .. وكل هذا الضجيج والتنافس الشرس.
عبد المهيمن يؤكد أنه مستعد أن ينفق كل ما يملك في مقابل أن يحصل علي «الحصانة البرلمانية» .. وأن يجاور رجال السلطة .. وأن ينعم بعد ذلك برضاءهم وحمايتهم .. وسكة أبو زيد كلها مسالك..
نحن بين الموظف الغلبان «عبد المقصود أفندي» .. وبين رجل الأعمال المليونير العشوائي «عبد المهيمن» .. نرقب ما يحدث .. ونحن نكاد ننفجر غيظا وحسرة .. علي بشاعة «السكك» غير المشروعة للحصول علي حق من الحقوق الطبيعية..
فالموظف الغلبان من حقه أن يعيش مستوراً بكرامة دون أن ينحني لأحد .. ورجل الأعمال الأمين من حقه أن يجني ثمار أعماله دون أن يطلب الحب والرضا وغض البصر من الحكومة .. والمواطن العادي من حقه أن يختار من يمثله في مجلس الشعب بدون ضغوط ومناورات وأكاذيب تعصف بكل الحقائق.
والعيب فينا .. لأننا فهمنا بطريق الخطأ أسطورة أبو زيد الهلالي .. ولم نتوقف إلا مع المأثور الشعبي .. إن سكك أبو زيد كلها مسالك .. ويبدو أن طبيعة حياتنا قد فرضت علينا هذا الفهم .. وهذا التفسير الظالم له .. ولنا!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة