عرفت الباحث الأكاديمي الدكتور أحمد عبد الله رزة في بدايات سبعينيات القرن الماضي، كنت قد بدأت أولي خطواتي العملية في مجال الصحافة، وكانت الحركة الطلابية في أوج عنفوانها، وكان أحمد عبد الله أبرز قادتها وهو لم يكن يتجاوز عامه العشرين إلا قليلا، كان رئيسا للجنة الوطنية العليا التي شكلها آنذاك طلاب الجامعات الذين اعتصموا بقاعة جمال عبد الناصر بجامعة القاهرة، يطالبون الرئيس السادات وحكومته بحرب تحرير شعبية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء والأراضي العربية0 كان السادات قد بدأ مخططه الشيطاني بدعم المتشددين الإسلاميين لمجابهة حركة الطلبة اليساريين المعارضة بقوة داخل الجامعات، لا سيما بعد أن نجحت في حشد واستقطاب الجماعة الثقافية المصرية خلفها، وأصبحت شاغل المجتمع المصري بكل فئاته، كان أحمد عبد الله حين يخطب يخطف الألباب والأفئدة بقدرته الفذة علي استثارة الحماس وعلي الإقناع، وعلي لم الشمل بالولوج فورا إلي ما هو مشترك بين جماهير الطلاب الحاشدة المتنوعة المشارب والمختلفة الأفكار..
أسس أحمد عبد الله مجلة حائط بعنوان «المسودة» في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي كان يدرس بها، وحين ركز الطلاب الإسلاميون المتشددون هجماتهم علي تمزيق مجلات وصحف الحائط، والاعتداء بالضرب بالمطاوي علي الطلاب المعارضين، نشأت فكرته الذكية بتشكيل لجان الدفاع عن الديمقراطية داخل الجامعة لحماية الطلاب وحماية صحفهم وملصقاتهم.
ذهب أحمد عبد الله فيما بعد إلي بريطانيا لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة كمبردج، وعاد إلي المكان الذي كان مسرحا لأيام طفولته وشبابه، إلي حي عين الصيرة الشعبي بمصر القديمة، حيث أسس مركز الجيل للدراسات الشبابية والاجتماعية ليقدم به تجربة فريدة في العمل الأهلي، تعمل في صمت بعيدا عن الأضواء والصخب الدعائي الإعلامي، وتقوم علي الجهود الذاتية والتبرعات والهبات المحلية، ووجه التفرد في هذه التجربة أن أحمد عبد الله التصق بأبناء الحي الفقراء والأطفال والشباب منهم علي وجه الخصوص وانتمي إليهم بالسلوك والموقف ووجد تحققه في خدمتهم والارتباط بالمصالح التي تدافع عنهم وعن حقوقهم.
عاش أحمد عبد الله الحياة اليومية لأهالي حي عين الصيرة، أصبح شخصه ومركز الجيل معلما مميزا لهذا الحي الذي ينضح بالفقر والبؤس والشقاء، لم يشأ هذا الباحث الأكاديمي المرموق أن يبريء ذمته بالاكتفاء بالانتماء الفكري إلي أبناء حية بل وظف علمه وثقافته لإتقان فن التعامل مع البسطاء وتلبية بعض احتياجاتهم الثقافية والحياتية، وتخفيف دمعة هنا، وتلبية احتياج هناك، مقدما بذلك نموذجا ملهما للمثقف الملتزم الذي تتناغم ثقافته مع سلوكه ومواقفه.
حين قرأت اسم الدكتور أحمد عبد الله رزة ضمن القائمة الموحدة لمرشحي الجبهة الوطنية للانتخابات البرلمانية عن دائرة مصر القديمة قلت: هكذا ينبغي أن يكون نواب مجلس الشعب القادم وإلافلا.