والناس صنفان موتي في حياتهم
وآخرون ببطن الأرض أحياء
لا تستطيع الكلمات أن تحيط بحياة الرجال ولا أن تفي
بأقدارهم، كما لا تستطيع المشاعر أن تكون تعبيرا كاملا عما
لهم من مكانة.
وجلال رجب أحد هؤلاء الذين لا تحيط الكلمات بأقدارهم، ولا
تستطيع المشاعر أن تجد التعبير عن مكانتهم.
وحينما وطئت قدماه أرض الوطن بعد نيل الدكتوراه من فرنسا،
تلقفته القوي الخفية لتبحث عن علاقات لم تكن موجودة بينه
وبين بعض الجماعات اليسارية في فرنسا خلال سنوات دراسته،
وتحاول أن تحدد علاقاته بما تخيلته من ارتباطات بقوي
خيالية خارج السجون، وخضع خلال مدة احتجازه لممارسات القوي
الخفية التي ظل طوال حياته فيما بعد يحاول أن يكشفها
ويعرضها للضوء ويطلب لها العقوبة والجزاء الحق.
وأطلق سراحه انتظارا لما سوف يظهره نشاطه.
وأسس جلال رجب مكتبه في كفر الشيخ، غير أن نشاطه امتد إلي
جميع أرجاء الوطن، كما شمل كل نواحي الحياة، وكنت تراه في
ساعات النهار في قاعات المحاكم ودور النيابة، وفي المساء
في مكتبه يدرب أعضاء المكتب من المحامين تحت التمرين علي
دراسة القضايا والغوص في أعماقها، فكل قضية تمثل عنده صورة
لما يحدث في المجتمع وانعكاسا للعلاقات الاجتماعية
والاقتصادية.
وفي الساعات المتأخرة من الليل كان يشتغل في مكتبه بتدريب
فريق عرف فيما بعد بفرقة كفر الشيخ المسرحية حينما جاء إلي
المحافظة الفنان العظيم عز الدين نجيب مديرا لقصر الثقافة
واستطاع عز الدين نجيب أن ينتدب للعمل في الفرقة كثيرا ممن
دربهم جلال رجب.
وأخذت الفرقة في عرض تمثيلياتها في جميع مدن وقري المحافظة
مستخدمة الأجران ومدارات السواقي مسارح لعروضها، ولأول مرة
كان الفلاحون يرون عرض مسرحية تمثل قسمات من حياتهم،
وأنماطا من مشاعرهم، وتطورت أعمال الفرقة لتشرح الأبعاد
الاجتماعية والاقتصادية لما يحدث في الأسرة والمجتمع
وحينما يكتب تاريخ فرقة كفر الشيخ المسرحية فسوف تكون
مسرحية الرجل الذي ضحك علي الملائكة، ومسرحية الزوبعة من
أكثر الأعمال إثارة للحوار الساخن بين الفلاحين.
ولا يزال بعض ممثلي الفرقة يعملون في التليفزيون المصري.
كما كان المكتب مكانا للحوار السياسي بين كثير من مثقفي
المحافظة يجدون فيه ما افتقدوه في الاتحاد الاشتراكي وكان
هذا الحوار يحدد مواضيع وصيغ ما يطرح في الندوات السياسية،
ومن هنا نشأت حساسية مبالغ فيها من قبل قيادات الاتحاد
الاشتراكي التي كانت تري في كل حوار خروجا علي الشرعية
وافتئاتا علي السلطة.
وحينما نشبت معارك الملاك والمستأجرين بمحاولات الملاك طرد
المستأجرين كان جلال رجب هو الصوت الأول الذي ارتفع عن
فقراء الفلاحين، وكون جماعة المحامين للدفاع عن فقراء
الفلاحين استطاعت بقيادته أن تجوب مصر من أسوان إلي
الإسكندرية، وخاضت معارك متعددة لا ضد كبار الملاك فقط، بل
ضد الاتحاد الاشتراكي الذي انحاز بالكامل لكبار الملاك.
لقد كان جلال رجب هو أول صوت ارتفع لفضح سياسة الاتحاد
الاشتراكي الذي كان يعلن عن دفاعه عن الفلاحين وفي السر
كان ينحاز ضدهم.
ومد جلال رجب اهتماماته إلي القضايا السياسية الساخنة،
وكان أكثرها سخونة ما حدث في محافظة كفر الشيخ يوم الجمعة
3 مايو 1968، وفي أعقابها في المحكمة هدد جلال رجب محافظ
كفر الشيخ بأن الروح بالروح والدم بالدم، ردا علي قيام
المحافظ وأعضاء مجلس ا لأمة بتدبير اعتداءات مسلحة علي
التقدميين بالمحافظة.
ومن القضايا المحلية في المحافظة إلي القضايا الوطنية فقام
جلال رجب بالقسط الأوفي في حماية التقدميين في أمانة
الدعوة والفكر من تلفيق التهم التي كالتها لهم قيادة
الاتحاد الاشتراكي في مرحلة من مراحل الصراع داخله.
واشترك جلال رجب في تأسيس حزب التجمع بكفر الشيخ، وأصبح
عضوا في أمانته العامة ثم عضوا في اللجنة المركزية.
وفي نقابة المحامين اشترك جلال رجب في قيادة الاتجاه
التقدمي داخل النقابة مما أكسبه عداء لم ينته من قبل القوي
السلفية التي ناصبته عداء لم يخمد أواره إلي أن توفاه
الله.
وقد أسس لجنة الحريات بنقابة المحامين، كما اشترك في تأسيس
المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وكان له نشاط بارز في
تأسيس معهد المحاماة بنقابة المحامين في مصر.
وقام د. جلال رجب بنصيب مرموق في تنظيم الدفاع عن المتهمين
في أحداث 18 و 19 يناير 1977 وجولاته في تلك القضايا مما
سوف يذكره التاريخ.
ومن نقابة المحامين المصريين إلي اتحاد المحامين العرب حيث
شارك في الدفاع عن القضايا العربية ضد الصهيونية وكذلك ضد
القادة العرب الذين كانوا يحاولون استخدام الاتحاد في
تدعيم نفوذهم في العالم العربي دون أن يستحقوا ذلك، وشارك
مع فاروق عيسي الأمين السابق للاتحاد في وقاية اتحاد
المحامين العرب من بعض الاتجاهات التي كانت تريد إخضاع
الاتحاد لبعض الزعماء الذين تخلوا فيما بعد عن قضايا
العرب، كما شارك في تدعيم قضايا الحرية في مختلف البلدان
العربية، وفي مختلف البلدان العربية دافعوا عن المتهمين في
الانتفاضات التي كان يقوم بها الشعب في مواجهة القمع
والاضطهاد، كما اشترك في الدفاع عن قضايا الحريات في مختلف
البلدان معرضاً نفسه لانتقام رجال الحكم في هذه البلدان،
وفي كل هذه المراحل كان دكتور جلال رجب في غاية القسوة علي
حياته الشخصية فلم يكن هناك وقت كثير لها، فترك الدنيا وهو
أكثر فقرا مما جاء إليها.
فأي حياة عشتها أيها الزميل العزيز .. حياة عاصفة مليئة
بالنشاط الوطني .. وليس لها عزاء إلا السير في دربك والنسج
علي منوالك