البرنامج الانتخابي للحزب الحاكم يطرح مجموعة من التعهدات الوهمية
البرنامج يتجاهل مواجهة الفساد ويدافع عن مصالح الشركات الأجنبية
د. حامد عمار
بدءا من أول يناير 2006م أو 30 ذي القعدة 1426هـ أو 23
من كيهك 1722ق ولمدة ست سنوات متتابعة، يسعدني أن أزف إلي
كل مصري علي أرض الكنانة بشري التحول العظيم إلي مجتمع
مغاير تماماً لأحواله الراهنة، وسوف تُحوَّل طاقات الفكر
الجديد التي يمتلكها الحزب الوطني قدرات البشر لعبور
مستقبل تتحقق فيه آمال وطموحات ومنجزات كانت سراباً
مراوغاً خلال أكثر من ثلاثة عقود مضت، ولا تستغرب أيها
القارئ، ما سوف يحدث لك ولمجتمعك، فقد هبط علي الحزب ذلك
الفكر الجديد من وحي العولمة وإلهام السوق، وسوف تتفتح
بفضله سحائب الرؤية، فتتنزل إمدادات المستحيل لتغدو
إمكانات هائلة لتغيير الواقع.
وبعبارة أخري سوف يعبر بنا برنامج الحزب الوطني الذي يتذرع
به في الانتخابات البرلمانية القادمة، من مجتمع يتألف من
قوي سياسية واجتماعية تكوِّن طبقة للمستغلين والمتسلطين
وأثرياء السوق وناهبي البنوك وتوابعهم من المنتفعين
والمفسدين في الأرض والبحر والهواء، ومن قوي عاملة مقهورة
مكدودة تجهد نفسها في طلب الستر من أجل لقمة العيش ورعاية
العيال وكرامة المآل، ومن غالبية ساحقة من محدودي الدخل
ومهدودي الدخل ومحرومي الدخل تغتالهم آفات الفقر المدقع أو
الفقر «الدَّكَر» كما يسميه بعض أهل ريف الصعيد.
الفكر الجديد السوقي
سوف تختفي خلال السنوات الست القادمة بعون الفكر الجديد
السوقي هذه التشكيلة المجتمعية إلي طبقات ثلاث من المردة
والشياطين والعفاريت القادرة علي صنع المعجزات، وتحويل
الصحاري إلي جنات، وإلي قوة عمل مدربة ومؤهلة في آلاف
المصانع ومراكز البحث والتكنولوجيا تتسم بقدرات إنتاجية
عالية تنافس الصين وكوريا وماليزيا، وسوف تتلاشي البطالة
بين الشباب بما يتح لهم من فرص عمل وقروض متنوعة ومتعددة،
كما سوف تتسع إمكانات التعليم من المهد إلي اللحد، هذا
فضلاً عن تعزيز الحريات والديمقراطية، إلي آخر قائمة
التعهدات الأساسية الأربع التي تعج بها الدعاية الانتخابية
لمؤتمرات الحزب الوطني وفق برنامجه الحاشد.
البرنامج والشياطين
والقراءة الفاحصة لما ورد في الصفحات التسع من ملحق
الأهرام بعنوان «برنامج الحزب الوطني الديمقراطي لانتخابات
مجلس الشعب 2005» جديرة بالتأمل الناقد من كل من له خبرة
أو معرفة بالعلاقة بين الأماني والموارد، حتي لو تولي
الفكر الجديد الذي يحتضن المردة والشياطين والعفاريت
تنفيذه بقدراتهم الفائقة الخارقة فإن البرنامج محشو بمهمات
يصعب بل يستحيل تنفيذها في السنوات الست، وأعجب كيف أن
الحزب، وفيه حشد هائل من المفكرين والمخططين والمتمرسين
بظروف التغيير وشروطه، لم يلتفتوا إلي هذا الخيال الجامح
في رص كل ما يمكن رصه من تعهدات ومشروعات وحلول للمشكلات
في الأفق الزمني المحدود لست سنوات.
ويبدو أنه قد ترك لكل قطاع أو جهاز من أجهزة الدولة والحزب
أن يتخيل ما شاء الله له أن يتخيل أو أن يحلم أو أن يقدر
ما يمكن عمله، وبذلك التفصيل والتجزئة التي لم نألفها حتي
في رسم الخطط الخمسية الأربع السابقة، وهي التي لم يتحقق
من حصادها سوي نصف ما وضعته من طموحات من قطاع الإنتاح
والخدمات، باستثناء عملية الخصخصة وبيع القطاع العام.
وإذا كان معظم حصيلة بيع القطاع العام قد استخدمت في تكوين
البنية الأساسية التي ما تزال بعض مرافقها في حالة
متدهورة، وبعد قانون الإصلاح الضريبي وخفض الرسوم الجمركية
الذي يقلص موارد الدولة السيادية المالية، فمن أين تأتي
الموارد المالية للإنفاق علي كل هذه المشروعات الافتراضية
في برنامج الحزب؟
وسوف يقول لنا البرنامج وساسة الحزب بأنه سوف تتدفق لدينا
الاستثمارات الداخلية والخارجية، وعليها يقع عبء حوالي 80%
من إنجاز تلك المهمات، وهل لاستثمارات القطاع الخاص أو
الاستثمارات الأجنبية أمان وضمان؟ والخلاصة فإن التوجه إلي
الخارج باستثماراته وتكنولوجياته هو طريق العبور للمستقبل،
وليس التنمية الذاتية والاعتماد علي النفس إلي أقصي درجة
ممكنة والمعروف أن الاعتماد علي الخارج مرهون بمتغيرات
كثيرة سياسية واقتصادية يصعب التكهن بها في كثير من
الأحوال.
الاستثمار والقروض
وتشير ذاكرتي المتآكلة إلي أن أجواء الاستثمار في مصر تقع
في قائمة ذيل دول العالم في صعيد المنافسة بل إنها في موقع
متأخر بين الدول العربية، وهل سوف نلجأ إلي القروض
الخارجية والداخلية وعبئها كما يحذرنا كثير من الاقتصاديين
بأنه متزايد ومنذر بمخاطر علي الكيان الاقتصادي كله: أم هل
يمكن استرداد مصر لملياراتها التي يدعو إليها برنامج تحالف
قوي المعارضة، لم يدلنا البرنامج من أي سبيل يمكن أن توفر
الموارد المالية، وقد أوشك بيع القطاع العام علي الانتهاء،
كما يبشرنا بذلك دهاقين المجموعة الاقتصادية في الحزب.
ويتجلي الخيال الجامح ليطمئن المشاعر ونعيش بتلك الأمنيات
«زمناً رغداً» كما يقول الشاعر، في أن معظم المشروعات التي
يمكن أن يتحقق في أحسن الحالات خلال ست سنوات قد ضربت في (
10) لتصبح (100) ثم (1000) ثم (10000) وبذلك يمكن القول
بأن تلك المشروعات لن تتحقق خلال أفق السنوات الست، بل
يصبح أمراً معقولاً لو تحقق بعضها خلال (60) عاماً، وربما
كان الهدف المستتر المضمر للحزب أنه سوف يستمر خلال العقود
الستة القادمة، وربما فيما بعدها لينطبق عليه تسمية الكاتب
القدير أ. محمد فهمي «الحزب السرمدي».
والخلاصة أن البرنامج لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
ووعد بحلها، وذلك لكي يبنهر الناخب، ولإغرائه في هذه
اللحظة بمعسولات الأمنيات، وهذا في الواقع نوع من تزييف
الوعي، يتنافي مع ما يزعم الحزب من حرصه علي سياسات
المصارحة والشفافية والمساءلة، لكن ذاكرتنا قصيرة،
وقدراتنا هائلة علي التبرير والإسقاط، وهم بذلك يقولون
للشعب، «حا أسيبك للزمن» مما أطربتنا به أم كلثوم، ومن
الأرقام المهولة علي سبيل المثال في مجال الوعود بناء
(1000) مصنع جديد يوفر ما يقرب من (250) ألف مشتغل جديد،
ومنها (400) قرية جديدة ترتبط باستصلاح مليون فدان جديد،
ومنها نصف مليون وحدة سكنية للشباب، وزيادة عدد من الأسر
المستفيدة من الضمان الاجتماعي من (350) ألف أسرة إلي
(3.1) مليون أسرة، وهكذا دواليك يستمر البرنامج في طرح
أمنيات السنوات الست، مما يذهل العقل، ومما يثير شكوكاً في
طرق تقديراتها بمقارنة مع ما سبقها من أحوال ومؤشرات
لإمكانات النمو والتوسع.
مأساة التعليم
وإذا انتقلنا إلي قطاع التعليم، فإن برنامج الحزب
وتصريحاته وخطبه تباهي بإنشاء (3500) مدرسة جديدة في
السنوات الست القادمة، أي بمعدل (500) مدرسة سنوياً من
خلال هيئة الأبنية التعليمية، أي أن هذه مسئولية الدولة،
وأعجب أن الادعاءات السابقة بالآلاف وعشرات الآلاف لم يكن
لبناء المدارس منها نصيب هذا مع تأكيدنا منذ عقود بأن بناء
مدارس جديدة يمثل البنية الأساسية لأي نظام تعليمي، ويوفر
التوسع فيها حلولاً لكثير من مشكلات التعليم من كثافة
الفصول، وتدني جودة التعليم لقصور المعلم عن تدريس فعال في
فصول تصل إلي ما بين (40 - 60) طالباً في الفصل، ومن ثم
كان ينبغي لهذا المشروع أن يحتل أولوية أعلي بكثير مما
يباهون به، والحاصل أنه منذ أوائل التسعينيات بدأ مشروع
الأبنية المدرسية بإنشاء (1500) مدرسة سنوياً، وكنا ندعو
إلي زيادتها إلي (2000) مدرسة سنوياً علي الأقل، بيد أن
هذا المعدل قد أخذ يتآكل بعد استمرار حوالي ست سنوات،
وبعدها تناقص إلي (1000) مدرسة ثم إلي (800) مدرسة ثم إلي
(500) مدرسة، وهذا هو المعدل الذي يشير إليه البرنامج
للعبور للمستقبل.
وفي تقديري أن هذا التناقص «خطيئة كبري» نظرا ً لاستمرار
معدل النمو الطبيعي للسكان بحيث يصل عدد الملزمين في سن
السادسة حوالي مليون وربع سنوياً، واستمرار هذا النمو
السكاني مع كثافة الفصول في المدارس الحالية بمختلف
مراحلها، سوف يؤدي إلي الاستمرار في تدني العملية
التعليمية واستمرار ظاهرة الدروس الخصوصية حيث لا يتم
تعليم مناسب في فصول مزدحمة وإمكانات محدودة للأنشطة
المدرسية، وسوف يقلل هذا من جميع الجهود الرامية إلي تطوير
المناهج واستخدام التكنولوجيا، وتدريب ما يشير إليه
البرنامج من (400) ألف مدرس بتكلفة (400) مليون جنيه في
سنوات البرنامج، ولست أدري لماذا اتخذ أدني معدل للبناء في
خطة البرنامج، مع أنه أهم بكثير من الإنشغال بإصدار قانون
بإنشاء هيئة الاعتماد وضمان الجودة في التعليم، فالبنية
الأساسية من المدارس الجديدة وتجهيزاتها شرط أولي ولازم
لفاعلية أي من نظم الاعتماد وضمان الجودة، وهي مما يشغل
اهتمام المسئولين عن التعليم، وهي من الأقانيم
التكنوقراطية الجديدة في هذه المرحلة، والتي تشي بتحديث
منقول من ظروف بيئات ثقافات تعليمية مغايرة، وهل هذا النقل
هو الفكر الجديد الذي يتجاهل أولويات الواقع وظروفه، سواء
في الأبنية المدرسية أو الأبنية الجامعية، أو غيرها من
الأولويات.
أما عن تطوير (250) مدرسة فنية بتكلفة قدرها مليار جنيه
فإن هذا التوجه سديد، مع إعجابي بقدرات البرنامج علي تحديد
عدد المدارس وتكلفتها خلال السنوات الست، كذلك العمل علي
وضع كادر خاص لأكثر من (400) ألف مدرس، وهذا توجه طال
الشوق إلي تحقيقه، لكننا لا ندري علي أي أساس تم اقتصاره
علي هذا العدد في حين أن العاملين من المدرسين يصلون حاليا
إلي أكثر من مليون في مختلف مراحل التعليم.
المبالغة والإدعاء
وفي الوقت الذي يظهر فيه القصور في بناء المدارس، يطفو علي
سطح برامج التعليم المبالغة والإدعاء باستيعاب 100% من
شريحة الأطفال (4 - 6) سنوات في مرحلة رياض الأطفال خلال
السنوات الست، وقد يكون هذا من بين ما يريد الحزب أن يقوم
به من معجزات، حيث إن نسبة الاستيعاب حاليا لا تزيد عما
بين (12 - 15%) في أحسن التقديرات، وهذه نسبة قد تجمعت
خلال نصف قرن فكيف يمكن القفز بها إلي سبع أمثالها في ست
سنوات؟! وقد ظهرت نسبة 100% في هذا البرنامج، بينما كانت
آخر المؤشرات الرسمية تسعي إلي الوصول إلي حوالي 40% خلال
الخطة الخمسية، يشطح الخيال إلي هذا الحد في الوقت الذي ما
يزال لدينا ما بين (3% - 4%) من الأطفال الملزمين في سن
السادسة ليس لهم أماكن في المدارس.
كذلك سوف يسعي الحزب مع الجمعيات الأهلية والمدارس الخاصة
في كل قرية وفي كل حي من أجل تشجيعهم علي «استيعاب» أطفال
مرحلة ما قبل رياض الأطفال والمعروفة عادة بدور الحضانة
والتي تعتبر حاليا من مهمات وزارة الشئون الاجتماعية،
وهكذا نتوقع خلال السنوات الست «استيعات» كل الأطفال ما
بين سن (3 - 6) في مؤسسات تربوية، وهذا والله إعجاز يفوق
أي تقدير، وتجعلني خبرتي بالقطاع التعليمي أن تساورني
الشكوك في تقديرات الوعود في قطاعات أخري، واستغفر لظنوني،
فإن بعض الظن ليس دائما مؤثما.
ومما يثير الانتباه أيضا إغفال البرنامج الحزبي لقضية
تعليمية قومية مهمة، وتلك هي قضية محو الأمية التي طال
واستطال الحديث عن القضاء عليها منذ أيام مجلس شوري
القوانين عام 1876 وهل سقط ذلك سهوا أو أنه قدتم القضاء
عليها فعلا؟.
أحوال الجامعات
وللقطاع الخاص دور متزايد في كل برامج المنظومة التعليمية
حيث ينفتح له المجال والعون بالأرض والمرافق من كهرباء
وصرف صحي وغيرها لبناء مدارسه وجامعاته، ويقدر له إنشاء
(100) مدرسة يتم إنشاؤها كل عام بمشاركة القطاعين الخاص
والأهلي بالإضافة إلي القطاع المصرفي في التمويل، وكم كنت
أتمني أن يدخل القطاع الخاص في التعليم الفني الذي لم
يقتحمه أبدا مقتصرا علي التعليم العام، كذلك يعمل الحزب
علي وضع خطة لإقراض الطلبة يستطيع بها الطالب أن يتحمل
تكاليف الدخول في الجامعات الخاصة إن كان ذلك اختياره بصرف
النظر عن قدرته الاقتصادية، وبذلك تتاح لكل راغب في
الجامعات الخاصة قروض بأقساط ميسرة علي مدي عشرين عاما
بدون فائدة، علي أن يسددها بعد التحاق الخريج وهذا من كرم
الدولة علي القطاع الخاص، كذلك سوف يتاح للقطاع الخاص بناء
المدارس وتؤجرها الحكومة، وتقدم البنوك المصرية ائتمانا
للقطاع الخاص بضمان العقود المبرمة مع الحكومة.
أما التعليم الجامعي فلم يحظ بما يستحقه من برامج التطوير،
ولعل من أهمها بناء جامعات جديدة، رغم أنه من سياسات وزير
التعليم العالي وتصريحاته بناء جامعات جديدة، وربما يري
الحزب أن هذا المشروع يقع خارج نطاق السنوات الست الحافلة
والحاشدة بما هو أدني من ذلك من مشروعات في أولويتها.
ويقتصر برنامج الحزب من الناحية الرسمية علي تغيير قانون
الجامعات لإعطاء أعضاء هيئات التدريس مساحة أكبر من الحرية
الأكاديمية، وليس الحرية الكاملة في ضمان استقلال
الجامعات، وحرية البحث والتعبير والتنظيم لشئونها ومواردها
وإدارتها، هذا إلي جانب حرية الجامعة في انتخابات قياداتها
علي مختلف المستويات واستبعاد أي تدخل أمني أو رقابي عليها
وعلي إدارة شئونها، وفي تعديل اللوائح الطلابية يقتصر
الأمر علي جعلها تتيح مزيداً من المشاركة في الحياة
الجامعية، والنص علي الحياة الجامعية مقصود ليستبعد
المشاركة في الحياة ا لسياسية علي النطاق القومي.
أين الجامعات الخاصة؟
ومما يسترعي الانتباه إغفال أي ذكر تفصيلي للجامعات الخاصة
باستثناء منح الطلاب الراغبين في الالتحاق بها قروضا بدون
فوائد طويلة الأجل مما سبقت الإشارة له، ومما تردد في
الصحف أن ثمة تسع جامعات خاصة تتأهل أو تأهلت فعلاً للدخول
إلي ساحة التعليم الجامعي ليصبح عددها مقارباً للجامعات
الحكومية، بعد أن لم يكن هناك أي جامعات خاصة حتي أواخر
التسعينيات، هذا فضلا عن وجود أكثر من ثمانين معهد عاليا
خاصا أو أكاديميات، ونتساءل هل من السياسة الحكومية
الاستمرار في التوسع في الجامعات الخاصة بدعوي تخفيف العبء
عن الجامعات الرسمية وإيجاد نوع من التنافس بينها وبين
الجامعات الرسمية، كما يتم عادة تبرير التوسع فيها حيث
يدعو البرنامج الحزبي إلي «إعطاء دفعة كبيرة لإنشاء
الجامعات الخاصة» مضيفاً إلي ذلك تشجيع كل جامعة خاصة
للتوأمة مع إحدي «أكبر» الجامعات الأجنبية.
ونتساءل كذلك هل سقط سهواً أو «عمداً» أية إشارة إلي موقف
الحزب من الجامعات الأجنبية التي أضيفت إلي الجامعة
الأمريكية الوحيدة حتي أواخر التسعينيات الجامعات الفرنسية
والبريطانية والألمانية والكندية، وفي الطريق الروسية
والاسترالية؟ أليس لهذه الجامعات موقع في الخريطة
الاستراتيجية الخاصة بالتعليم العالي، ويبدو أن الأبواب
مشرعة للجامعات الأجنبية مما لا يشغل بال الدولة، فزيادة
الخير منها خيرين، كما يقال ما دامت تدخل في باب
الاستثمارات وخدمة السوق العالمي.
ومن قبيل تشجيع القطاع الخاص فيما يتعلق بخريجي الجامعات
يحرص الحزب علي «تشجيع جهات خاصة علي إعداد برنامج تأهيلي
لشباب الخريجين مدته ستة أشهر لتأهيلهم للحياة العملية
ومتطلبات سوق العمل» وأي سوق؟.
المستتر وجوبا في برنامج الحزب:
1- يبدو أن البرنامج جاء علي أساس قناعة تامة بأن جماهير
الناخبين علي اتفاق تام فيما يتعلق بالتوجهات
والأيديولوجية السياسية التي تكمن وراء تفاصيل كل محور في
تعهداتها الأربعة، ولكنه من الواضح مع وقفة أو نبشة بسيطة
تتجلي تلك التوجهات بأيديولوجياتها العولمية الرأسمالية في
إلقاء المسئوليات علي القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية
بأقل قدر من الشروط واللزوميات، ومن ثم انغماس الحزب من
رأسه إلي أخمص قدميه في ليبرالية مفرطة وحرية للسوق تضمن
حل كل المشكلات، وهي حرية يتعجب منها حتي آدم سميث رائد
ذلك التوجه، ولعل ما أشرنا إليه من دور هام لكل من الخاص
والأجنبي في قطاعي التعليم دليل ساطع علي الترحيب بذلك
التوجه وتداعياته، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص، وأي
مستثمر أياً ما كانت مقاصده الخاصة موضعا للتشجيع حيث يقول
البرنامج «الاستثمار هو أساس التشغيل، ولذلك كل مستثمر مهم
لدينا، مهما كان حجم استثماره».
2- والمتأمل لهذه السياسة الاستثمارية ومشروعاتها تصب معظم
منافعها في نهاية التحليل في صالح المستثمرين ورجال
الأعمال والشركات الأجنبية أو المتعددة الجنسيات، سواء في
السياحة أو الصناعة أو التكنولوجيا أو الإسكان أو
المواصلات أو حتي في فرص التشغيل، إذ إن من سوف يحظون بها
هم أولئك الأبناء والبنات ممن يتاح لهم تعليما متميزا في
المدارس والجامعات الخاصة والأجنبية بمصروفاتها الباهظة،
وسوف تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء اتساعاً مما
يترتب عليه توترات واختناقات اجتماعية وأخلاقية وثقافية،
وهذه أمور مفصلية في عملية الإصلاح أهم بكثير من الإنشغال
بالثانوية العامة التي هي قضية فنية ليس من الصعب
معالجتها.
3- من الملاحظ أيضا أن برنامج الحزب ومنطلقاته وتعهداته
بتفاصيلها الحاشدة قد أغفلت أهمية «الأسمنت الاجتماعي»
الذي يوثق الصلة والتماسك في بنية المجتمع بتناقضاتها
وتنوع مصالحها وثقافاتها الفرعية، أي «تعظيم الجوامع
وتقليل الفوارق» علي حد تعبير السلف، ويدخل في هذا الإطار
مهمات التعليم والثقافة ومسائل الوحدة الوطنية التي
تفاجئنا أحداثها المتفجرة بين الحين والآخر، ومن اللافت
للنظر في البرنامج اختفاء مبدأ العدالة الاجتماعية
واقتضاءاته في حراك المجتمع وإشاعة الأمل سوي ما ورد في
المحافظة علي الأوضاع الراهنة برفع مستويات الأجور هنا
وهناك.
4- وكذا اتشح برنامج الحزب الوطني بالغطاء التكنوقراطي
المنعزل عن سياقاته المجتمعية الواقية ومشكلاتها ليهتم
بالوسائل وحلول المشكلات علي أساس مرويات الخبراء سواء
المصريين أو من سدنة العولمة من نصائح البنك الدولي وصندوق
النقد الدولي، والالتجاء إلي المفهوم التكنوقراطي كما لو
كان منعزلاً عن محيطه الثقافي الاجتماعي، هو جدير بأصحاب
الحرف: منضدة انكسرت أحد أرجلها، فيأتي النجار لإصلاحه،
ولكن التعليم مثلاً لا يمكن إصلاحه بمجرد إدخال الكمبيوتر،
أو بهيئة الاعتماد ذلك لأن مسائله كلها ليست فنية فحسب بل
هي إشكاليات مجتمعية معقدة تتطلب البصيرة السياسية والرؤية
المجتمعية لتأتي بعدها الخبرات الفنية والعلمية، ومن ثم
كان الاهتمام بالغايات وتحديد مساراتها وتوجهاتها شرطاً
أولياً وأساساً لفاعلية الوسائل التقنية ومعايير الكفاية
والفاعلية.
5- لم يعط البرنامج اهتماماً جدياً لإيقاف التردي في أحوال
المجتمع والتي من أهم عوامله الداخلية ما استشري من فساد
وإفساد وإهدار للقانون ولأحكام القضاء، مما هو معروف
للقاصي والداني، ومن عوامله الخارجية تلك الضغوط الخشنة
والناعمة التي تهدد الوطن بالسعي للتدخل في مقدراته، ومن
ثم كان مواجهة كل من هذين التحديين من أهم المقومات التي
ترتكز عليها عمليات الإصلاح والتغيير والتطوير، وهو جوهر
التعهد بأن تبقي مصر دولة قوية وآمنة.
لقد طال المقال لكنني أجد أنه لا مفر من انطباعي العام في
أن هذا البرنامج الذي يفترض أن يتم في ست سنوات مسألة خارج
المعقول مهما كان الحزب قادرا بشياطينه وعفاريته علي خلق
المعجزات، ولعلنا جميعاً نتذكر قصة جحا الذي قبل أن يعلم
الحمار القراءة، وهو ما استنكره كل عقلاء المجتمع، لكن
عندما سئل جحا كيف قبلت هذا التحدي فقال إنه خلال المدة
المحددة لي بسنوات ست ربما يموت الحمار، أو يموت السلطان
أو أموت أنا، وأنا أرجح هنا أن الحمار سيموت أولاً.
كذلك لا يسعني إلا أن أتذكر من شعر نازك الملائكة: أعداء
الورد، هم حراس البستان.
والخلاصة أنهم أول القاطفين
وقول الشاعر القديم:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
والله من وراء القصد