في دراسة ممتعة قدم لنا «كتاب اليوم» تحليلا لرؤية أديبنا
العظيم نجيب محفوظ لجماعة الإخوان والدراسة كتبها ببراعة
تحليلية فائقة مصطفي بيومي0
وفي المقدمة الموجزة التي كتبتها الأستاذة نوال مصطفي نقرأ
ما يضع أيدينا علي جوهر الحقيقة «يشرح الكاتب هذا الالتباس
الذي يحدث عند بعض الناس في الخلط بين الإسلام كدين وبين
الجماعة كتنظيم سياسي0 ويؤكد أنه خلط غير مأمون العواقب،
فالإسلام كدين هو ما يدين ويؤمن به معظم المصريين، أما
جماعة الإخوان فهي جماعة سياسية بالأساس» وتقول ونري في
الكتاب «أن الفكر السياسي للإخوان- كما تجسده روايات نجيب
محفوظ- هو فكر يتسم بالميل إلي التعميم، والحرص علي
الغموض، والابتعاد عن الوضوح والتحديد، فهم سياسيون يرفعون
الشعارات الدينية ودينيون يعملون في السياسة» (ص4)0
00 ويؤكد المؤلف هذا الرأي ويلح عليه في المقدمة قائلاً :
«ومن الضروري أن نشير إلي أهمية التمييز الصارم بين
الإسلام، الدين الذي تؤمن به وتنتمي إليه الغالبية العظمي
من المصريين، والتنظيم الإسلامي ذلك أن الخلط بين الإسلام
والجماعة، والتعامل معهما كأنهما كيان واحد يفضي إلي
ارتباك غير محمود العواقب ويقول «لا يحق لأعداء الإخوان
وخصومهم أن يتهموا الجماعة في دينها ووطنيتها، ولا يحق
للإخوان في المقابل أن يحتكروا الإسلام ويجعلوا من أنفسهم
أوصياء عليه ومتحدثين باسمه، ومدافعين عنه دون غيرهم من
القوي والاتجاهات السياسية التي لاترفع الشعارات الإسلامية
ولا تتنكر في الوقت نفسه للدين، أو تنكر أهمية وخطورة
دوره» (ص6)0
وإذ يتحدث المؤلف عن انتماء نجيب محفوظ للاتجاه الوفدي
يقول «ومن الناحية الفكرية فإن الوفديين الأصلاء ومنهم
نجيب محفوظ يضيقون بتعصب الإخوان وتزمتهم ورفضهم
للديمقراطية والتعددية وحرية الاختلاف» (ص7)0
ويلخص المؤلف رؤية نجيب محفوظ للإخوان في عبارتين حاسمتين
فالإخوان «سياسيون يرفعون الشعارات الدينية، ودينيون
يعملون في السياسة، وفي هذا السياق يتجلي تمسكهم الدائم
بتجنب طرح برنامج تفصيلي ذي نقاط واضحة، ويتشبثون دوما
بخصوصية غير منطقية، وعاجزة عن الإقناع : الحديث السياسي
المترفع كأنهم من رجال الدين والخطاب الديني المختلف كأنهم
يحتكرون الإسلام» (ص 8)0
أما العبارة الثانية فهي موحية وذكية «اختلاف الإخوان مع
الوفد لا يحول دون حقيقة أن الغالبية من الرعيل الأول
للإخوان كانوا وفديين أو متعاطفين مع الوفد، ولقد تعرض
الإخوان للاضطهاد والمطاردة في العهود غير الوفدية، لكنهم
تحالفوا دائما مع كل مضطهديهم ضد الوفد0 الإخوان لا
يقتنعون بالوفد في عالم نجيب محفوظ، والوفديون يضيقون
بالإخوان وتعصبهم» (ص9)0
وإذ نأتي إلي صورة الإخواني في روايات محفوظ نقرأ في
«القاهرة الجديدة» صورة لشاب نشأ في بيت أزهري هو مأمون
رضوان «المشكلة الحقيقية التي تواجه مأمون رضوان أنه محافظ
أقرب إلي الانطوائية، ولا يخلو من الميل الواضح إلي التعصب
والحدة، ويفتقد روح الفكاهة وأصول اللياقة الاجتماعية0 لم
يكن محبوبا من أقرانه وزملائه في الجامعة، فهم يأخذون عليه
صرامته وجديته المفرطه، ويسخرون من صراحته القاسية
المنفرة0 فسماه منتقدوه تارة بالجامعي الريفي، وتارة
بالمهدي غير المنتظر، وقال عنه طالب مرة «الأستاذ مأمون
رضوان إمام الإسلام في عصرنا هذا، وقديما أدخل عمرو بن
العاص الإسلام في مصر بدهائه، وأخشي أن يخرجه منها مأمون
غدا بثقل دمه» (القاهرة الجديدة ص13)0
وفي رواية «السكرية» يبدو عبد المنعم شوكت نموذجا إخوانيا
عند محفوظ، ويعلق أخيه أحمد علي توجهه هذا قائلا :أخي
يتلقي حقيقة الإسلام علي يد رجل شبه عامي في خان الخليلي»
ويجئ هذا التعليق الجارح ردا علي اتهام عبد المنعم شوكت
لإخوته وأقاربه بأنه لا أحد فيهم «يعرف الإسلام علي
حقيقته» (السكرية- ص37)0
والرجل العامي في الرواية يقتاد عبدالمنعم شوكت من الثقافة
الدينية إلي العمل السياسي الديني، لكنه يقتاده أيضا إلي
التعصب الذي يدفعه إلي اتهام أخيه أحمد والتشكيك في صدق
إيمانه مؤكدا أنه يرفض «أن يكون المفرطون في إسلامهم
نموذجا يحتذي به ويؤكد نجيب محفوظ في تقديمه لشخصية أحمد
إنه مسلم حسن الإسلام0
00 لكن الإخواني عبد المنعم شوكت يقع في تناقضات عدة
يحدثنا محفوظ عن واحد منها عندما تقدم عريس لأخته هو فؤاد
جميل الحمزاوي الذي أصبح وكيل نيابة0 ويتشكك الأب إبراهيم
شوكت «أظن أهله من السوقة؟» فيقول الإخواني بصوت قوي «نعم
خاله مكاري، وخاله الآخر فران وعمه كاتب محام ثم بلهجة
استدراكية ضعيفة00 ولكن هذا لا ينقص من قدر الإنسان»00
ويدرك «كمال» أن الإخواني يريد أن يقرر حقيقتين يؤمن بهما
علي تنافرهما» (السكرية 32)0
ولم يزل للحديث بقية0