من مظاهر " شرود " المجتمعات والأنظمة ، أن تتسع فيها
الهوة فتصير بعيدة أو فارقة أو سحيقة ، بين الأقلية
الموسرة الغنية المترفة الناعمة القادرة المتحكمة أو
الحاكمة ، وبين سواد الناس من البسطاء والفقراء والمعدمين
والمطحونين والتعساء المشغولين ليلهم ونهارهم بما يتبلعون
به ويكفون نداء البطون والأطفال الذين يقتلهم الجوع وينحر
في قدرة أجسادهم ونفوسهم علي الصمود للحاضر التعس الشقي
المرّ ، ناهيك بالمستقبل الأشد إظلاما ويأساً وقنوطاً ..
ذلك المستقبل الذي لايريد أمثال هؤلاء أن يتطلعوا إليه
لأنه يزيد همهم الحاضر بهموم لمطحونين بؤساء وتعساء قد
لايكون لهم غد !!! ..
ومن مظاهر " بلادة " المجتمعات والأنظمة ، أن لا تحس ذلك
كله وتعجز عن رؤيته أو لا تحب أن تراه !! .. والأكثر من
هذا بلادة وخطراً أن يغفل عنه عقل الأمة ، أقصد مثقفيها
ومتحضريها وصفوتها القادرة رغم زحام الحياة وضغوط المال
والسياسة أن تري مالا يراه المشغولون بصناعة الحكم وتكريس
البقاء فيه أو بصناعة المال وزيادة أكوامه وتراكماته
واتساعه ونفوذه وإشباعه لنهم نفوس لا تشبع ولا يهدأ نهمها
إلي المزيد ومزيد المزيد ! ..
العجيب أننا بعد ثلاثة وخمسين عاماً من عمر ثورة انتفضت
لتقف إلي جانب الفقراء ، وتنحاز للأغلبية المطحونة الصامتة
التي يرجع إليها في الواقع كل إنتاج مصر الزراعي الذي به
تقتات ، والصناعي الذي عليه تعيش ، قد تاه منا حكاماً
ومحكومين ، وتاه من معظم صفوتنا المثقفة الممثلة لعقل
الأمة ، ماكان حاضراً وشاغلاً لنا بل ومن قبل قيام ثورة
يوليو .. من قبل تلك الثورة نادي طه حسين وغير طه حسين
بمجانية التعليم كالماء والهواء ، لا بمجانية صناعة الجهل
وإشاعة الظلام والإظلام ، وكتب في عز الملكية للمعذبين في
الأرض ، يقول للناس في بلاده إنه يقدم كتابه : " إلي الذين
يحرقهم الشوق إلي العدل ، وإلي الذين يؤرقهم الخوف من
العدل .. إلي الذين يجدون ما لا ينفقون ، وإلي الذين لا
يجدون ما ينفقون !!! " ويصور فيه الكثرة الكثيرة البائسة
التي تتحرق شوقاً إلي العدل مصبحةً وممسيةً ، وفيما بين
آناء الليل وأطراف النهار ، وتلك القلة القليلة التي تجزع
وتشفق من العدل وتفزع من أن يأخذ منها ما يتراكم لديها أو
يحاسبها علي ما كان .. ينحاز في كتاباته إلي هؤلاء الذين
أضناهم الحرمان وأضني أولادهم البؤس والتعاسة والشقاء ،
ولا يتحرج بعد الصفحات التي ساق فيها صوراً تحرك الضمائر
الميتة المتبلدة علي المعذبين في الأرض من أن يختم حديثه
بثقل الغني والثراء ، من التوقف عند الصحابي الجليل عبد
الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة .. ذلك الصحابي
الذي كان كثير المال والثراء في الجاهلية ، ثم أسرع إليه
المال في دار الهجرة رغم أنه بدأ من الصفر ، فقيراً فقراً
مدقعا بعد أن ترك ماله كله بمكة هارباً بنفسه ودينه من
جبروت طواغيتها .. بيد أن هذا الثراء العريض ، في الجاهلية
ثم في الإسلام ، لم يصرف قلبه وفعله وعطاءه عن الخير ،
فملكه الشغف ببذل ماله للدعوة وللفقراء والبؤساء والمعدمين
، لايفوته أحد من أهل الصُفة الذين أقاموا فقرا وإملاقا
بجانب المسجد النبوي .. ولا يفوته أن يضطلع هو وعثمان بن
عفان بمعظم نفقات جيش العسرة الذي ذهب لصد هجوم مرتقب من
الرومان عن تبوك !! .. ومع ذلك يقول له نبي القرآن إنه بما
له من ثراء عريض لن يدخل الجنة إلاّ حبواً !!
أين المجتمع والحكم الآن ، وأين كتابات أهل الفكر والأدب
اليوم من كتابات هؤلاء السالفين ؟! .. أين هم من يحيي حقي
الذي انشغل عمره بالفقراء والبسطاء مع أنه مستور من بيت
مستور .. يدع النقراشي وماهر والكبار الذين حوكموا وانشدت
إليه الأعناق ونظرات الإعجاب حين قضي ببراءتهم عام 1926 في
قضية الاغتيالات الكبري ، فامتدت إليهم الأيادي والقبلات
والأحضان ، بصفهم الأخير الذي فيه يجلسون أويقفون محوطين
بأناقتهم ومكاناتهم ، تبذل لهم التهاني والتباريك عبر بسيط
ومن فوق رأس مطحون من الغلابة سمع لتوه الحكم بإعدامه بذات
القضية ، فنساه الناس في غمرة الفرح بالكبار .. هنالك
تنغرز نظرات يحيي حقي وتنشد حسبما روي في كتابه البديع : "
خليها علي الله " .. إلي محمد فهمي هل يذكره أحد ؟! النجار
عامل العنابر الذي قضت المحكمة بإعدامه شنقا من أجل القضية
الوطنية ، فينساه الساسة، وينساه الكبار ، وينساه المترفون
، وينساه المثقفون في صراخهم وتهليلاتهم وتصفيقهم وهتافهم
للساسة الكبار .. رأته كاميرا يحيي حقي اللاقطة ، فكتب عنه
حزينا يذكرنا بأننا في انحيازنا للكبار والقادرين ، ندوس
البسطاء ونعرض عن الغلابة .. يومها ودعه يحيي حقي بنظراته
الحانية وهم يقتادونه مذهولا مما يراه ، ليغيبوه وراء
الأسوار حتي ينفذ فيه حكم الإعدام فيجدد حزنه حزن يحيي حقي
عليه ، ويحزن أكثر لأنه لا يذكره أحد ؟!
هذه الصفوة من الكتاب والمفكرين والأدباء هي التي تحفظ
المجتمعات والأنظمة من الشرود ومن البلادة أيضا .. أنظر
إليه إلي يحيي حقي في كتابه : " صفحات من تاريخ مصر " ، لا
تصرفه الكتابة عن الكبار الذين استأثروا في ثورة 1919
بأكاليل الغار ، عن "ابن القباقيبي " شهيد ثورة 1919 ..
كان يحلو للإنجليز أن يصفوا شعب مصر إبان الثورة بأنهم من
الغوغاء ، وأنهم طغمة من الرعاع .. فيبتهج يحيي حقي أن
الثأر للكرامة الوطنية جاء من " إبن القباقيبي " .. لم يدر
بخياله أن يضرب القدر ضربته ، ويقدم البطولة في شخص هذا
الصبي الذي من مثل عمره ، ويقيم بقرب داره ، الفارق بينهما
أن يحيي حقي ببدلة فوق قميص ، وابن القباقيبي بجلابية علي
اللحم .. فارق آخر أنه حافٍ مع أن صناعة القباقيب هي حرفة
أبيه الذي يعمل معه ! .. يومها خرج هذا الصبي : إبن
القباقيبي ، تاركا " المنشار " و " القدوم " ودكان أبيه
الذي لا ولد له سواه ، ليلقي بنفسه في غمار الثورة والثوار
، فيسقط قتيلا برصاص الإنجليز .. في جنازته خرج المستشارون
والقضاة والمحامون ، مع الطلبة والتلاميذ ، والصفوف
الغفيرة من أبناء الشعب ، ليشيعوا بطل " الرعاع " !! ..
ماذا كان اسمه ؟! أين قبره ؟! أسئلة يطرحها يحيي حقي ويجيب
آسيا أن لا أحد يدري !!
من أجل هذا الانحياز للذين تنحسر عنهم الأضواء ، وربما
معها البحبوحة وطيب العيش، كتب يحيي حقي مجموعته الرائعة :
" ناس في الظل " .. كتاب نابع من انتباه وحنان للذين
تراجعوا بحكم الغربة أو قبضة الفقر أو الشيخوخة أو التجاهل
، ومع ذلك لا يكفون لحظة عن صناعة الحياة ، دون أن يذكرهم
أحد !!!
فماذا فعلنا ونفعل نحن الذين نتشدق بالكلام ، وبالشعب وحق
الشعب ، والناس وحق الناس ، وتحالف قوي الشعب العاملة ..
أكفيك بمثل واحد حتي لا تنشق الصدور .. فبينما أخرج
الموسيقار محمد عبد الوهاب في الخمسينيات رائعته الصبر
والإيمان يقول فيها : الصبر والإيمان دول جنة المظلوم ..
والظلم والحرمان ويلهم من المحروم !! ، ويقول فيها : صوتي
مع الأذان حيقول في كل أوان يا ظالم لك يوم مهما طال اليوم
.. يا ويلك يا ظالم يا ويلك !! " !! لم يطق الحكام سماع
الأغنية ، وهي محض أغنية ، فمنعوها لسنوات طويلة وكأن منع
الغناء سيمنع المظلومين من الإحساس بالظلم .. هذا المنع
نفذه مصريون مثقفون وظلوا عليه لا يجرؤ أحد علي أن ينادي
مجرد مناداة بفك المصادرة التي فرضت علي أغنية الموسيقار :
" الصبر والإيمان " !!
لست إلي جلد الذات أريد ، وإنما أريد أن أقرع الأجراس ..
أن ألفت الأنظار والبصائر ، للحاكمين والمحكومين ،
للمثقفين وللعقلاء ، أن الهوة في مصر قد باتت سحيقة بين
القلة الغنية الموسرة القادرة المتحكمة المتصرفة الناعمة
بسلطاتها ونفوذها ومالها وطيب حياتها ، وبين الكثرة
الكثيرة المغلوبة علي أمرها ، الفقيرة فقرا مدقعا حتي
العدم ، التي تنظر وتشاهد ، وتري وتشعر وتحس ، وتقارن ..
هؤلاء الذين يعيشون في شقوق بالقري والنجوع والكفور
والدساكر ، هي كل دنياهم مأكلا ومشربا ونوما وقضاء حاجة ..
لا عهد لهم بما في المراكز ناهيك بعواصم المحافظات ، أما
العاصمة والإسكندرية ، فصارتا كالقبلة التي تتمناها أحلام
الشاردين فقرا وإملاقا يتطلعون إلي هذه أو تلك هربا من
وحشة الفقر وتقتير الأيام ، عسي أن يجدوا في اتساع الحياة
فيهما ما يفتح لهم ثغرة ولو في زقاق ، فتأكلهم وحشة
العاصمة الكبيرة التي لا تتسع إلاّ للقادرين .. حين كتب
يوسف إدريس قصة : " قاع المدينة " ، لم يدر بخلده ولا بخلد
أحد منا أن نظام الثورة المباركة سوف يأخذ هؤلاء الهاربين
من الشقوق إلي سكني المقابر لا المدينة أو قاع المدينة ..
أو إلي سكني عشوائيات ظلت تتراكم حتي صارت عالما آخر
مليئاً بالمخدرات والموبقات وبزنا المحارم .. يرقد تعسا
شقيا إلي جوار أحياء الأثرياء والقادرين .. لم يقف أحد
ليتصور كيف ينظر الخارج من شقوق العشوائيات والمقابر إلي
سكان العمائر ناهيك بالفيلات والقصور وهم يخرجون من بيوتهم
بعلامات النعمة والترف المتبدية علي محياهم وعلي أزيائهم
وعلي سياراتهم ؟! .. كيف يزحف البسطاء المقهورون للبحث عن
خرم إبرة للوقوف بحافلة علي أطراف الأصابع ، بينما بكل
سيارة راكب فرد اللهم إلاّ أن يكون معه سائق ليقود وليفتح
له الباب ويغلقه بدلا منه ! .. ولم يتوقف أحد ليتأمل وقع
ما يعرض علي شاشات التليفزيون المصري والفضائيات المصرية
والعربية والعالمية من مظاهر حياة تحير وتضني وتميت كل
مشاعر الإنسانية في وجدان هؤلاء التعساء الذين يطالعون في
الصور المتحركة مشاهد لا يلامسونها ولا يجرؤون حتي علي
الحلم بها ؟!!.. هل أحس الحكام جميع الحكام في مواكب
الخيلاء وطرقها وأبهاتها بأنها كلها في ومن عالم غير
العالم الذي يعيش فيه المطحونون البؤساء من سواد الشعب
؟!.. هل أدركت صناعة الإعلام إن فات وقد فات علي ولاة
الأمر ! أن ما يعرض علي الشاشات يعني من ناحية " بلادة "
الإحساس أو بالأحري عدم الإحساس بكيف يعيش معظم المصريين ،
ويعني من ناحية أخري تنمية بذور الامتعاض والرفض ثم الثورة
والعنف والإرهاب ؟!.. هل كلف أحد خاطره لينتقل إلي
العشوائيات أو إلي القبور أو إلي القري والكفور والدساكر
والنجوع ليري كيف يعيش الناس ، هل التفت المثقفون
والمفكرون والأدباء والكتاب إلي هذا العالم الشقي التعس
بدلاً من المعارك الوهمية أو أغراض الحصول علي "
الإقطاعيات " في عالم الثقافة بدلاً من الإنتاج الذي هو
غاية وعدة ومنهج وحياة كل أديب ومفكر وكاتب .. هذا الإنتاج
الذي ملأ به الدنيا ، العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم
وأترابهم دون وزارة أو إقطاعيات للثقافة ؟! .. هلا كتبنا
عن حالة اللاتوقع والسلبية المتفشية فينا جميعا حتي النخاع
حتي لايعرف الواحد منا كيف تعمل طفاية الحريق المركبة
بسيارته ، أو كيف يبلغ الأجهزة المختصة بالإطفاء والإسعاف
، أو كيف يجري التنفس الصناعي ، أو كيف يطفيء النار ، أو
كيف يتلافاها أو يتلافي المواد المشعلة أو المساعدة علي
الاشتعال ، أو ينهي العاملين البسطاء بالمكاتب والهيئات
والمؤسسات والمرافق عن " نصبة " الشاي والقهوة التي باتت
منصوبة بالبوتاجاز وأحيانا ببوابير الجاز في كل مكان تهدد
بالحريق في كل لحظة .. يسري هذا بجوار الأكشاك بالشوارع
وعلي كل الأبنية والصروح مثلما صار وكان في قصر الثقافة
ببني سويف الذي وقعت به الكارثة ، وهي كارثة قابلة للتكرار
في كل لحظة وفي كل مكان ، وفي كل مرفق ووزارة وهيئة ومؤسسة
.. هل انتبهنا إلي سلبية عامل التليفونات وعامل النجدة
وتليفونجي أو سائق المطافئ أو الإسعاف ، الذي قد يهمل الرد
أو يتراخي في الانتقال إلي أن يفرغ إن فرغ من احتساء كوب
الشاي ؟!.. هل أدركنا أن هذه كلها عيوب مجتمعية متفشية
لترد عام واسع المدي كثير الأسباب في حياتنا ، لن يحله
إقالة أو استقالة وزير أو مسئول ، مالم تخرج الأمة ويخرج
النظام والحكم والمثقفون والناس من حالة الموات والهبوط
والخبو والانحطاط التي استشرت في الجميع حتي مست كل شئ في
حياتنا ، ومست فيما مست انعدام قدرتنا علي الالتفات إلي
عالم الأغلبية التي تعيش إلي جوارنا شقية تعسة مطحونة
مغلوبة مقهورة تكابد لتجد ما تبتلعه وتسكت نداء الجوع به ،
بينما نعيش نحن مجتمعا آخر ، ودنيا أخري ، ومدائن أخري ،
وأحياء أخري ، وفنادق أخري ، ومستشفيات أخري ، وأبنية أخري
، وعوالم أخري تستفز هؤلاء البسطاء الذين لم يعد يعنيهم ما
نتشدق ببحبوحتنا به ، ولا بالنظريات والأطر والآليات
والسياسات والفاعليات التي ملأنا الدنيا بها صياحاً ،
ناسين هؤلاء وما هم فيه بينما نحن نعيش في الواقع عالة
عليهم .. نحن نعيش عالة علي الفلاح الذي يعيش يومه تحت وهج
الشمس لتنبت الأرض أرضنا ، وعالة علي العامل الذي يكد
نهاره وليله ليصنع الإنتاج الذي لا يصنعه القابعون
المترفون في المكاتب وفي تكييفات المكاتب ، المروحون عن
أنفسهم في لقاءات الأعمال بالفنادق ، أو في قصور المصايف
؟!.. ونعيش عالة علي " الكناس " و"السائق " و" الحلاق " و"
الحداد " و" النجار " والطباخ " و" الشغالة " و " السمكري
" و " البوهيجي " و " الخطاط " و " التومرجي " و " المسعف
" و " الجندي " و "الغفير" و "البواب" و "المنادي" و
"الطعمجي" و " الفوال " و " الخيمي " و " النقاش " و "
الإسكافي" و " الأستورجي " و " الساعاتي" و "العتال " و
"السقا" ( تجددت الحاجة إليه !! ) و " الشيال " و " الفراش
" و" الحاجب " و " الزبال " و "القهوجي " و " الرفا" و "
الترزي " و " ماسح الأحذية " و " الفرارجي " و " الجنايني
" " والفحام " و " المطبعجي " و " المعصراني" و " النادل "
و " بياع الجرايد " و " المدلكاتي " و " المجبراتي " و "
السروجي " و " المنجد " و " المبلط " و " القماش " و "
البوسطجي " و " الجزار " .. في دول الحضارة الغربية يعيش
هؤلاء تقريباً كما يعيش الصفوة ، ولا فارق كبيرا في
«العلام» ولا في الثقافات ولا في الكينونة ، بل تكاد
تتلامس بلا فروق .. لا تتفاوت عندهم " المعايش " هذا
التفاوت المخيف الذي يجري هنا ، مع أنهم لا يتشدقون هناك
بالاشتراكية والأديان وحقوق الإنسان ! . محال في مصر أن
تجد أحداً من الحكام أو القادرين ذوي الباع يلين أو يتعامل
بإنسانية مع هؤلاء .. لذلك فقد شدني ولا يزال الزعيم
التاريخي خالد محيي الدين ، العظيم في بساطته .. كنت في
زيارته بمكتبه شديد التواضع ، فشدني أنه لا حجاب ولا ساتر
ولا حاجز بينه وبين هؤلاء البسطاء ومن دونهم من الغلابة ..
لا أحد بالباب يأذن لهم ، وإنما يدخل الآتي حين يأتي
فيقابله الرجل الكبير بحنو بالغ ، ويسمع له في تواضع أبلغ
، ويسارع ليكتب له ورقة أو يجري اتصالا تليفونيا ليحل
للآتي مشكلته أو يقضي له حاجته .. لا تشعر إن لم تكن تعرف
الأشخاص سلفا ، من السائل ومن المسئول .. من الطالب ومن
العاطي .. يتسلل إلي حناياك فقط أنك أمام إنسان حقيقي ..
عظيم بلا افتعال .. يدرك أننا جميعا إلي تلك الشجرة وأننا
مهما كبرنا فإن مصر تقوم علي أكتاف وسواعد وعمل وعطاء
هؤلاء .. نعم . نحن جميعا أصحاب النفوذ والمناصب والمكاتب
والأماكن والضياع والهيلمان ، عالة علي هؤلاء وغيرهم ممن
فاتني حصرهم .. عالة علي هذا العقد الذي لا ينتهي من
البسطاء صانعي الحياة في صمت وبساطة ! .. حتي إذا فارقنا
الحياة أو فارقتنا متنا عالة علي " المغسلاتي " و "
الحانوتي "انتهاء " بالتربي " الذي يوارينا التراب بكل ما
كان معنا من سؤدد وعظمة وأبهة وانصراف تام عن الإحساس
بالأشقياء والتعساء من عباد الله الذين لم تعد تجدي معهم
المسكنات ولا الصدقات ، مالم ننتبه ونقوم بما علينا قبل أن
يدهمنا الطوفان : بركان الغضب والحرمان !!