هكذا بلغ الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي عامه السبعين هو
«أصغر فرسان الكلمة» كما وصف نفسه قبل خمسين عاما.
في مدينة تلا - بالمنوفية ولد حجازي، وفي منتصف الخمسينيات
جاء إلي القاهرة ليصطدم بها، ويصدر ديوانه الأول «مدينة
بلا قلب»:
شمسك يا مدينتي
قاسية علي وحدي
هكذا وجد نفسه في مدينة «الزجاج والحجر»، صدام البراءة
والأسمنت.
برع حجاز ي في وصف مدينة القاهرة وعلاقاتها المتوحشة، فراح
يلعنها:
يا قاهرة
أيا قبابا متخماتٍ قاهرة
يا مئذنات ملحدة
يا كافرة
كان ديوان حجازي حدثا شعريا وثقافيا، في تلك السنوات كانت
الأفكار القومية والاشتراكية في أوجها، وسرعان ما انضوي
حجازي تحت راياتها، فغني للثورة وزعيمها، وتغني بأمجاد
الأمة، وأصبح لسان العروبة الشعري.
وتتوالي الدواوين: «أوراس»، «لم يبق إلا الاعتراف» كانت
حركات التحرر الوطني تدك أركان النظام القديم، وأشعار
حجازي تملأ أرجاء الأمة: من بغداد إلي دمشق، ومن الرباط
إلي صنعاء، وتقع الكارثة هزيمة 67، ويموت عبدالناصر ليبدأ
الانكسار العظيم فصل حجازي من عمله فراح يبكي نفسه وزعيمه
وأمته، لقد أحس بالخديعة:
كيف أعرف أن الذي بايعته المدينة
ليس الذي وعدتنا السماء؟
لقد أحب عبدالناصر من كل قلبه:
آه.. هل يخدع الدم صاحبه؟
هل تكون الدماء التي عشقتك حراما؟
كان الجرح عميقا، ولم يحتمل حجازي وقع الفاجعة فيقرر
الرحيل إلي فرنسا:
استرح يا طبيبي
إن دائي الإقامة
ودوائي السفر
في باريس - عاصمة النور والحرية - يقضي حجازي أكثر من عشر
سنوات أستاذا ومحاضرا في جامعاتها، ويصدر ديوانه الفذ
«كائنات مملكة الليل».
لقد آن أوان المراجعة، فقد راح يطل علي نفسه ووطنه من
جديد:
تركت مخدعي ورحت ألقي نظرة علي بلادي
ليس هذا عطشا للجنس
إنني أؤدي واجبا مقدسا
ويتحول حجازي من داعية للعروبة والقومية إلي رسول للإصلاح
والتنوير:
لم يبق من مجد البلاد غير حانة
ولم يبق من الدولة إلا رجل الشرطة
لقد تغير كل شيء، ولم يبق إلا الاعتراف:
كنت شجاعا ذات يوم
لكنني أكلت من طعام أعدائي
فصرت مقعدا
ويعود حجازي إلي مدينته بعد رحيل السادات، ويضع أصبعه علي
الجرح الحقيقي، بعد أن ترك «الثورة العربية» علي شواطيء
نهر السين، ويصبح داعية من دعاة التنوير والإصلاح، لقد فك
ارتباطه بالقومية والعروبة والماركسية:
تري.. كيف تشتعل الثورة الآن
في هذه الجنة المهزلة؟
خمسون عاما قضاها حجازي في كتابة الشعر، عرف خلالها السجن
والنفي والفصل من العمل، لكنه ظل فارسا، قابضا علي جمر
الكلمات حتي لو سقط - مثل غرناطة - في المحيط:
يا أرجوحة الميلاد لا تتوقفي.
شاعرنا الكبير.. كل عام وأنت بيننا.