يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1252 (2 - 9) نوفمبر 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

هارولد بنتر - الفائز بنوبل - كما رآه محسن مصيلحي:

 
 

حين يصبح رائد مسرح العبث كاتباً سياسياً ومضاداً لغزو العراق

 
 

عيد عبد الحليم

 

  كثيرا ما حاول الكاتب والمخرج والممثل الإنجليزي هارولد بنتر - الحاصل علي جائزة نوبل في الآداب هذا العام - أن ينفي عن مسرحه الصفة السياسية، ومع ذلك جاءت مسرحيته الأشهر «لغة الجبل» التي كتبها عام 1989 وعرضت علي خشبة المسرح القومي في لندن منغمسة في الهم السياسي عبر لغة جدلية تبتعد - كثيرا - عن خطاب مسرح العبث والذي يعد «بنتر» أحد رواده الكبار.
وقد كتب هذ النص المسرحي إثر زيارة إلي تركيا برفقة الكاتب المسرحي الأمريكي الراحل آرثر ميللر عام 1985 في مهمة لتقصي الحقائق عن أحوال الكتاب والمفكرين في سجون تركيا المسجونين علي ذمة قضايا فكرية وسياسية، بالنيابة عن «نادي العلم الدولي PEN»، وهي الهيئة المنوط بها توطيد الصلات بين كتاب العالم.
وأثناء لقائه ببعض هؤلاء المثقفين حدث أن تحاور مع أحدهم الذي سجن لأكثر من ستة وثلاثين عاماً لأنه تجرأ وكتب تاريخ الأكراد بلغتهم، وكان لهذا اللقاء العابر أثر كبير في نفسية بنتر، الذي حوّل شجونه إلي مقاطع درامية لم تكتمل في وقتها، مما جعله يعاود الرحلة إلي تركيا مرة ثانية عام 1988 ليستجمع خيوط الأحداث وبالفعل اكتملت في يديه تلك الخيوط، لمسرحية اختلف عليها النقاد - بشكل ربما لم تصل إليه مسرحية أخري من أعماله - نظراً لما فيها من منحي مختلف عن بقية كتاب مسرح العبث.
وقد لاحظ الناقد الإنجليزي الشهير مارتن إسيلين ما يمكن أن نسميه بالبنية التحتية للخطاب المسرحي عند «بنتر» حين قال عن مسرحياته: «إنها تظهر الفرد مطارداً من المجهول الذي يأتي لا محالة مقتحما تفرده أو عزلته، مخضعاً، إياه لصفوف عديدة من ألوان القهر والاستبداد، إن قضية خوف الفرد من المجهول، قضية فكرية أو مجردة كما هو الحال مع كتاب آخرين تأثر بهم بنتر مثل كافكا وصموئيل بيكت، لكنه إذا ظلت دوافع هروب الفرد وانعزاله مجهوله الأسباب، وإذا ظلت دوافع العدوان عليه ومطاردته عديدة وغير محدودة، وقد تصل إلي حد التناقض والألغاز فإن فن بنتر يظل مختلفا تماماً عن بيكت ومعظم كتاب مسرح العبث».
تحولات درامية
ولعل د. محسن مصيلحي أحد شهداء محرقة بني سويف، في كتابه «أصوات الجانب الآخر» يكون من أكثر النقاد العرب الذين شغلتهم قضية تحولات البنية الدرامية عند «هارولد بنتر» وليس أدل علي ذلك أنه يفتتح به كتابه المهم «أضواء الجانب الآخر»، مؤكدا أن الأحداث عند «بنتر» لا تدور في عالم مجرد أو خيالي وليس تهويمات خيالية قد يستحدثها عقل موتور أو مريض، فأحداثه دائماً ممكنه الحدوث في الواقع اليومي المعايش، وشخصياته المسرحية - رغم غموض دوافعهم في معظم الأحيان - تظل ملتصقة بهذا الواقع اليومي، وتظل تلك الدوافع الغامضة منطلقة من واقع معروف وملموس للمتفرج، بل يذهب مصيلحي إلي أكثر من ذلك معتبراً بنتر هو أهم المسرحيين العالميين الأحياء بعد بيتر بروك، مستدلاً بأن ما قدم عنه من دراسات أكاديمية وغير أكاديمية في العالم كله، وعدد اللغات التي ترجمت إليها معظم مسرحياته والبلدان المختلفة التي أنتجت فيها هذه المسرحيات لا تدع مجالاً للشك في أنه هو ثاني اثنين يحتلان قمة الهرم المسرحي العالمي».
فضاءات الرؤية
وربما جاء هذا التصور النقدي للدكتور محسن مصيلحي من دلالة أولية مفادها أن بنتر من الممكن أن نقول عنه بأنه فنان غير مؤدلج، حريته ورؤيته ذات فضاءات متسعة تشمل الإنسان وتجلياته الحياتية والزمانية، وتعبر عن قضاياه المصيرية، ولذلك اتسم مسرحه بطابع المواجهة، رغم تشابك الدلالات وغموضها أحياناً، ورغم سيطرة الفلسفة علي الخطاب المسرحي في أحيان أخري.
إلا أن الخطاب - ما تحت مسرحي - إن صح التعبير كان يحمل في بواطنه طاقات إنسانية عميقة المغزي، ومن منا ينسي تلك الجدلية البالغة العذوبة، في أعماله «حفل عيد الميلاد 1958» و«ألم خفيف 1959»، و«الحارس 1960»، و«العودة إلي المنزل 1965»، و«منظر طبيعي 1969»، و«صمت 1969»، و«الأيام الخوالي 1970»، ثم كانت رائعته «من الرماد إلي الرماد» والتي أخرجها بنفسه عام 1996، وهي من أكثر المسرحيات التي توقف عندها د. محسن مصيلحي في تحليله لتجربة بنتر، لأنها علي حد تعبيره: «تعطي فرصة جيدة لإظهار مدلول الغموض، باعتباره سمة أساسية في أعماله المسرحية القديمة والحديثة، فليس في المسرحية سوي شخصيتين فقط هما ديفلين وربيكا، في الأربعينيات من عمرهما، والمسرحية في معظمها تقدم ذكريات ربيكا، فيما يشبه معسكرات الاعتقال النازية».
طقوس وإشارات
وتقوم بنية الحدث علي الفلاش باك حيث الاسترجاع واختراق الزمن، مما يجعل الأحداث تدور في بنية - أكاد أقول إنها جنائزية - فالبطلة متألمة لحد الموت نظرا لصعوبة الذكريات التي تستعيدها بحزن شديد بما فيها من قسوة ومرارة.
أو علي حد تعبير د. مصيلحي: «إنها تتعلق بشيء يشبه الطقس السادي المازوخي، شيء اعتادت ممارسته مع حبيبها السابق غير محدد الهوية، لقد اعتاد هذا الحبيب أن يجبرها علي تقبيل قبضته، واعتادت هي أن تطلب منه خنقها بنفس القبضة».
وفي مشهد آخر يقوم هذا الحبيب باصطحابها إلي المصنع الذي يعمل فيه، ويعتمد في تشغيله علي بعض الأسري، الذين يعاملهم أمامها بقسوة ونازية، حين ينتزع الأطفال الرضع من فوق صدور أمهاتهن، وفي خلفية المشهد يطل الهولوكوست اليهودي ببعض ملامحه.
الصراع الداخلي
ونظراً لأن «مسرح العبث» يعتمد - بشكل أساسي - علي التجريد في الرؤية واللغة، مع إقامة نوع من الصراع الداخلي الخفي علي خشبة المسرح، فإن بنتر -رغم أنه أحد صناع الغموض المسرحي بامتياز حاول الحفاظ علي الشعرة الخفيفة والرقيقة بينه وبين الجمهور من خلال إضفاء نوع من الشاعرية علي لغته، ومع ذلك جاءت هذه اللغة غامضة هي الأخري» علي حد تعبير د. مصيلحي.
وهذا الغموض الذي يقف في منطقة وسطي بين الغموض من أجل الغموض، و الغموض الشفيف بدلالته الرمزية المتعددة، جعل كاتبنا يطرح أسئلة تتعلق أكثرها بأسباب فلسفية عن الوجود والميلاد والموت والحياة، عبر لغة يغلفها صراع داخلي عن العلاقات الإنسانية والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، والبحث عن الفرد داخل المجموع، والمجموع داخل نفسية الفرد.
ولأنه آمن بالوظيفة الاجتماعية للفن فقد انخرط «هارولد بنتر» في العمل العام حتي أصبح أحد الأعضاء البارزين في منظمة العفو الدولية التي تقوم بدور بارز في مناهضة العنصرية، والدفاع عن حقوق الإنسان، كما أنه عضو مؤسس لجماعة «الفنون لنيكاراجوا» والتي من مهامها الرئيسية الدفاع عن النظام الماركسي الشرعي، وتقف ضد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في نيكاراجوا، كما أسس «بنتر» مع مجموعة من زملائه «جماعة 20 يونيو» والتي تعقد اجتماعات دورية لمناقشة التغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية في المجتمع البريطاني.
ويذهب د. محسن مصيلحي إلي أن الذي حدا ببنتر إلي أن يتجه إلي مثل هذا النشاط السياسي «أنه من أكثر الكتاب الذين أسيء فهمهم، وتعرضوا وعانوا من ضيق أفق النقاد والمتفرجين، مما قد يجعله حريصاً علي الدفاع عن حرية الكاتب المطلقة في التعبير عن معتقداته بالشكل الذي يرتضيه».
تحية لهارولد بنتر الذي وقف ضد أمريكا في غزو العراق، وضد بلير في اشتراكه في الحرب وانصياعه لأمريكا التي هي - عنده - نازية جديدة، في صورة ما بعد حداثية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة