عرفته في الزمن الجميل، حين كانت مصر الخارجة من هزيمة
يونيو الثقيلة تبحث عن طريق لها. كنا شبابا صغارا تملؤنا
الثقة في قدرتنا علي تحقيق الحلم الكبير: أن نقضي علي
الاستبداد والاستغلال والديكتاتورية التي انكسرت قبضتها
الحديدية بعد هزيمتها وسقوط رموزها.
قابلت أحمد الشاذلي للمرة الأولي في إحدي الندوات في جامعة
القاهرة، بعدها رأيته في مشادة كلامية مع أحد عناصر الأمن
أمام إحدي مجلات الحائط، ثم قابلته عند صديق مشترك، أصبحنا
بعدها أصدقاء. في المرة الأولي التي جاء فيها لزيارتي قص
علي، في سهرة امتدت للصباح، كيف استطاعت قريتهم الصغيرة أن
تقضي علي نفوذ إحدي العائلات الثرية التي كانت تتحكم في
القرية، وتفرض سيطرتها علي كل الأجهزة الحكومية من جمعية
زراعية ونادي الشباب ووحدة الاتحاد الاشتراكي وتديرها
لصالحها. مجموعة من الشباب الصغير قام بقيادتهم واحد منهم
هو الشاعر أحمد عبيدة، واجهت نفوذ تلك العائلة واستغلالها
للفلاحين في قرية العمار، حتي استطاعت أن تنتزع منهم
نفوذهم في تلك الدوائر وأن تدفع آلاف الفلاحين للمشاركة في
حركتهم. من عباءة هذا الشاعر المثقف المناضل خرج العديد من
القيادات التي قامت بدور كبير في الحركة الطلابية لجيل
السبعينيات.
كانت مصر بعد النكسة تجدد نفسها ، وفي القاهرة التي كانت
الطائرات الاسرائيلية تجوب سماءها وتقطع لياليها الدافئة
من حين لآخر صفارات الانذار، كانت مسارح السامر والجيب
والقومي والطليعة والتجريبي، تعرض أعمال بريخت وبيرانديللو
وجورج شحادة وألفريد فرج ونعمان عاشور ومحمود دياب ويوسف
ادريس. كان الجمهور الأكبر لتلك المسرحيات من طلبة
الجامعة، وكان المسرح القومي الذي كان يعرض مسرحية الحسين
ثائرا لعبد الرحمن الشرقاوي آنذاك، مكان تجمع الرفاق. إذا
أردت أن تري الشاذلي فهو لابد هناك مصطحبا بعض الأصدقاء
الجدد ليريهم ما يمكن أن يكون المسرح عليه، وهم الذين لا
يعرفون عن المسرح إلا أنه تلك الخشبة التي يجري عليها
مجموعة من المهرجين البلهاء. وفي ظلام قاعة المسرح كان
الحلم الجميل وروح الفداء تتجسد، وتمتزج الرغبة في النضال
بروح الشعر. لحظتها، لا يستطيع كائن من كان أن يردنا،
ويتلاشي السجن الذي ضمنا العديد من المرات بعدها ليصبح
مجرد محطة علي الطريق. قالت أروي صالح بصدق في مرثيتها
الباكية العاتبة: كنا نحلق في سماء حلم جميل!
فيما بعد حط الكثير منا في محطات مختلفة، الهموم اليومية
للحياة للبعض واليأس من التغيير للبعض الآخر. والوطن الذي
كان يحلم بالاشتراكية، كفر بها وفقد وفقدنا معه الطريق،
وظل أحمد الشاذلي ومعه البعض مثابرين. وحين قابلته منذ
ثلاث سنوات بعد انقطاع دام عشرين سنة، رأيته كما هو لم
يتغير، ضاحك صاخب يخوض كل حواراته بنفس القوة والحمية التي
رأيته بها في المرة الأولي منذ ثلاثين عاما. أدركت وقتها
مندهشا أن حلمه مازال حيا دافئا، وأن ما كان لدينا - حلما
للبشرية وللوطن- أصبح حلمه الخاص، أصبح همه اليومي. وكما
كنا صغارا، لن يستطيع كائن من كان أن يسلب منه هذا الحلم .
حين علمت بالنبأ الحزين بعيدا عن الوطن الأسيان ملأتني
الدهشة : كيف استطاع الموت أن يغلبه.