معركة بين وسائل الإعلام الروسية وحركات متطرفة ترفع شعارات إسلامية
حركة "الإرث الإسلامي الروسي" بدأت اجتماعية وانتهت بالقفز على الكرملين
موسكو: أشرف الصباغ
لا تزال وسائل الإعلام الروسية تخوض معركة متعددة
الجوانب مع عدد من التنظيمات والحركات المتطرفة التي
تستخدم شعارات إسلامية، وذلك في محاولة لتصفية خلافاتها مع
بعضها البعض من جهة، ومع الآراء المخالفة لها من جهة أخرى،
الأمر الذي دفعها للاصطدام ليس فقط بوسائل الإعلام
الروسية، بل وبالعاملين العرب في مجال الإعلام في روسيا،
وإرسال تهديدا مبطنة للمراسلين العرب في حال إذا لم
يتعاونوا معهم ويروجوا لنشاطاتهم. غير أن وسائل الإعلام
الروسية تصدت لهذه التيارات في سابقة أثارت الرأي العام
عموما، والأوساط الإعلامية والسياسية على وجه الخصوص.
وحذر العديد من وسائل الإعلام من إمكانية جديدة أكثر خبثا
لاستفزاز الرأي العام ضد معتنقي الديانة الإسلامية في
روسيا. وذهب عدد منها إلى التحذير من مخاطر قيام هذه
التنظيمات بتشويه الخطاب الرسمي الروسي الذي يتعامل
بحساسية فائقة مع القضايا الإسلامية، موجها انتقادات إلى
قادة هذه التنظيمات المتطرفة الذين دبروا حملات إعلامية
تسحب المبادرة من الكرملين وإدارة الرئيس الروسي من أجل
السعي لنسج علاقات مع الدول العربية والإسلامية تحت غطاء
"البيزنس" و"تحسين صورة الإسلام" و"تنظيف الساحة الإسلامية
من المعارضين لتطوير العلاقات الروسية-الإسلامية". وذهب
بعض المحيطين بهذه الحركة إلى أنها تلقى رعاية رسمية من
شخصيات بعينها من إدارة الرئيس الروسي، إضافة إلى بعض
أعضاء المجلس الفيدرالي، الأمر الذي يهدف بشكل أو بآخر إلى
تخويف المراسلين العرب والروس على حد سواء. وأصبح التلويح
بحادثة طرد مدير مكتب الجزيرة في موسكو، عصاة مسلطة على
رؤوس جميع العاملين العرب في مجال الإعلام بروسيا.
ورأى صحفيون روس أن حركة "الإرث الإسلامي الروسي"، وهي
الحركة الأحدث من حيث تاريخ تشكيلها وتضم في صفوفها
تنظيمات مشبوهة، تسعى إلى خداع المسلمين في روسيا برفع
شعارات دينية تستخدمها في إقامة علاقات مع تيارات مشابهة
في بعض الدول العربية. ومن جهة أخرى تعمل على إزاحة
التنظيمات المنافسة لها في الساحة الروسية لتبدو أمام
الكرملين أو الحكومات العربية على أنها المنفذ الوحيد
لإرساء العلاقات بين روسيا والدول العربية والإسلامية. هذا
الأمر تحديدا دفع العاملين في المجال الإعلامي الروسي إلى
طرح تساؤلات من قبيل "هل فقد الكرملين إمكانياته على إقامة
علاقات صحية ومتطورة مع الدول العربية والإسلامية ليسلم
المبادرة إلى تنظيمات متطرفة تساهم في أحسن الأحوال في
عرقلة التعاون؟"، و"هل أصبحت الدول العربية عاجزة عن
القيام بمبادرات مباشرة مع الحكومة الروسية بعيدا عن
التيارات والحركات المشبوهة من الطرفين؟".
وأظهر الصحفيون الروس قلقا من الوصاية التي أعلنتها حركة
"الإرث الإسلامي الروسي" وتنظيم "اللجنة الإسلامية بروسيا"
على حرية الكلمة والاعتقاد، ومطاردة المراسلين الروس
والعرب. وتفاقم هذا القلق عندما أعلن كل من نائب رئيس حركة
"الإرث الإسلامي الروسي" شاميل بينو، ورئيس تنظيم "لجنة
الإسلام بروسيا" حيدر جمال عن قيام "الأمة الإسلامية في
روسيا". والمعروف أن بينو يترأس أيضا جمعية تثير علامات
استفهام كثيرة تحت اسم "صندوق دعم أمريكا"، أما حيدر جمال
فهو عضو رئاسة أيضا بحركة "الإرث الإسلامي الروسي"، ورئيس
منظمة باسم "اللجنة الإسلامية بروسيا".
ولم ينكر الصحفيون الروس شكوكهم في توجهات هذه التنظيمات
التي تسعى إلى إعاقة العلاقات الرسمية بين روسيا والدول
العربية والإسلامية، وتقوم بحملات إعلامية لإعطاء انطباعات
بأنها قريبة من الكرملين، بل وترتب العلاقات بين المسؤولين
من الجانبين الروسي والإسلامي. وكان المثال الأقرب هو
ادعاء قادة حركة "الإرث الإسلامي الروسي" ترتيب زيارة رئيس
الشيشان إلى كل من سوريا والأردن، وهو ما أثار موجة من
التساؤلات في الأوساط الدبلوماسية العربية والروسية.
ومن جانبهم أعرب المراسلون العرب في روسيا عن قلقهم من
عملية التعقب التي تقوم بها هذه التنظيمات لمحاسبة
الصحفيين الروس أو المراسلين العرب على أسس دينية وقومية.
وازدادت المخاوف من تهديدات ضمنية بقدرة هذه التنظيمات على
إبعاد المراسلين من وسائل الإعلام التي يعملون فيها،
والتلميحات بأن زعماء هذه التيارات يملكون علاقات وطيدة مع
القائمين على الإعلام العربي.
ومن ضمن الحوادث الكثيرة التي جرت في إطار المعركة الدائرة
حاليا في موسكو، هو قيام رئيس تنظيم "اللجنة الإسلامية
بروسيا" عضو رئاسة حركة "الإرث الإسلامي الروسي" حيدر جمال
بالإعلان عن إبعاد مدير مكتب قناة "الجزيرة" الفضائية قبل
أن يصدر قرار الإبعاد من الدوحة، وهو ما أعطى انطباعا بأنه
يملك علاقات عالية المستوى داخل المحطة القطرية، الأمر
الذي أثار فزع المراسلين العرب، وغضب الصحفيين الروس. وضمن
الحملة الإعلامية التي قامت بها التيارات المتطرفة التي
تتشح برداء الإسلام تصريحات حيدر جمال بأن "إبعاد مدير
مكتب الجزيرة في موسكو من منصبه انتصار للأمة الإسلامية في
روسيا"، الأمر الذي أثار استياء الأوساط الإعلامية
ومخاوفها في آن واحد. غير أن الأمر الذي أثار علامات
استفهام أكثر هو أن حيدر جمال لم يتورع عن ترشيح شخصين
لشغل المنصب. والأخطر أن القناة أعلنت بالفعل عن تعيين أحد
اللذين رشحهما حيدر.
من جهة أخرى تطرقت جميع وسائل الإعلام الروسية إلى الموضوع
بشكل لم يسبق له مثيل طوال السنوات الأخيرة. إذ كتبت كل من
صحيفة "كميرسانت" وصحيفة "فريميا نوفستي" عدة مرات، إضافة
إلى أخبار متنوعة على 10 مواقع إنترنت، وأخبار بوكالة
أنباء "إنترفاكس"، ومحطة راديو "صدى موسكو". وكذلك محطات
التلفزيون.
وأظهرت المواد الإعلامية التي نشرها التيار الإسلامي
المتطرف في روسيا أن الحملة مقسمة إلى جزأين رئيسيين.
الأول،. والثاني، تنظيمي إذ رأت هذه التيارات، بالتنسيق مع
جهات داخل الفضائية نفسها، ضرورة وضع شخص آخر يرشحه حيدر
جمال ومجموعته لشغل منصب مدير المكتب في موسكو.
غير أن السؤال الذي لا يزال يتردد في الأوساط الإعلامية
والإسلامية المعتدلة في موسكو: ولكن لمصلحة مَنُ كل ما
حدث، وما سيحدث؟
إن الجزء الأول من الحملة أعاد الأذهان من جديد إلى جوهر
محاكم التفتيش في القرون الوسطي، لأن عناصر هذا التيار إلى
اجتزاء كلمات وجمل من أحاديث متفرقة لخزام في وسائل
الإعلام الروسية، ونجحت في أن تصنع منها جمل مترابطة
أرسلتها إلى مواقع النت، وفي رسائل كيدية إلى إدارة المحطة
في الدوحة، وشنت من خلالها أيضا حملة في الوسطين
الإعلاميين العربي والروسي في موسكو. بل وشنت أيضا حرب
طائفية، وفقا لتصريحات صدرت عن هذا التيار، بأنه "كيف
لمسيحي أن يدير مكتب لمحطة فضائية إسلامية؟"
في هذا المقام يمكن أن نستشهد بما كتبته صحيفة "فريميا
نوفستي"، إذ كتبت رئيسة القسم السياسي بالصحيفة يلينا
سوبونينا تحت عنوان (الفيلسوف التافه طرد صحفي الجزيرة)
أنه بات معلوما أن إدارة قناة "الجزيرة" القطرية صرفت أكرم
خزام من الخدمة كمندوب لها في موسكو بسبب ما تقدمت به
أوساط مسلمة روسية من شكاوى. ويظن الصحفي السوري أن
المقصود ب"الأوساط المسلمة" هو حيدر جمال، رئيس اللجنة
الإسلامية الروسية. وقال حيدر جمال في تصريح له إنه راض عن
صرف هذا الشخص من الخدمة. وتحدث قائلا "إنه (خزام) بذل ما
بوسعه لعرقلة تحقيق التقارب بين العالم العربي وروسيا وإنه
كان يقول إن العرب يمثلون بيئة مناسبة للإرهاب الدولي في
حين كان يقول للعرب أن روسيا ستقف مع الولايات المتحدة
ضدهم". كما تقدمت، وفقا لأقوال حيدر جمال نفسه، شخصيات
إسلامية أخرى، مثل نافع الله عشيروف، الرئيس المناوب لمجلس
المفتين في روسيا، من أكرم خزام الذي "أغضبنا سلوكه
المناوئ للإسلام" حسبما قال حيدر جمال.
من جهة اخرى قالت سوبونينا "إلا أن مسلمي روسا عبروا عن
استيائهم من تصرفات حيدر جمال. فقد وصفه محمد علي خوزين،
رئيس اللجنة التنفيذية للإدارة المركزية لمسلمي روسيا،
بأنه فيلسوف هامشي. وقال حارس صائبيانوف، مدير الجهاز الذي
يدير العمل اليومي لمجلس المفتين في روسيا، إنه يمكن اتهام
أي شخص مسلما كان أو مسيحيا بأنه كافر باقتلاع مفردات من
كلامه.
إلى هنا ينتهي حديث إحدى وسائل الإعلام الروسية. لننتقل
إلى الجزء الثاني والخطير بالفعل، حيث كتب ميخائيل زيجار
المحلل السياسي بالصحيفة تحت عنوان (الجزيرة عثرت على
مراسل جديد في بيسلان) أن إدارة محطة الجزيرة الفضائية في
الدوحة قررت تعيين مدير قناة فضائية "العربية" عمرو
عبدالحميد بدلا من مدير مكتبها في موسكو أكرم حزام الذي
أسس مكتب المحطة في موسكو وعمل مديرا له منذ حوالي 9
سنوات.
وأكد الكاتب على علاقة كل من عمرو عبدالحميد وعبدالله عيسى
(مراسل فضائية العالم الإيرانية) بجهاز الأمن الفيدرالي
(الاستخبارات الروسية)، مشيرا إلى أن العلاقات مع هذين
الشخصين بدأت مع أحداث مدرسة بيسلان. وتوجهت الاستخبارات
الروسية إلى عبدالله عيسي-وفقا لرواية ميخائيل زيجار- بطلب
المساعدة في إجراء حوار مع مختطفي الأطفال، والعمل كوسيط
بينهم وبين أجهزة الأمن الروسية.
أما عمرو عبدالحميد فقد احتجزته أجهزة الأمن الفيدرالي،
وهو في طريق عودته إلى موسكو من بسلان، في مطار مدينة
"مينيرالني فودي" بتهمة حيازة ذخيرة، حيث عثرت في حقيبته
على رصاصة. واستمر التحقيق معه عدة أيام، ثم أخلى سبيله
بشكل غير مفهوم.
ويرجح كاتب "كميرسانت" أن علاقة هذين الشخصين مع جهاز
الأمن الفيدرالي الروسي بدأت منذ ذلك الحين. وألمح في
المقال بأن مجموعة حيدر جمال كانت مجرد أداة في يد جهة
أخرى لإزاحة أكرم خزام ووضع أحد الصحفيين العرب القريبين
من هذه الجهات في محطة الجزيرة.