تتواتر أحداث وممارسات وتداعيات علي الساحة السياسية
المصرية تتوالد منها استنتاجات وتحليلات ومخاوف، لكننا
سنحاذر من القفز مبكرا باستنتاجاتنا ومن أجل المبالغة في
الموضوعية سنتحول بها إلي مجرد أسئلة نتمني أن تكون محل
اهتمام.. وإجابات.
لماذا.. الأولي:
ثمة سؤال ساذج أعرف مقدما أن إجابته أكثر سذاجة.. ولكن لا
بأس من طرحه، لماذا نجح كل مرشحي الحزب الحاكم في
الاستيقاظ مبكرا جدا والوصول إلي كل مديريات الأمن في كل
المدن والمحافظات في وقت واحد ليسبقوا غيرهم في الحصول علي
رمزي الهلال والجمل؟ الإجابة معروفة طبعا، ولكنها تطرح
تساؤلا أكثر مرارة، هو لماذا يتصور الحزب الحاكم أن هذين
الرمزين يجذبان الجماهير ويجتذبان أصواتها؟ أليسا رمزا
للفساد والإفساد السائدين، ورمزا للسياسات التي أنبتت كل
ما نحن فيه من ترد وتدهور وفقر وإفقار وانهيار في منظومات
التعليم والصحة والإسكان والتشغيل؟ أليسا رمزا لحالة
الطوارئ الأبدية، وللتخبط في السياسات ولسوء الأحوال،
أليسا مسئولين عن كل ما نحن فيه؟.
الإجابة بلي بالقطع، ولابد أن يقولها الجميع.. نحن وهم
وغيرنا، فقد انفرد الحزب الحاكم بمصائر الوطن لمدة تقارب
الثلاثين عاما.. وبدلا من أن ينهض بمصر منحها ما نحن فيه
من حالة بائسة.
وخلال ثلاثين عاما من القرن التاسع عشر نجح محمد علي
المملوكي المستبد والغريب عن الديار أن يبني مصر جديدة وأن
يضع أساسا لنهضة لا ينكرها أحد، وخلال ثلاثين عاما امتدت
من نهايات القرن العشرين إلي بدايات القرن الجديد نجح تتار
الحزب الحاكم في نهب ثروات مصر، وفي إفسادها وفي تدمير
بنيتها الاقتصادية والزراعية وتدمير القطاع العام ونهبه
وتدمير البنية التعليمية والعلمية والصحية والتأمينية..
أرتال الجراد النهم من كوادر وقيادات الحزب الحاكم التهمت
خيرات مصر ودمرت بفساد سياساتها كثيرا مما تبقي.
فلماذا يجدون الجرأة للتمسك برمزي الهلال والجمل؟ هذا هو
السؤال، والإجابة تأتي عبر سؤال آخر: هل يأتي هذا التمسك
لتسهيل إجراءات إدارية وأمنية غير شفافة؟.. وتلك هي
القضية.
أما نحن فنقول إن رمزي الهلال والجمل يحملان في طياتهما
رائحة طاردة، لأنهما رمز لكل ما يعاني منه المصريون.
ويا أيها المصريون: كل من حصل ابنه علي عمل بغير واسطة أو
رشوة، وكل من حصل علي مسكن لائق بالبشر، وكل من نال ابنه
تعليما يليق بالزمان الراهن ولا يحتاج إلي إنفاق معظم دخله
علي الدروس الخصوصية، وكل من وجد في المستشفيات العامة
علاجا حقيقيا أو نصف أو حتي ربع حقيقي، ولم يطلب إليه أن
يتبرع بدمه لقاء علاج ابنه، فضلا عن شراء الدواء والمعدات
من الشاش والقطن وصبغة اليود إلي كل شيء، وكل من نال حقه..
وكل من لم ير فسادا وإفسادا، وكل من عاملته الدولة
وموظفوها وشرطتها باحترام.. يا هؤلاء جميعا إن نالكم شيء
من ذلك امنحوا أصواتكم للهلال والجمل.. ولكن هل من أثر
لهؤلاء؟.
إذن ينبيء الإصرار علي اختيار رمز محدد، وإذ يأتي هذا
الإصرار عبر أساليب فجة، وأعتذر إذ أقول إنها أساليب غير
ذكية.. مثل إعلان لجنة الانتخابات في الحزب الحاكم وقبل
بدء يوم الترشيح للانتخابات بأسبوعين استعداد الأهلة
والجمال للانطلاق، قبل أسبوعين رتبوا.. ودبروا.. وقرروا
أنهم حائزون لرمزين من المفترض توزيعهما وفق أسبقية
الحضور، أليس هذا مضحكا ومثيرا للأسي؟ ثم أين اللجنة
العليا للانتخابات لا أسكت الله لها حسا، لماذا لم تعلن
خطأ هذا الإعلان وخطأ هذه الترتيبات؟ لماذا لم تتحرك إذ
يجري وتحت بصر الجميع إنفاق يتجاوز الملايين من كثير من
المرشحين بينهم مرشحون للحزب الحاكم، وبينهم «مرشحون»
للانضمام إليه فور نجاحهم في الفوز بمزاد شراء كرسي
البرلمان.
وبالمناسبة.. أين الحزم والعزم اللذان تظاهرت بهما قوي
التجديد في الحزب إزاء المتمردين علي ترشيحات الحزب؟ أليس
مثيرا للدهشة أن يتضاءل الحزب وقيادته أمام المتمردين
عليه، وأن ينحني أمام تمردهم ويعجز عن اتخاذ أي إجراء
ضدهم؟ ألا يشجع ذلك هؤلاء المتمردين علي أن يواصلوا هم
وغيرهم المزيد من التمرد؟.
أما أن الأمر كله متعلق بخشية الحزب وقياداته الجديدة
والقديمة من هزيمة أشد مرارة من هزيمة انتخابات 2000 حيث
حصل مرشحوه علي 5.37% فقط من المقاعد ثم استكمل نسبته
الطاغية من العائدين المظفرين بعد أن هزموا المرشحين
الرسميين؟ وبعد الهزيمة المريرة للحملة الانتخابية
الرئاسية التي قادتها أمانة السياسات وانتهت بتصويت 5.23%
فقط من الناخبين، ويقودنا هذا إلي سؤال آخر؟.
لماذا.. الثانية:
لماذا نتخوف من افتقاد الشفافية في الانتخابات القادمة؟
والإجابة مريرة لنا ولهم، فهم يعرفون ومتأكدون أنه لا أمل
لهم في فوز أو شبه فوز في الانتخابات القادمة إذا ما كانت
نقية وشفافة، وستكون النتيجة المتوقعة مريرة بل وشديدة
المرارة ليس فقط لأنها ستظل معلقة في عنق سياسات خاطئة
ومفلسة وفاسدة، وإنما لأنها ستعطي القدامي في الحزب سبيلا
للشماتة في الجدد، وللقول بأنهم يفتقدون القدرة والخبرة.
ولسنا نرجم بالغيب فالبوادر غير مشجعة.. الجداول
الانتخابية وما فيها، وتعددها بحيث يعطي مرشحو الحكم جداول
معينة لا يحصل عليها الآخرون، والقيد الجماعي الذي تم علي
قدم وساق طوال السنوات الماضية بحيث سيجد أي باحث محايد أن
جميع موظفي وزارة معينة «أقصد أكثر من وزارة» ومن كل أنحاء
القطر مسجلون في دائرة معينة مسجلة باسم معالي الوزير، وقد
استمر القيد الجماعي والمتكرر طوال الفترة السابقة وزاد
حماسة خلال الاستعداد للانتخابات الرئاسية.
ومن هنا فإن التدخل الإداري والأمني ليس مطلوبا فقط وإنما
أصبح ضرورة، بل إنه أصبح ضرورة حتمية ولازمة، ليس فقط
لإنجاح من لا يستحقون النجاح من مرشحي الحزب الحاكم، وإنما
لإسقاط من لا يستحقون السقوط من مرشحي أحزاب المعارضة،
وأنا أعترف هنا أن قلمي سبقني إلي عبارة تقول «سقوط من لا
يستحقون السقوط من المرشحين الآخرين» لكنني توقفت وشطبت
لأن الأمر ليس كذلك، وإنما هو بالتحديد «إسقاط مرشحي أحزاب
المعارضة»، ويقودنا هذا التدقيق في الكتابة إلي.. لماذا
أخري.
لماذا.. الثالثة:
لماذا قلت «أحزاب المعارضة»؟ لأن الهمس والترتيبات
والسيناريوهات المتداولة قد تستدعي (أقول «قد» لأن الأمر
وإن كان مرجحا إلا أنه غير مؤكد).. قد تستدعي إجراء
انتخابات رئاسية قبل عام 2010 ورائحة هذا التدبير أتت عبر
التعديل الذي فرض للمادة 76 من الدستور، وفرضت فيه نصوص
تحقق الافتراضات والترتيبات، وفرض علي الجميع أن يصاغ
التعديل كاملا وبكل ما فيه من تحيزات وترتيبات متعمدة ضمن
الدستور ليكون تعديله صعبا، ثم تتمدد الرائحة لتتساءل هل
المطلوب ألا يحصل أي حزب معارض علي 25 مقعدا في برلمان
2005؟ وهل سيكون الترتيب هو الفوز في هذه الانتخابات
المقبلة بالتزكية؟.
والحقيقة أن تعديل المادة قد جري تفصيله وتدبيره بحيث
يحتاط لكل شيء، فقد نص علي ضرورة أن يحصل علي 5% من
الأعضاء المنتخبين في مجلس الشعب ثم 5% من الأعضاء
المنتخبين في مجلس الشوري، وبرغم معارضتنا الشديدة لهذا
النص إلا أننا سألنا «لماذا لا ينص علي ضرورة الحصول علي
نسبة 5% من المنتخبين في مجلسي الشعب والشوري؟» والفارق
واضح بين النصين.
فلو حصل حزب علي مائة مقعد في الشعب وستة في الشوري لا
يمتلك حق الترشيح وفق نصهم.. بينما يمتلك هذا الحق وفق
الاقتراح الأكثر عقلا.
وهكذا تتناثر مخاوف نتمني ألا تتحول إلي حقائق، نقول إن
الترتيبات قد رتبت كي لا يحصل أي حزب علي 25 مقعدا، فإن
أفلت حزب، فهناك مصيدة أخري هي انتخابات الشوري في 2007.
وبالمناسبة فإنني قد أدليت بتصريح صحفي حول هذا الأمر
فالتقطه الصديق عمرو عبدالسميع «وهو صديق فعلا» واستخدم
خفة دمه في التهكم وفي طمس حقيقة المسألة، قال إنني أطالب
بأن يمنحنا الحزب الحاكم 25 مقعدا، والحقيقة أن خفة الدم
ومهما تمادت لا يمكنها أن تخفي ما هو جدي من مخاوف، ولكي
أريحه - وأنا حريص علي راحته - فإنني أؤكد له، أنني لم
أطلب شيئا من أحد، وقد أوضحت ذلك في «عمود» تفضل الأهرام
فنشره تحت عنوان «المأزق» ولست أدري لماذا لا يقرأ د. عمرو
الجريدة التي يعمل بها؟ فلو قرأ لوجدني أهمس بهذه المخاوف
في إيجاز وأختتم مؤكدا أننا لا نطلب إلا ما نحصل عليه
بالفعل وليس أكثر، ما نحصل عليه فعلا من أصوات في ظل
انتخابات شفافة حقا، ونظيفة حقا، وخالية من تدخلات السادة
المحافظين وغيرهم في سلم الحكم المحلي من رؤساء المدن
والأحياء إلي العمد، انتخابات نظيفة حقا تلتزم بنصوص
القانون الذي وضعتموه أنتم والذي يحدد الإنفاق بسبعين ألف
جنيه فقط، بما لا يدع مجالا للملايين التي أنفقت بالفعل،
ويجري إنفاقها في ظل صمت مريب من اللجنة العليا
للانتخابات، وبما لا يدع مجالا لتوزيع آلاف الموبيلات
وملايين الجنيهات علي أمناء الوحدات المحلية للحزب والعمد
والمشايخ كما حدث في الانتخابات الرئاسية.
يا عزيزي عمرو.. لا نريد شيئا منكم نريد فقط حقنا في ظل
انتخابات حرة حقا، ونزيهة حقا، وخالية من الإنفاق المجنون
والتدخل الأمني والإداري.. فهل هذا كثير؟.
أما إذا كان الترتيب مرتبا والتدبير مدبرا فإن تنفيذ
السيناريو المفترض سيفترض بل سيفرض أن تستخدم كل الوسائل
كي لا يحصل أي حزب شرعي «أي له حق الترشيح في الانتخابات
الرئاسية» علي هذه النسبة.
وهذا ما نرفضه، وما يفترض أن ترفضه أنت أيضا يا دكتور
عمرو، ويرفضه قادة حزبك.. ترفضونه حقا وفعلا.. وليس قولا..
وإلا فإن الأمر يكاد أن يقودنا إلي.. المجهول.
ولهذا فإن شفافية الانتخابات المقبلة قد أصبحت ضرورة..
ويقودنا ذلك إلي لماذا الأخيرة.
لماذا.. الرابعة:
يسألوننا لماذا رجعتم أو تراجعتم عن موقفكم «الوطني»
الرافض للرقابة الأجنبية علي الانتخابات؟ ولعل من واجبنا
نحن أعضاء حزب التجمع أن نقدم إيضاحا واضحا.
ظللنا أبدا نطالب بأن تقتصر الرقابة علي الانتخابات علي
لجنة مصرية محايدة وذات كفاءة ومقبولة من كل الأطراف
وظللنا أمدا نحذر ونرفض من تدخل هذه الدولة أو تلك في
شأننا الداخلي بحجة مراقبة الانتخابات، وأكدنا مثلا أننا
نرفض «مراقبة» مثل تلك التي قام بها «مراقبون» مأجورون
ومزورون كما حدث في أوكرانيا، ولكن السيد المستشار رئيس
لجنة الانتخابات الرئاسية صاح في وجوه الجميع بما في ذلك
«المجلس القومي لحقوق الإنسان» ومنظمات أهلية ذات مصداقية
برفض قاطع مانع لأي رقابة علي العملية الانتخابية، رافعا
شعار «لا رقابة علي القضاء».
ونسي سيادته عدة أمور منها:
أن افتقاد الشفافية في الانتخابات لا يكون فقط أمام
الصندوق، وإنما عبر الإدارة والأمن والإنفاق والبلطجة وهي
أمور لا علاقة للقاضي الجالس أمام الصندوق بها.
وأن موضوع الرقابة علي قرار القاضي أمر مفترض قانونا فكل
محام من حقه أن «يطعن» في حكم أصدره قاض أيا كانت مكانته
أمام المحكمة الأعلي، وليس في ذلك طعن في المنظومة
القضائية أو في أفرادها.
وأنه - ومع كل الاحترام للسلطة القضائية التي هي ملاذنا
الأخير - ووفق نص قانون الانتخابات ذاته يتعين السماح
لممثلي المرشحين بالجلوس أمام ذات الصندوق الذي يجلس أمامه
القاضي.. فلماذا يجلسون؟، يتفرجون؟، أم يتابعون؟،
ويراقبون؟، بل ويملكون الحق في لفت نظر السيد القاضي إلي
ما قد يقع من أخطاء غير مقصودة، أو غير ذلك؟، فكيف يقرر
السيد المستشار - وله كل الاحترام - أنه لا مجال لأي رقابة
علي مجري العملية الانتخابية بحجة أنه لا رقابة علي
القضاء؟.
ثم يأتي بعد ذلك ما كان في الاستفتاء علي تعديل الدستور
«ونرجوكم جميعا أن تراجعوا تقرير نادي القضاة».. ثم ما كان
في الانتخابات الرئاسية، فإذ نضع فتوي السيد المستشار مع
ممارسات الحزب الحاكم ومع مخاوفنا المشروعة من إفتقاد
الشفافية ومع الشواهد المرئية للجميع بما يدفعنا إلي إعادة
النظر في موقفنا كي نكبح جماح هؤلاء الذين يستمتعون برفضنا
للرقابة الأجنبية ويستخدمونه كي يسلبوا حقوقنا التي
نستحقها عبر انتخابات نظيفة.
لكن «الوطن» كان حاضرا، ولابد له أن يبقي حاضرا دوما في كل
قراراتنا فطالبنا في قرار لمكتبنا السياسي بمراقبة دولية
«وهي تختلف عن المراقبة الأجنبية التي تستدعي كل من هب
ودب، وتستدعي من يتدخلون في شأننا الداخلي» مراقبة دولية
بمعني أن تقوم بها منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة
وتعتبر جزءا من بنائها، وبهذا نضمن وجود عين دولية لعلها
تنجح في كبح جماح ما يرتبون له، وتضمن في نفس الوقت عدم
تسلل أي تدخل أجنبي لهذه الدولة أو تلك في شأننا الداخلي.
.. وتنتهي الكتابة ولا تنتهي الأسئلة.. فهل من إجابات
شافية وواضحة وأمينة؟، ويبقي أن أحذر من يعنيهم الأمر..
مصر تمر بمرحلة فاصلة، والمشاعر ملتهبة بفعل سياساتكم
وأخطائكم وسوء إدارتكم لأمور البلاد، والناس يعانون من فقر
وإفقار وترد في مستوي المعيشة وصعوبات في العيش، ومن فساد
وإفساد وبطالة و.. و.. فلا تشعلوا مشاعر هي بذاتها مؤهلة
لذلك.. أحذركم.. أحذركم وأنذركم الأمر جد خطير، بل وخطير
جدا فتعالوا إلي كلمة سواء، ولو أعملتم العقل لوجدتم أن
هذا أفضل للجميع.. ولمصر.
.. واللهم فاشهد.