يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1253 (9 - 16) نوفمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

هل أصبح الوطن غرفة ريا وسكينة؟!

 
 

نوارة نجم

 

  ألتهم بنهم المسلسل المصري الذي يعرض علي إحدي القنوات الفضائية «ريا وسكينة» وذلك بعد أن رفض التليفزيون المصري عرضه، لأنه «يحتوي علي ألفاظ ومشاهد منافية للذوق العام ولا تتناسب مع روح الشهر الكريم»! والتليفزيون المصري له كل الحق في رفض المسلسل في أثناء الشهر الكريم وخارجه، ولكن ليس للحيثيات التي أدرجها، ولكن لحيثيات أخري سندرجها في التو.
المسلسل رائع، وروعة المسلسل لا ترجع فقط للبديعة عبلة كامل، أو الجميلة «الأروبة» سمية الخشاب، أو الحوت سامي العدل، أو لنبل الرباعيات الغنائية التي تخللتها والتي كتبها أحمد فؤاد نجم ولحنها وغناها عمار الشريعي - ولا أقبل أن يزايد أحد علي في مسألة الموضوعية، فنصيبي أن أبي شاعر عظيم - كما أنني لست مؤهلة لمناقشة السيناريو والإضاءة والديكور والإنتاج وكل ما هو ليس من تخصصي، ولكن روعة المسلسل تعود إلي أنه أفضل ما عبر عن الواقع الحالي لمصرنا الحبيبة، فنحن نعيش في وطن أصبح مثل حجرة ريا، امتلأ برائحة عفن الجثث، وبدأت الأرض تعلو من كثرة ما كدست العصابة فيها ضحاياها، بل إن العصابة بدأت تمل الحفر، فأصبحت الغرفة كما قالت ريا: حسب الله والرجالة ما غوطوش الأرض كويس، يا ربي علي قلة الضمير! نعم انعدم الضمير في قلب القاتل حتي وهو يخفي أثر جريمته.
استشري العفن، ومهما حاول البعض تعطير الهواء بالبخور كما كانت تفعل ريا، فالعفن غالب، والجثث تعلن ثورتها بانتفاخها لتقب الأرض، هذه جثة مؤسسات الدولة الفاسدة الناهبة الآكلة الدائمة الجوع المتبجحة بالسرقة والظلم والإذلال، وهذه جثة المؤسسات الدينية الصامتة الخاضعة، التي يخرج من عباءتها بعض ممن يريدون «لهطة» من الكعكة، متذرعين بكلمة الحق: المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، مريدين بها باطل المال والشهرة من خلال «بزنسة» الدين.
وقد طفت أخيرا علي السطح جثة ما يسمي الآن - قدرا - بالمجتمع المدني، شريحة أخري من جوعي المال المتآكلين حتي النخاع بالفساد، المناضلين القدامي، الذين اتخذوا طريق النضال لأي من الأسباب الآتية: رغبة في الظهور، حب التميز، جوع كافر لا يفكر في إطعام الجوعي بقدر ما يفكر في مشاركة المتخمين تخمتهم، وأخيرا أو غالبا، محاولة إضفاء «شرعية» النضال علي كل ما هو ليس شرعيا، ليس فقط بالمفهوم الاجتماعي أو الديني ولكن حتي بأبسط المفاهيم التي تعرفها الإنسانية.
في مسلسل «ريا وسكينة» الذي يعتمد علي الكتاب الوثائقي للحادث الحقيقي، وقد أعده وجمع مادته الكاتب الكبير صلاح عيسي، نري أن العصابة تنتمي إلي شريحة الجوعي المهمشين الذين يسلكون طريق الفساد، ويختارون ضحاياهم من الفاسدات اللاتي يشاركنهم فسادهم.
والواقع الذي نشهده الآن، هو أننا نجلس في مكان يمشي علي أرضه فاسدون مفسدون، وينام تحته قتلي علي نفس قدر قاتليهم من الفساد، وكلما لاح في الأفق من نظنه مخلصا، تشبثنا به، فإذا هو قاتل لم يكلف نفسه عناء مسح غبار القتل من فوق كاهله، أو مقتول متعفن، لا يثير التعاطف بأي حال من الأحوال، بل إنه يبعث علي الاشمئزاز، يطاردك كشبح يثير الرعب.
أنات الناس أصبحت أغنية ممجوجة
يئن الناس من الفقر والقهر والتهميش والظلم، وكل ما تعوذ منه الرسول - صلي الله عليه وسلم - من عجز وكسل وجبن وبخل وغلبة دين وغلبة عدو وقهر الرجال وشماتة الأعداء، يئنون حتي أصبح الأنين أغنية ممطوطة ممجوجة يرددونها لا لأمل التغيير، ولكنها أصبحت كالعطس والسعال والتثاؤب: جعانين، بناكل من الزبالة، زهقانين، مش لاقيين شغل، الناس إللي حوالينا حرامية ويا نسرق زييهم يا يلبسونا مصيبة، مقهورين، مظلومين، ابني في وادي النطرون معتقل بقاله اتناشر سنة من غير تهمة، بيتي اتهد في الزلزال وساكن في عشة صفيح، البرد واكلنا، المرض قضي علينا، جوزي دخل المستشفي عشان نزيف سرقوا منه الكلي والطحال، وديت الواد الإصلاحية عشان ياخدوا بالهم منه، ما انا مش ح أقدر أصرف عليه، وإلي آخر هذه الوصلة من آلام وأوجاع فقدت وطأتها من طول العشرة.
أفراد عصابة ريا وسكينة تم إعدامهم جميعا والحمد لله، ولكن يبدو أن شيطانهم لايزال علي قيد الحياة، فأي قريحة تلك التي أوحت لكل من تحرقه شهوة المال الكثير أن يستغل أنات الناس ليستثمرها وينتج منها المال الوفير والعيش الرغد والنفوذ والسلطة والسطوة، فهناك عدة وسائل لتحقيق ذلك وإليك الوصفة السحرية: إذا لم تستطع أن تنضم إلي المؤسسة الحكومية وتكون منها خميرة معقولة، وسطوة نافذة، فأمامك طريقان: إما أن «تتليس» علي عينك وتستمر مفعولا بك وتنضم إلي كورال أغنية الأنات، و«رزقك ورزقي ورزق الكلاب دا موضوع مؤجل ليوم الحساب»، أو تبحث لنفسك عن طريق آخر لتحقيق مآربك، فإذا اخترت الخيار الأخير فرأس مالك هو الناس، ولكن الناس قد تم استنزافهم عن طريق الدولة، وقال: يا واخد السمنة من النملة ..تحرم عليك التقلية.
أفضل وسائل إنتاج السمن من النمل
من قال هذا، النملة تنتج سمنا وفيرا، وعليك أن تعرف طريق السمن من.. النمل، فالنمل الذي يعمل طوال العام ولا يأكل إلا الفتات تعبان، يحلم بمن يخلصه من تعبه، لا تقل: هو أنا عارف أخلص روحي؟ لا تقلق فنملنا والحمد لله يتمتع بالبله المطلوب، هو يغني أغنيته موقنا أن أحدا لن يسمعه، كل ما عليك الآن هو أن توهم النمل أنك تسمع أغنيته، ولا بأس من أن ترددها معه، وتوحي إليه بأنك: قد أخذت علي عاتقك من واقع إحساسك النزيه بالمسئولية «الدينية أو الوطنية أو الإنسانية أو حتي النضالية» أن تخلصه من عذاباته وآلامه، تماما مثل الذي يعد العاطلين بإيجاد فرص للعمل ويجمع منهم أموالا لشراء الاستمارات و«يفك»، ولكن عليك تطوير الفكرة، فبدلا من أن تأخذ جنيها واحدا من كل مواطن لتحصل علي خمسة آلاف جنيه، فلتضع خطة أكثر إحكاما.
وأمامك مرة أخري طريقان: أن تتاجر بإحساس الناس الدائم بغضب الرب عليهم وإلا ما ابتلاهم بما هم فيه، وتؤكد لهم أنك طريقهم إلي رضا الله، أو أن تتاجر مباشرة بآلامهم وتقنعهم بأنه من خلال مؤسستك الأهلية، ستنقل أصواتهم إلي الحكومة والمجتمع الدولي والأمم المتحدة «أو القلل المتحدة كما يقول اللمبي» وتؤكد لهم أن «الصحافة ح تكتب في حالتك، وتنشر مناظر لخالك وخالتك، وتطلع يا مسع عليك الغناوي، ونسمع باسمك في قلب القهاوي، تحبك مشيرة وبنات الجزيرة، وقصة غرامك ح تشيع في الرداوي، يعيش عم مسعد».
التجارة شطارة
والتجارة فن وشطارة، وما أسيب المال الذي يبعثره أصحابه في الشرق والغرب لأهداف: تجنيد العملاء - ولا أحد يقول: الكلمة دي بقت موضة قديمة - واستثمار الأموال والتدخل السياسي الذي أصبح الآن من باب الاحتياط، وانت وشطارتك، وأنت واختيارك، إما أن تداعب الناس بالدين فتتخطفك الفضائيات وشركات الكاسيت وشركات الموبايلات وتكسب الدنيا والدين، أو تناضل، والنضال الآن أربح من الدين، فهو يعطيك المال والنفوذ.
ابحث عن أي ألم من آلام الناس، وهم كثر، ألم المرأة المضطهدة، ألم الأطفال المشردين، ألم الجوعي، ألم اللاجئين، ألم المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، ألم الأسر التي افترشت الأرصفة، ألم المرضي، آلام تعطش الناس للديمقراطية والتغيير، ابحث، ابحث، ثم «اقفش» في أي من هذه الآلام، وتقدم لوزارة الشئون الاجتماعية بطلب لتأسيس جمعية أهلية معنية: بالتطور والتنمية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان والدفع والدفاع والحراك والتحرك والتغيير والتشغيل والباذنجان المقلي، لا تقلق، ستمنح الترخيص كأسهل ما يكون، دون أدني اعتراض من أية جهة، وبغض الطرف عن سجلك الأسود الحافل بالفساد والتفسخ والادعاء والنفاق والاستغلال واللاأخلاقية واللامبدئية واللاآدمية.
بعد ذلك عليك أن تعد ورقة مشروع عمل يحمل بعض المفردات مثل: التنمية والإصلاح والتغيير ومحاربة الإرهاب وتوعية الشباب، وبعض مصطلحات مثل ورش عمل وندوات وحملات.. إلخ، ثم ترسل هذه الورقة إلي أية جهه أجنبية شرط أن يكون لها مصالح في المنطقة، أقول لك؟ اختصر وارسل إلي أمريكا، وقفت في حلقك؟ إن لم يكن تمر فماء، إذن فأرسل إلي الاتحاد الأوروبي، أظن هكذا قد تخطاك العيب و«قزح».
صحيح أن دول الاتحاد الأوروبي قد وقفت موقفا سلبيا من الحرب علي العراق وآخر حقيرا من ضرب أفغانستان، وصحيح أنها تدرج منظمات المقاومة في قائمة الإرهاب، وصحيح أنها من آن لآخر يعن لها أن تشارك أمريكا تمثيلية: سيبوني عليه..
- لا مافيش داعي
- بقول لكو سيبوني عليه
- طب بس إهدي يا أمريكا
- ح اضربه يعني ح اضربه
- إنت حرة بس كدا غلط
وصحيح أن بعضا من دول الاتحاد الأوروبي تجثم بقواتها علي صدر أفغانستان والعراق، لكن يا راجل بلاش افترا، أليست هذه أوروبا التي «تزغر» كل حين لإسرائيل عندما تدهك الفلسطينيين دهكا؟ أليست هذه أوروبا التي خرج الآلاف في شوارعها مناهضين لحرب العراق؟ كان معظمهم من العرب والمسلمين؟ يا عم روح، هو انت عرفت تتظاهر في بلدكو؟ يا شيخ صلي صلي بلاش وسوسة.
مكاسب المشروع
أصابك الذعر؟ المسألة ستأخذ وقتا، وأنت تريد المال في «السريع البني» فكريا «بقف»، هذا مشروع يساوي عمرك كله، فما ستجنيه من وراء هذا المشروع ليس المال فحسب، ولكنك ستصبح بطلا فوق رءوس الجماهير، فأنت من أخذ علي عاتقه آلامهم، وعبر السبع بحور ليأتي لهم بالحل، ولن يمانع ممولوك من أن تصدر بيانات تهاجمهم فيها ليضفوا علي أنفسهم سمة الديمقراطية ويخلعوا عليك بهاء النضال والخير يعم، والخواجات لا يبيعون رجالهم، ولكن إياك أن تأخذك الجلالة وتعتقد أنك سترفع الظلم عن الناس، فاستمرار الناس كما هي تجر قيود آلامها هو رأس مالك الذي سيفيض عليك من أنهار العسل واللبن، ولن تجد داعيا لانتظار نعيم الآخرة.
طب ما ح يعرفوا أني نصاب، لا يا مغفل، لأنك ستقول لهم أن الحكومة تضع عليك قيودا، وتحاربك من كل جهة وتتهمك زورا وبهتانا بالعمالة، والهدم أسهل من البناء، والشر أفجر من الخير، وغدا لناظره قريب، وأولاد الحرام لم يتركوا لأولاد الحلال شيئا، وعليك وعلي موسم المشمش وعب في الأموال، طيب والحكومة؟ آه، هذا هو المكسب الثالث، فأنت ذهبت رأسا إلي أسياد الحكومة، ولن تجرؤ أي سلطة أن تحمل أثقال جفونها لتنظر في وجهك، إذا حدث، أرقع بالحياني: يا ناس يا مجتمع يا دولي إلحقوني الحكومات غير الديمقراطية تصادر حريتي وأنا - يا قلب الأمم المتحدة - أسعي للتغيير والتنمية ونشر الديمقراطية، إن ما تفعله حكومات المنطقة من مصادرة لحريات المواطنين، والوقوف أمام مؤسسات المجتمع المدني، ومحاربة كل من يحاول النهوض بالمجتمع ما هو إلا وسيلة لتغذية الإرهاب وزيادة مشاعر الرفض والكراهية للحضارة والمدنية، إن هذه الممارسات هي إحدي الأسباب المباشرة لجريمة الحادي عشر من أيلول «قل أيلول ولا تقل سبتمبر، لزوم الوجاهة يعني» وستتكرر هذه الجريمة ما استمرت سياسات الحكومات في منطقتنا تتجاهل دور مؤسسات المجتمع المدني في تنمية المجتمعات العربية تاتاتاتا.
هذا كل ما ستقوله، كما لقنته لك بالحرف، وستجد أن كل حاو قد بدأ في جمع ثعابينه، والله الله، هو احنا كل ما نهزر معاك تزعل؟ ودا انت حبيبنا، والديمقراطية حبيبتنا، وممولوك حبايبنا، وسمعني أحلي بودعك.
عليك بالمغفلين مؤقتا
طيب ومن وقتنا هذا، وحتي يتحقق المأمول، من أين أنفق؟ دي شغلانة مصروف عليها! نعم هذه «شغلانة» مكلفة، ولكنها تأتي بأكثر من ثمنها، من هنا لحد بلوغ المراد من أين تنفق؟ ماذا؟ ألست وغدا بما يكفي؟ أبحث عن أي مغفل أو مغفلة تردد علي مسامعه شعاراتك التي تدخرها للإتجار بها علي مموليك، الممولون لن تدخل عليهم هذه اللعبة، ولكنهم سيمولونك لأن لهم مصالح أهمها أن يضغطوا بك وبمن هم علي شاكلتك علي حكومات المنطقة التابعة لهم، يعني مثل رئيس العصابة الذي يكسر عين ذراعه الأيمن بصبي حديث السن، أما المغفلون، فهم ملح الأرض، سيصدقونك ويتعاونون معك ويتأثرون بقضيتك، وكلما أتقنت التمثيل كلما - لامؤاخذة - اتسفلقت علي قفاهم، أي عشت «سفلقة» علي نفقتهم، وذلك بشكل مؤقت حتي يكرمكم الكريم «بالعكمة» الكبري.
هل علمت الآن لماذا منع التليفزيون المصري عرض مسلسل ريا وسكينة؟ لأننا ناس مؤدبون ومهذبون ولا نقبل «شغل الضغاين» ولا نحب التلقيح بالكلام علي «زمايل بتهبش صفايح».
ارفع معي علم كوريا
ما هو شعورك الآن؟ أنا أقول لك: إذا كنت بكامل قواك العقلية فستقوم فورا وتنفذ الخطة كما أنزلت، ولكن لا تدعو لي فدعواتك غير مقبولة، أما إذا كنت من أولاد الـ... الذين لا يزالون يحبون غرفة ريا المتعفنة، ولايزالون يأملون في غد لابد أن يأتي بأفضل، لأنه لو لم يأت بأفضل فستلقي بنفسك من شاهق، ستشعر أنك مثل الأسلحة الفاسدة التي تقتل حاملها ولا تمس العدو بسوء، آه هو انت منهم؟ إذن فضع خيبتك علي خيبتي وسر في الطرقات وأنت ترتدي سروالا «رجل ورجل» وارفع علم كوريا، وردد ورائي: بكرة أحسن من النهاردة.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة