إذا رأوا ضرورة محاكمة صدام فينبغي تقديم الكثيرين للمحكمة
موسكو: أشرف الصباغ
ظهر السياسي الروسي المعروف، ورجل الاستخبارات
والدبلوماسية يفجيني بريماكوف من جديد ليفتح بعض الملفات
القديمة-الجديدة في حديث مطول أجرته معه يلينا سوبونينا
المستعربة المعروفة ورئيسة القسم السياسي بصحيفة (فريميا
نوفستي). وتحدث بريماكوف الذي يشغل حاليا منصب رئيس الغرفة
التجارية-الصناعية الروسية عن محاكمة صدام حسين، والوضع في
العراق، وفي منطقة الشرق الأوسط عموما
وكانت أولى كلمات بريماكوف للصحيفة أنه "إذا رأوا ضرورة
محاكمة صدام حسين فينبغي أن يحال كثيرون جدا للمحاكمة".
وعلى سؤال الصحيفة بأن الكثيرون أحيلوا للمحاكمة بمن فيهم
طه ياسين رمضان وطارق عزيز، قال السياسي الروسي أنه لا
يقصد الساسة العراقيين. أما بالنسبة لطارق عزيز فليس
معروفا بعد هل سيحاكم أم لا. غير أن الصحيفة عادت مجددا
لتسأل: هل هذا تلميح إلى أنه خان صدام؟ فأكد بريماكوف من
جانبه "أنا على معرفة جيدة بطارق أيضا، ولا أريد أن أقول
ما قد يشهد عليه أو له قبل المحاكمة. أما في ما يتعلق
بصدام فقد اقتنع الجميع بأنه لم يكن يملك السلاح النووي
ولم يكن له صلة بتنظيم القاعدة. لقد تمت الإطاحة برئيس
البلاد لأسباب كثيرة، من بينها أنه لم يكن يرضي
الأمريكيين. ولكن هذا ليس طريقا إلى الديمقراطية وما يجري
في العراق يؤكد ذلك. وما فعله الأمريكيون ليس مقبولا
بالنسبة للإنسان العاقل. ولا يعقل أن يفعلوا ما فعلوه بعد
أن احتلوا هذا البلد. في البداية راهنوا على الذين أتوا
بهم من الخارج، وفشلوا. وهل يعقل أن يعتمدوا بعد ذلك على
الشيعة؟".
وحول أن الأمريكيين اعتمدوا على الشيعة لأنهم يشكلون
الأكثرية في العراق، رأى بريماكوف أن "هذا صحيح، ولكن ماذا
لو ظهر إقليم للشيعة في جنوب العراق، مع العلم أن وسط
العراق حيث السنة هم الأغلبية، ليس غنيا بالنفط في حين يقع
إقليم مفترض للشيعة على مقربة مباشرة من إيران؟". كما
تساءل أيضا: هل يمكن أن يكون هناك إقليم للشيعة وآخر للسنة
في بلد يختلط فيه السنة بالشيعة في كل مكان وخصوصا في وسط
العراق؟ وأجاب بنفسه على تساؤرته بقولفه "الشيعة يرون
العراق جزء من العالم الإسلامي، في حين يرى السنة أن
العراق جزء من العالم العربي أولا". ثم عاد ليطرح تساؤلاته
من جديد: ترى ماذا يعني ذلك؟ وهل هناك من يفكر في ذلك في
حين أنه يمكن أن يظهر جسر للشيعة يمتد من إيران إلى لبنان
إذا استمر الحال على هذا المنوال؟
واتفق بريماكوف مع سؤال الصحيفة بأن إحدى القضايا تتعلق
بتورط صدام حسين في قتل سكان قرى شيعية وكردية، ومن ثم
يستحق العقاب، بقوله "نعم، كانت لديه أفعال كثيرة شريرة،
ولكن هذا شأن عراقي داخلي. وإذا رأى العراقيون ضرورة
محاكمة صدام فهذا شأنهم، ولكن ما دخل الأمريكيين في هذا..
لنفرض أن صدام يحاكم في قضية تتعلق بغزو الكويت في عام
1990. فالسؤال هنا يطرح نفسه: لماذا أعطت السفيرة
الأمريكية في العراق وقتها صدام حسين الضوء الأخضر لغزو
الكويت؟.
وأضاف، "نعم، كانت بيني ويبن صدام علاقات حسنة قبل اللقاء
الأخير في 24 فبراير 2003 عندما طلب مني الرئيس بوتين أن
أنقل رسالة شفهية إلى صدام حسين. وأراد صدام أن ألتقي أولا
طارق عزيز. ذلك أن صدام أراد أن يعرف بم أتيت لكي يكون
مستعدا لبحث ذلك. ولكنني صممت على أن ألتقي صدام على الفور
وعلى انفراد. وجرى لقائي به على انفراد في حضور المترجم.
وقدمت اقتراحات فلاديمير بوتين إلى صدام ومن بينها ما يدعو
إلى ضرورة أن يستقيل صدام حسين من منصبه كرئيس للجمهورية
حتى يبقى الاستقرار قائما في البلاد. ثم أعلنت الاقتراحات
بحضور طارق ورئيس البرلمان بطلب من صدام، فيما راح صدام
يدون الاقتراحات. ولكن صدام رفض الاقتراحات التي أتيت بها،
بل وحاول أن يتهمني بمعنى، إنكم والأمريكان سواء، ثم ربت
على كتفي وانصرف، فيما قال طارق لي: سوف ترى بعد مرور 10
أعوام من على حق، رئيسنا أم أنت؟".
وحول ما تردد بشأن اقتراح موسكو بمنحه حق اللجوء السياسي
وضمانات أخرى، أكد بريماكوف "لا، لم يكن ثمة اقتراح كهذا.
وجاء في رسالة بوتين الشفوية أن بإمكانه أن يقترح على
البرلمان إجراء انتخابات ديمقراطية لانتخاب رئيس جديد
للعراق. ولو استقال صدام وقتذاك لتعذر أن يبدأ الأمريكيون
عملياتهم العسكرية. وبالتالي لم يكن بمقدور أحد أن يعطيه
أية ضمانات. لقد اقترحنا عليه أن ينتهز الفرصة. وبذلت
روسيا كل ما بوسعها لكيلا يكون هناك غزو أمريكي".
وعلى سؤال الصحيفة المتعلق بتصريحات أدلى بها طارق عزيز
فيما بعد حول أن صدام حسين لم يعد يصدق بريماكوف أو الروس
بعد أن بدأ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عملية
"عاصفة الصحراء" ليجبر العراقيين على الانسحاب من الكويت
على الرغم من المساعي الحميدة، شدد بريماكوف في إجابته على
أن "صدام آنذاك كان يماطل باستمرار. ولو وافق عندما زرته
للمرة الأولى على ما وافق عليه أثناء زياراتي اللاحقة
لأخذت تطورات الوضع منحى مغايرا. وقال صدام لي عندما بدأ
العراق يتعرض للقصف الأمريكي إنه مستعد لإجلاء القوات عن
الكويت، ولكنه يرى أولا ضرورة استشارة أعضاء مجلس قيادة
الثورة. وقلت له إنه صانع القرار. وأجابني بأنه سيرسل طارق
إلى السفارة السوفيتية لينقل رسالة مكتوبة يؤكد فيها
موافقته. وجاء طارق إلى السفارة ليخطرنا بأنه يجب أن يسافر
إلى موسكو ليلتقي قادتنا. وكان هذا يعني أن صدام قرر أن
يساوم. وأتى طارق إلى موسكو بعد أسبوع واستقبله الرئيس
ميخائيل جورباتشوف في مكتبه بالكرملين بحضوري. وقال لي
طارق: دعنا نذهب إلى صدام لنحاول ثانية إقناعه بإجلاء
القوات في أقرب وقت".
وأضاف بريماكوف: "صحيح أننا وعدنا بأن التحالف الدولي لن
يقدم على عملية عسكرية برية ضد العراق إذا سحب صدام حسين
قواته من الكويت. وحاول أن يتهمنا فيما بعد زاعما أنه كان
مستعدا لسحب القوات، ولكن العملية بدأت. إلا أن السؤال هو
متى كان مستعدا. إنه لم يقدم على سحب القوات عندما طلبنا
ذلك وإنما أراد أن يسحب القوات بعد 3 أشهر. أما عندما وجه
الأمريكيون إنذارا إليه فإنه قبل شروطهم ونفذها خلال
يومين".
ورغم كل هذه التفاصيل، أكد السياسي الروسي المعروف بأن
روسيا لم تفقد العراق بعدما أطيح بصدام، مشيرا إلى أن
"العراقيين لديهم اهتمام بالروس. أما بالنسبة للأمريكيين
فإنه توجد لدى العراق مشاعر عدائية قوية وليس فقط لأن
تنظيم القاعدة نقل قواته الرئيسية إلى العراق الآن".
وحول العلاقة بين النفط وغزو العراق، قال بريماكوف
"بالطبع، كان من أجل النفط. ولكن ذلك ليس إلا أحد الدوافع،
لأن للمحافظين الجدد الأمريكيين تأثيرا هائلا على جورج بوش
وهؤلاء يتصرفون من منطلق أن أمريكا أقوى دول العالم نفوذا
اقتصاديا وسياسيا ولهذا يمكنها أن تتصرف كما يحلو لها في
الساحة الدولية".
من جهة أخرى استبعد بريماكوف أن تكون إيران الهدف القادم
للولايات المتحدة، مشيرا إلى أن "ذلك لو حدث، لكان هوسا ما
بعده هوس". وفي الوقت نفسه أعرب عن شكه بأن سوريا تنحدر
إلى الهاوية، مؤكدا بأن "الرئيس السوري بشار الأسد سيبقى.
وعلى الرغم من المآخذ الكثيرة عليه، إلا أنه لا أحد يعتبر
بشار الأسد مسؤولا عن اغتيال رفيق الحريري".
وفي نفس السياق قال بريماكوف "كان لي علاقات ودية حميمة مع
الحريري. والتقيته قبل أسبوع من وفاته. وكان يعرف أنني سوف
ألتقي الأسد في دمشق، وأرادني أن أساعد على ترتيب اللقاء
معه. إذ كان هناك من يسعى إلى منع هذا اللقاء. وقال
الحريري لي: إذا كانت سوريا تخشى أن نوقع نحن اللبنانيين
اتفاقية منفصلة مع إسرائيل، فإننا مستعدون لإدخال إضافة
على الدستور تقول إننا لن نوقع معاهدة سلام مع إسرائيل إلا
مع سوريا. وشكا الحريري من تسلط المخابرات السورية في
لبنان، وقال: حتى تعيين رئيس جديد لأي مستشفى لبناني لا
يمكن أن يتم إلا بموافقتها".
وتابع: "قضى الحريري نحبه بعد أسبوع. ولكن تكوّن لدي بعد
اللقاء مع الرئيس السوري آنذاك انطباع بأن الأسد أيضا يريد
لقاء الحريري. لذلك لا أتفق مع الرواية القائلة بأن الأسد
وقف خلف اغتيال الحريري.
يأخذون على الأسد أن سيطرته على أجهزته الخاصة ضعيفة.
ويأخذون عليه أيضا أن المقاتلين يدخلون العراق عبر الأراضي
السورية، ولكنه لا يملك ببساطة أن يحكم إغلاق الحدود مع
العراق".
وحول بحث واشنطن عن بديل لبشار الأسد، وافتقار المعارضة
السورية إلى زعيم قوي، الأمر الذي يسبب عائقا للأمريكيين
في تحقيق هذا الهدف، تساءل بريماكوف: "من هم الذين يمثلون
المعارضة للرئيس الأسد؟ هل هم ممثلو الرعيل القديم الذين
تم فصلهم من وظائفهم؟ في مصر راهن الأمريكيون في حينهم على
أنور السادات وهو من النسق الأول في منظمة الضباط الأحرار،
وكان له نفوذ وإن فكر تفكيرا يختلف عن تفكير الكثير من
رفاقه. فهل سيجد الأمريكيون شخصا كهذا في سوريا؟".
وعلى سؤال يتعلق بالهم الطائفي والعرقي، تساءلت الصحيفة:
عن مدى نية الولايات المتحدة تغيير الأوضاع في سوريا على
خلفية ما يتردد حول تحكم الأقلية العلوية في سوريا خلال
عشرات السنين في حين يشكل المسلمون السنة الأغلبية فيها،
أجاب بريماكوف "ليس صحيحا أن العلويين وضعوا كل شيء في
سوريا في يدهم وأن الشخص الواحد يقرر كل شيء هناك. هذا
تصور أحادي الجانب. والأمر ليس بهذه السهولة". ولكن
الصحيفة عادت لتطرح السؤال بطريقة أخرى: "الأسد يصر على
عودة مرتفعات الجولان التي احتلها الإسرائيليون خلال حرب
عام 1967، فهل هذا الأمر يمكنه أن يدفع إسرائيل للسعي إلى
تغييره؟".
فأجاب بريماكوف بأن "الرئيس الأسد ليس متعنتا. عندما كنت
وزيرا للخارجية في الفترة من عام 1996 إلى عام 1998،
التقيت رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وقلت له أنه
بإمكان الإسرائيليين أن يوافقوا على الانسحاب من مرتفعات
الجولان ضمن شروط، من بينها جعل هذه المرتفعات منطقة
منزوعة السلاح، أو نشر مراقبين دوليين. وكاد الأمريكيون
يتوصلون إلى حلول لقضية الجولان حتى مع الرئيس حافظ الأسد
نفسه، ولكن الإسرائيليين رفضوها جميعا".
وفي ما يخص صعوبة ترك الإسرائيليون مرتفعات الجولان بعد أن
وظفوا الأموال هناك وأنشأوا البيوت ووضعوا أجهزة الرادار
العسكرية، رأى بريماكوف أنه "لا يمكن القول أن الحدود
البعيدة توفر الأمن في الوقت الراهن. وربما صدقت هذه
المقولة في وقت سابق لم توجد فيه أسلحة كالتي تتواجد
حاليا. اليوم لا يمكن توفير الأمن للمنطقة إلا عندما تتفق
إسرائيل مع جيرانها كافة على شروط سلمية للتعايش. وعموما
فإنني لا أستبعد أن تظهر كونفدرالية ما في المنطقة بعد مضي
بعض الوقت كمجال اقتصادي موحد يجمع إسرائيل وفلسطين
والأردن".
وحول أن شارون بالذات هو الذي أقدم على إجلاء المستوطنين
عن غزة، لم ير بريماكوف أية إثارة للدهشة في مثل هذه
الخطوة بقوله "لم يدهشني ذلك. فقد كانت القدرة على العمل
الحاسم من صفات شارون. وهذا ما دفعه باتجاه إخلاء
المستوطنات. ولكن موقفي من شارون يظل كما هو، إذ لا يمكن
للإنسان أن يدفع عن نفسه كل سلبيات ما اقترفه في وقت سابق
عندما يفعل شيئا إيجابيا في هذا الوقت. إلا أن السؤال هو،
هل سيتوقف كل شيء عند هذا الحد أم سيصبح هذا بعد طول
الانتظار جزء من حل جملة المسائل التي حددتها خطة خريطة
الطريق لتسوية نزاع الشرق الأوسط؟ بالطبع هناك مسألة حيوية
أخرى تتعلق بإيقاف العمليات الإرهابية ضد المدنيين
الإسرائيليين. وترى القيادة الفلسطينية أيضا ضرورة
إيقافها. ولكن يجب أن نفهم أن ذلك لن يتوقف بين عشية
وضحاها".
وفي ما يتعلق باقتراح عقد مؤتمر حول عملية السلام في الشرق
الأوسط بحضور خبراء رفيعي المستوى في موسكو، ورفض
الإسرائيليين ذلك متصورين أن دور روسيا ليس كبيرا على
خلفية التدفقات المالية إلى المنطقة من جانب الولايات
المتحدة، قال بقريماكوف "الأموال الأمريكية تتدفق إلى
إسرائيل بالأساس. صحيح أن الأمريكيين يساعدون الفلسطينيين
أيضا، ولكننا نحن أيضا نريد مساعدة الفلسطينيين وقواتهم
الأمنية. وحتى الأمريكيون لم يعارضوا ذلك، إلا أن إسرائيل
اعترضت. ولا يوافق الإسرائيليون على تسليم عربات الدوريات
ولا الأسلحة الخفيفة إلى قوات الأمن الفلسطينية. فكيف يمكن
أن يأخذ أبو مازن بخناق الإرهابيين كما يطالب الإسرائيليون
بذلك وهو لا يملك الأسلحة المطلوبة؟ وللعلم فإن أبو مازن
حاز على شهادة دكتوراه بعد مناقشة أطروحته في معهد
الاستشراق بموسكو عندما كنت رئيسا لهذا المعهد. وبالتالي
فإنني على معرفة جيدة به".
وفي نهاية الحوار تحدث بريماكوف عن أحاسيسه عندما وقف أمام
قبر ياسر عرفات في رام الله بقوله "غمرني وقتها حزن شديد
لأن هذا الرجل الفذ رحل عن الحياة. كان ياسر عرفات يفهم
جيدا ماذا يجري في الدنيا. والتقيته عشرات المرات. بالطبع
وقع في أخطاء أيضا من بينها رفض خطة بيل كلينتون. وكانت
القمة العربية هي التي وجدت تلك الخطة غير مقبولة، لأن
إسرائيل ترفض عودة اللاجئين الفلسطينيين من حيث المبدأ في
حين أن الإسرائيليين لا يستطيعون أن يدركوا ضرورة فصل مبدأ
عودة اللاجئين عن آلية عودتهم. ذلك أنه إذا دفعت تعويضات
لمن يبقون في أماكن إقامتهم فلن يرغب قسم كبير من اللاجئين
العودة إلى فلسطين. وعلاوة على ذلك فإن عرفات كان يأمل في
أن يحصل الفلسطينيون على المزيد خلال المفاوضات القادمة،
في حين أن خطة كلينتون راعت إمكانية تقسيم القدس تمهيدا
لجعل شطرها الشرقي عاصمة للدولة الفلسطينية".