كنت في الثامنة من عمري، لا أدرك بعد معني الحياة، فما
بالك بالموت والفقد واللوعة والفراق.
حين ماتت أمي لم أشعر باليتم.
كنت في الثامنة من عمري، لا أدرك بعد معني الحياة، فما
بالك بالموت والفقد واللوعة والفراق.
شعرت باليتم حين مات أبي.
كنت شابة في الخامسة والعشرين، حين ارتمي أبي في حضني وهو
يصرخ من ألم يفترس صدره، وما كدنا ننقله إلي المستشفي حتي
فارق الحياة بذبحة صدرية، وهو لم يتجاوز الستين من عمره
إلا قليلا.
ترمل أبي وهو علي مشارف الخمسين، فعرف كيف يتعامل مع ألمه
ووحدته المضنية، ولم يسمح لهما أن تفسدا صفاء روحه، أو
يخلا بتوازنه النفسي، رغم الأعباء الثقيلة التي كان يحملها
علي عاتقه منفردا، بعد أن تركته شريكة العمر وحيدا،
الثقافة كانت وحدها هي الملجأ الذي يؤنس وحدته، ويمنحه
قدرة استثنائية علي مواجهة فقر الموارد وشظف العيش وضيق
الاختيارات، وقلة الإمكانات وكثرة الأبناء. كان ثمة يقين
لديه أن الثقافة عزوة، وأن العلم والعمل صنوان لمناطحة
الفقر وعدل ميزان الكون المختل.
كان الاعتدال، والنزوع الفطري للعدالة والاستقامة، هي
السمات التي ميزت شخصية أبي، وطبعت علاقته بالأبناء
وبالناس والأشياء، ورسمت له حدود حكمه عليهم. هل هو التدين
وعمق الإيمان بعدالة السماء؟ أم هو الأدب والشعر الذي كان
يقرضه؟ أم أنها سعة ثقافته وتنوعها؟ أم أن كل هذا معاً، هو
ما منحه القدرة في كل وقت علي إخضاع مشاعره لمعيار العقل
والضمير، الذي كان يعتقد أن «الوسطية» ترسو علي ضفافه،
لأنها خير الأمور.
لم يكن أبي يقبل بالأعراف والتقاليد السائدة دون مراجعتها،
تجلي هذا بوضوح في علاقته معي، حين نسف المسافة بين أبوته
وبنوتي، فكانت الصداقة محورا لتلك العلاقة التي أثراها
بمحبته وتفهمه وإيمانه العميق بأهليتي للندية والمساواة.
عشق أبي اللغة العربية، ليس لأنه كان مدرسا لها، بل لأنه
كان شاعرا مولعا بقراءة كتب التراث العربي والإسلامي، وفي
القلب منها دواوين الشعر بطبيعة الحال. وكانت أجمل
الأمسيات في بيت أبي تلك التي يتلو علينا فيها نصا أدبيا
أو قرآنيا، ليكشف لنا من خلاله عن ثراء اللغة، ويدعونا
للتأمل في مفرداتها، ومعانيها واستخداماتها المختلفة.
كانت ثقافته وإلمامه بالتراث العربي مرجعا نعود إليه دوما،
عندما تساورنا الشكوك.
ومع أن التراث العربي والإسلامي شكل الجزء الأكبر من ثقافة
أبي الموسوعية، إلا أنه لم يكن يقدسه فقد كان يعتقد أن
بهذا التراث ما يستحق البعث والإحياء والحضور الدائم، وبه
ما يستوجب الترك والإهمال والنسيان.
شكلت روح أبي المنصفة، رؤيته للسياسة فلم يجد أي تناقض بين
انتمائه التاريخي لحزب الوفد، وبين محبته الغامرة لجمال
عبد الناصر، بل كان يري في ذلك تكاملا بين حلقات الثورة
المختلفة، لم تشأ ثورة يوليو أن تدركه أو تعترف به. ليس
هذا فحسب، بل أقامت الثورة قطيعة مع حزب الوفد، لم تقف عند
حله مع الأحزاب الأخري، بل تجاوزت ذلك إلي تشويهه، وإلصاق
أبشع التهم بقادته وفتح الأرشيف علي تاريخهم الشخصي، في
سياق حملة المقت والكراهية التي قادتها الثورة ضد فكرة
الحزبية، وهي الحملة التي لم تبرأ من آثارها الحياة
الحزبية في مصر حتي الآن، إذ أنها أسفرت عن تأميم العمل
السياسي في حزب واحد وأخرجت المواطنين منذئذ وحتي إشعار
آخر من معادلة العمل السياسي0 وليس أدل علي ذلك من نسبة
المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي تشهدها مصر الآن
حيث تراوحت بين 10% و20% من الناخبين برغم الأموال الطائلة
التي أنفقت لجلب أصوات الناخبين!
لقد وصف ميثاق العمل الوطني الذي أخذته الثورة برنامجا
لعملها الزعيم سعد زغلول بأنه مجرد انتهازي ركب موجة
الثورة، وفي سياق المنافسة علي الشعبية بين الجماهير محت
الثورة من الذاكرة ومن المناهج التعليمية كل إنجازات ما
بين الثورتين، لتتخرج أجيال من الدارسين لا تعرف شيئاً عن
تاريخها ولا تحفل حتي بهذه المعرفة. وكشفت دراسة دالة
أجرتها صحيفة الأهرام قبل شهور عن الشباب والسياسة في مصر
عن الضحالة الثقافية والمعرفية لتلك الأجيال الشابة التي
يري بعضها أن ثورة 1919 حدثت عام 1952، وأن زعيمها أحمد
عرابي ، وأن أحمد عرابي نفسه إما أن يكون مؤسس بنك مصر
وإما أن يكون اسما لأحد أحياء القاهرة الكبري!
كان أبي يأسف لهذا التناقض الذي وضعته الثورة بينها وبين
الوفد، أكثر الأحزاب شعبية في التاريخ المصري المعاصر،
لكنه لم يترك لهذا الأسف مجالا لكي يؤثر في رؤيته
الموضوعية للثورتين 1919،1952، أو في مشاعر محبته الطاغية
لقيادات الوفد والثورة.
شارك أبي في جنازتي مصطفي النحاس وجمال عبد الناصر.
كلما وجدت نفسي أتقبل الرأي الآخر بهدوء ودون انفعال أتذكر
أبي. وكلما استمعت إلي فتوي تقرب الناس من دينهم وتيسر
عليهم حياتهم بالاشتباك معها والإقبال عليها وليس
اعتزالها، أترحم علي أبي وكلما زاد توجسي ممن يبدأون
حديثهم بالأحكام المسبقة والقطعية ممن يطلقون عليهم ملاك
الحقيقة المطلقة، الذين ينتجون ثقافة تفضي دائما إلي
الإقصاء والقمع والاستبداد وحتي إلي القتل ، أحن إلي أبي،
وأفتقد أنشودته في الاعتدال، التي تثبت لي كل التجارب أنها
طريق مأمون لجلب السعادة، بالتوازن النفسي والتصالح مع
النفس، كما أنها قبل هذا وذاك تمنح الإنسان - لاسيما إذا
كان كاتبا -القدرة علي الخلق والتجديد والابتكار وحتي علي
المقاومة.
** حرية الصحافة الأمريكية
حرية السوق تزداد اتساعا وتوحشا وحرية الصحافة يجري
التضييق عليها حتي في إحدي أكبر قلاع الرأسمالية وهي
الولايات المتحدة الأمريكية0
الأدلة علي ذلك كثيرة لعل أوضحها ما جري مؤخرا، حين قدم
لويس ليبي مدير مكتب نائب الرئيس الأمريكي ديك شيني
استقالته من منصبه بعد اتهامه بالحنث باليمين وعرقلة
العدالة والإدلاء بشهادات زائفة وهي تهم إن ثبتت صحتها تصل
العقوبة فيها إلي السجن 30 عاما0
تفجرت هذه القضية قبل أشهر حين قضت محكمة أمريكية بحبس
جوديث ميللر الصحفية بواحدة من أكثر الصحف الأمريكية
انتشارا هي نيويورك تايمز، بعد أن رفضت الصحفية الإدلاء
بشهادتها في التحقيق المتعلق بتسريب إدارة الرئيس الأمريكي
بوش عمدا اسم عميلة ممن عملوا في وكالة المخابرات
الأمريكية عام 2003 تدعي فاليري بلام، وهي زوجة لسفير
أمريكي سابق هو جوزيف ويلسون كان قد سافر إلي النيجر
بتكليف من وكالة المخابرات للتأكد من صحة الأنباء التي
تحدثت عن بيع النيجر كميات من اليورانيوم لصدام حسين
لاستخدامها في إنتاج أسلحة نووية، وهي المهمة التي انتهت
بنفي ويلسون لهذا الادعاء، الذي استندت إليه إدارة بوش في
تبرير غزوها للعراق0
ولأن السياسة في بعض الأحيان لا أخلاق لها، لا سيما إذا
كانت أمريكية، فإن إدارة بوش قررت معاقبة السفير ويلسون
علي نقده لسياستها في العراق وعلي كذب المبررات التي
اصطنعها بوش لتبرير غزوه للعراق0 لم تتحمل الإدارة
الأمريكية التي احترفت الكذب، تسليط السفير الضوء علي
مواصلتها الكذب علي الشعب الأمريكي الذي أصبح أبناؤه وقودا
لحرب بوش الفاشلة علي ما يسمي بالإرهاب الدولي، الذي تتفنن
الإدارة الأمريكية وأنصارها في تبرير اتساع نطاقه علي
المستوي الدولي، بكل شيء وأي شيء سوي أخطاء سياساتها0
** الصحفية ميللر رفضت الكشف عن المصدر الرسمي في الإدارة
الأمريكية الذي أمدها باسم عميلة المخابرات الأمريكية
وفضلت السجن ثلاثة أشهر عن الكشف عن مصدر معلوماتها،
وساندت صحيفة نيويورك تايمز اختيار محررتها وقالت إنه
الاختيار الصحيح، إذ تخلت عن حريتها الشخصية من أجل الدفاع
عن حرية أكبر، كان الآباء المؤسسون لأمريكا قد منحوها
للصحافة الأمريكية كي تظل حرة ويظل الصحفيون، يؤدون مهمتهم
دون خوف من تشريعات جديدة ودون خشية من انتقام هيئات
حكومية0 كما طالبت الصحيفة بمراجعة سريعة لكل القوانين
التي تعطي للصحفي الحق في عدم الكشف عن مصادر معلوماته، كي
يتسني للصحفيين المحافظة علي الوسائل الأساسية التي
يستخدمونها خلال قيامهم بأكثر الأعمال حساسية0
جوديث ميللر عدلت عن موقفها ووافقت علي الإدلاء بشهادتها
والكشف عن مصدر الخبر الذي تبين أنه لويس ليبي نائب الرئيس
الأمريكي0
ما قامت به الصحفية الأمريكية كان عملا شجاعا، لكنها شجاعة
في قضية مغرضة وغير عادلة0 فالصحفي الملتزم هو خادم
للحقيقة، يحترم ضوابطها الأخلاقية، ويقدس تقاليدها
المهنية، وينتدب نفسه لخدمة تلك الحقيقة، لحماية حق القارئ
في المعرفة ولحماية مصادره0 هذا صحيح لكن زوج العميلة
السرية كشف الجانب المهم لتلك القضية حين قال إن نشر اسم
زوجته تم تسريبه عمدا للانتقام من موقفه المعارض لحرب
العراق، وبالتالي جاء الالتباس في موقف الصحفية الأمريكية،
لأن تضحيتها بحريتها الشخصية لإخفاء اسم مصدرها، كان حقا
يراد به باطل وهو التستر علي بضاعة فاسدة وإدارة كاذبة
وفاشلة وتقود العالم إلي حافة الهاوية0
إنها شجاعة في غير موضعها، وهي قضية تضع أسئلة كبيرة حول
حرية الصحافة الأمريكية0
كما تطرح تساؤلاً كبيراً: هل يعد الدفاع عن قضية ظالمة حتي
لو بها تضحية شخصية، شجاعة أم تواطؤ.؟!