سيتقدم نصر حامد أبو زيد بعد أيام قليلة من منصة تسليم
جائزة «الفكر الحر» التي منحتها له مؤسسة ألمانية تحمل اسم
«مؤسسة ابن رشد للفكر الحر» وهي الجائزة التي حصل عليها في
السنوات السابقة عرب مثل محمد عفيفي مطر ومحمود أمين
العالم.
سيتقدم نصر حامد أبو زيد من المنصة وهو يحدث نفسه بالحديث
الطويل التالي:
«حقا، لا كرامة لنبي في وطنه أهل الغرب يكرمونني وأهل
بلادي يطردونني، لقد درجنا في الصبا علي أن نقول: لا شيء
يأتي من الغرب يسر القلب، هل انقلبت المقولة إلي: لا شيء
يأتي من الشرق يسر القلب».
هؤلاء الغربيون يكرمونني بجائزة «الفكر الحر» بينما أهل
جامعة القاهرة أدانوني بتهمة «الفكر الكافر» هؤلاء
الغربيون يقررون كتبي علي طلاب الدراسات العليا في
الجامعات الغربية، بينما تطوف بذهني الليلة وشاية «المفكر
الإسلامي المعتدل» فهمي هويدي بي عبر صفحات «الأهرام»
الجريدة القومية! ويطوف بذهني تقرير د. عبد الصبور شاهين
إلي لجنة الترقيات، ذلك التقرير الذي وصفني فيه «بالخروج
عن ثوابت الدين» و«إنكار المعلوم من الدين بالضرورة».
ومن طرائف الظلام أن تدور علي عبد الصبور شاهين نفسه دوائر
الفقه الأسود، بعد تقريره الأسود عني بسنوات قليلة 2001 إذ
صادر الظلاميون «وهو إمام من أئمتهم» كتابه : «أبي آدم :
قصة الخلق» وقد أيد حرية شاهين في الرأي والبحث المستنيرون
الذين أيدوا حريتي في الرأي والبحث، وقد أيدت - أنا نفسي -
حرية شاهين في الرأي والبحث، لكنه لم يستخلص من تأييد
المستنيرين وتأييدي له أي درس أو عظة!
هذه المؤسسة «الألمانية» التي منحتني الجائزة اسمها «مؤسسة
ابن رشد للفكر الحر» فانظر معي غرائب الفكر والتاريخ
العربيين الميمونيين: ابن رشد هذا المفكر الإسلامي
العقلاني الذي عاش في الأندلس منذ عشرة قرون، وقد اضطهده
الفقهاء الظلاميون متحالفين مع السلطة السياسية، فما أشبه
الليلة بالبارحة! وانتهي أمره بمنشور يحرم الفلسفة أصدره
الخليفة المنصور، وبحرق كتبه، وطرده من الأندلس، أليس هذا
ما حدث معي؟!. أما الأوروبيون فقد عرفوا قدر ابن رشد، حتي
صارت الرشدية تياراً أساسيا من تيارات الفلسفة الأوروبية
الحديثة التي دشنت عصر النهضة الغربية للخروج من ظلمات
العصور الوسيطة.
كانت جوهرة فكر ابن رشد هي دعوته إلي «تأويل» النص الديني
المقدس، واستمرار تأويله حتي يتوافق مع خبرة العقل وخبرة
الحياة البشرية، انطلاقا من الصلة الوثيقة بين الحكمة
«الفلسفة» والشريعة «العقيدة الدينية»، لأن الحكمة حق
والشريعة حق، و«الحق لا يضاد الحق».
لقد سرت تحت راية ابن رشد، فكتبت عن «مركبة التأويل عند
ابن عربي»، وكتبت عن «مفهوم النص» وكتبت عن «الوسطية عند
الشافعي» وعن تجديد الخطاب الديني.
كان تأويل النص مذهبي والسياق التاريخي أداتي، فكان مصيري
هو مصير ابن رشد: مصادرة الكتب، والحكم علي بحد الردة
والتفريق بيني وبين زوجتي وطردي خارج مصر، وتصل المفارقات
ذروتها حينما تتأسس في ألمانيا جائزة ابن رشد للفكر الحر
(مثل قسم أفيردس «ابن رشد» للفلسفة في فرنسا مع بدء النهضة
الفكرية الغربية) وهي التي تمنحني الجائزة، فيا ابن رشد:
أنت معي دائما: شهيدا وشاهدا.
تتجه خطاي نحو منصة الجائزة، بينما مازال يرن في أعماقي
منذ عشر سنوات السؤال: هل هاج الظلاميون علي بسبب دعوتي
إلي التأويل والقراءة التاريخية للنصر، أم لأنني فضحت
تواطؤ الفقهاء المشهورين مع شركات توظيف الأموال
«الإسلامية» التي نهبت أموال البسطاء في مصر ثم هربت إلي
الخارج، مصحوبة ببركات الشيوخ الأجلاء؟!
في هولندا توليت رئاسة قسم الفقه الإسلامي، بينما كنت بين
أهلي في جامعة القاهرة أسعي لكي أحظي بحقي في الترقي إلي
درجة استاذ مساعد، حينما أعدوا لي مذبحة الردة، ودعيت إلي
أكثر من جامعة غربية لكي أحاضر في الدراسات الإسلامية، وفي
كل محاضرة كنت أتذكر المحاكم الابتدائية والاستثنائية
والنقض وغيرها من المحاكم التي تنقلت بينها، وجريرتي رأي
وتفكير واجتهاد.
في كل محكمة دخلتها كنت أسأل نفسي أين ذهب نص الدستور الذي
يقر حرية الفكر والاعتقاد؟ وأين الأحاديث التي تقول إن
المجتهد له أجران أجر إن أصاب وأجرٌ إن أخطأ؟ وأين مقولة
الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل
الصواب؟!
تتقدم خطاي نحو المنصة لاستلام جائزة ابن رشد للفكر الحر،
والسؤال مازال يدور في خاطري: لماذا تركتني الدولة عاريا
أمام طيور الظلام؟! .
وتطوف الإجابة في سماء القاعة: إن الانقسام في التشريعات
بين التشريع الديني والتشريع المدني، إنه انتهازية السلطة
السياسية التي تتذرع بالدين من أجل استمرار سيطرتها
الفاحشة واستمرار تزييف وعي المواطنين، أما الفكر الحر
فمكانه السجن أو المنفي أيهما أقرب!
أمشي إلي المنصة لاستلام الجائزة، بينما تطرق سمعي أغنية
مصرية من الأغاني الوطنية الجديدة تقول: إذا وجدت الجامع
يعانق الكنيسة، فأنت صحيح في مصر وإذا وجدت الناس متحابين
متسامحين، فأنت صحيح في مصر، كم هي أغنية كاذبة زائفة،
وعندما يدوي تصفيق الحاضرين لي أثناء استلامي الجائزة
سأقترح سطوراً حقيقية واقعية أخري للأغنية تقول: إذا وجدت
كتبا فكرية عميقة تصادر فأنت صحيح في مصر، وإذا وجدت شيوخا
يرتعبون من الآخر ويحرقون الفكر المتقدم فأنت صحيح في مصر،
وإذا وجدت الكهنوت يسير في الشوارع والطرقات يهدد رقاب
المجددين بالقطع فأنت صحيح في مصر.
من علي المنصة سأوجه بصري إلي زملائي المثقفين المصريين
وأصرخ بصوت توفيق زياد «أناديكم، أشد علي أياديكم، فمأساتي
التي أحيا، نصيبي من مآسيكم».
ثم أهمس في آذان إخوتي المصريين: يا إخوتي المصريين، «ابن
رشد» ضرورة وآه لو أعرف لماذا؟»