يعتصر قلبي حزنا.. كلما التقيت بشباب في عمر الزهور..
يحلمون ويخططون ويسعون بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة..
للهجرة إلي أي بلد يتسع لأحلامهم، بعد أن ضاقت بهم الدنيا
في وطنهم!.
نلمحهم يتزاحمون علي أبواب السفارات الغربية في انتظار
تأشيرة دخول.. ونسمع ونقرأ عن عذاباتهم مع مكاتب التسفير
للخارج.. وهم دائما بين نارين.. نار الواقع اليومي الذي
يعيشونه.. ونار الاغتراب علي أرض مجهولة!.
فعندما نترك بلادنا اضطرارا.. ونحط متاعنا علي أرض أخري..
وننفض ثيابنا من الحقائب، لنعيد ترتيبها في المكان
الجديد.. ونخرج إلي الطرقات نتأمل الأشجار والمنازل
والمارة.. ونضبط أنفسنا للدوران في عجلة الحياة اليومية..
في تلك اللحظات يصبح علينا أن نكون مثلهم.. وألا نفكر
كثيرا فيما كان من أحوال الوطن.. وذكريات الأهل
والأصدقاء!.
ولكن.. هل نستطيع؟.
في تجربة الاغتراب.. تتعدد الحالات.. وتختلف من شخص إلي
آخر.
ففي أمسية قاهرية رائعة.. ضمت عددا من المثقفين وعشاق
السينما.. كانت المناسبة الاحتفال بعرض فيلم تسجيلي قصير
كتبه وأخرجه الفنان العربي «محمد مخلوف» الليبي الأصل
والذي عاش مغتربا في انجلترا لأكثر من ثلاثين عاما..
أوجزها في عدة دقائق لفيلم اختار له عنوان «القفص».. حيث
سجل بالصورة ملامح وحدته في الغربة ما بين الشوارع وعربات
المترو وجدران منزله الصغير بين أوراقه وكتبه وتأملاته
بالرسم، ولا يقطع صمت مشاهد الفيلم سوي صوت جهاز
التليفزيون والرسائل المسجلة علي جهاز «الآنسر ماشين» من
أصدقائه ومعارفه.. وكأن هذه الأصوات هي الحبل السري الوحيد
الذي يربطه بالعالم الذي يشتاق إليه.. وهو وحيد داخل قفص
الغربة!.
فيلم خاطف مليء بالشجن.. يهز المشاعر عن تجربة إنسان في
الغربة.. يمزقه الحنين واللهفة لصورة أو صوت أو رائحة أو
مذاق يذكره بالوطن!.
وتذكرت ليلتها.. فيلما لن أنساه بعنوان «النجاح أحسن
انتقام» أخرجه المخرج البولندي «جيرسي سكوليمونسكي» الذي
ترك بلاده - بولندا - مضطرا بعد أن منعت الرقابة البولندية
عرض فيلمه «ارفعوا أيديكم» - عام 67 - خرج بعدها غاضبا
متنقلا بين بلجيكا وإيطاليا وانجلترا التي استقر بها ليصنع
الأفلام كلما أمكنه ذلك.. يكتب السيناريوهات.. والشعر..
والقصص.. ويمثل أحيانا!.
وفيلمه «النجاح أحسن انتقام» يفجر من خلاله شحنة الحنين
إلي الوطن.. فيما يشبه السيرة الذاتية.
بل إن عائلته الصغيرة اشتركت كلها في تمثيل الفيلم.. زوجته
الممثلة البولندية السابقة وولداه مايكل (16 سنة) وجورج (9
سنوات) وكانت هي المرة الأولي التي يقفان فيها أمام
الكاميرا ليمثلا!.. وشاركت في الفيلم بدور قصير الممثلة
الفرنسية الشهيرة «آنوك أيميه».
وسيناريو الفيلم كتبه المخرج بالاشتراك مع ابنه «مايكل»..
ويفتخر الأب - المخرج جيرسي - بأن ابنه هو صاحب فكرة
الفيلم.. ويقول عنه «إنه يهوي الكتابة.. وفي ذات يوم وجدته
يقدم لي قصة عبارة عن مزيج من الفانتازيا والخيال العلمي..
فقلت له.. لماذا لا تكتب شيئا عما تعرفه بالفعل.. ذلك
سيكون أصدق.. وولدت علي يديه فكرة الفيلم».
ويستطرد المخرج معلقا: «أرجو ألا تفهموا الفيلم علي أنه
قصة حياتي.. إنني لا أنكر أن كثيرا من الأحداث والمواقف
عشتها بالفعل.. ولكن ما أردته من الفيلم أن يصور حياة فنان
يصطدم بآرائه مع ابنه في الغربة».
والفيلم يبدأ بذلك الاحتفال الرسمي الذي تقيمه وزارة
الثقافة الفرنسية لتسليم وسام الشرف إلي هذا المخرج
المسرحي البولندي «الذي يناضل من أجل حرية بلاده وهو بعيد
عنها».
وبين مظاهر هذا الاحتفال.. تتركز الكاميرا علي ابن ذلك
المخرج البولندي وهو يحاول إفساد وتعطيل الوصلات
الكهربائية التي تغذي أجهزة التصوير والتسجيل
التليفزيوني.. وتكون النتيجة ضياع الصوت!.
المخرج البولندي يلقي كلمته في انفعال: «لو أتيحت لي
الفرصة لأضربت مرة أخري احتجاجا علي الأحكام العسكرية».
ولكن صوته لا يظهر عبر شاشة التليفزيون.
ويبتسم الابن في سعادة وخبث.. فهو في داخله يرفض استمرار
غربة والده.. وغربتهم بالتالي!.
ويتضح لنا هذا مع توالي المشاهد.. لنكتشف أن هذا المخرج
المسرحي البولندي يعيش مهاجرا في لندن مع أسرته الصغيرة،
وأنه يستعد لإخراج مسرحية لتعرض علي المسرح الإنجليزي
ويخصص دخلها لمساعدة بولندا.
وهو مع حماسه وحبه للمسرح.. يواجه باعتراضات زوجته
البولندية: «إذا كنت تتصور أن هذا العرض المسرحي الذي
ستقدمه.. شئ مهم.. فأنت بالقطع مخطيء.. ونظام الحكم في
بولندا لن يرضيه هذا.. وتماديك في هذا الطريق سيجعلنا لن
نري بلدنا مرة أخري».
والزوجة لا تكف عن اعتراضاتها.. وهي تشعر بالتعاسة من هذه
الغربة.. ولا تستطيع التأقلم مع المجتمع الإنجليزي.. فقد
وصل بها الضيق إلي مداه.. وتشعر بالاختناق وتثور أعصابها
من كل ما يحيط بها.. فالبيت الذي يسكنون فيه غير صالح
للاستخدام.. الحوائط والأسقف هشة ومتآكلة.. والسيارة التي
يستخدمونها قديمة وكثيرة الأعطال.. ومن أبلغ مشاهد الفيلم
تلك المشاهد التي تصور تصادما في الطريق بين سيارة المخرج،
وسيارة مواطن إنجليزي.. ويخرج الإنجليزي من سيارته ثائرا
ليضرب المخرج المسرحي علي وجهه.. فتنتفض الزوجة وتنهال علي
الإنجليزي ضربا بحقيبتها حتي تسبب له جرحا في وجهه..
وينطلق مسرعا لينجو بنفسه.. لنكتشف أنه تقدم بشكوي ضدها..
وانتقلت الشكوي إلي المحكمة.. لنري فصلا ساخرا عن النظام
الإنجليزي.. مما يزيدها كراهية لهذا المجتمع الغريب عنها..
حتي أنها رفضت أن تتعلم اللغة الإنجليزية: «إنني أحب
بلدي.. ولغة بلدي.. وليست عندي أدني رغبة في تعلم
الإنجليزية».
ونفس الموقف من رفض الغربة، يتخذه الابن.. ولكن بأسلوب
مختلف تماما عن أمه.
فإذا كانت الأم لا تستطيع غير الشكوي.. فهو بحيويته وشبابه
والميل الطبيعي للمغامرة.. يستطيع أن يتخذ خطوة حاسمة.
عنده من الأسباب ما يجعله مقتنعا تماما بما يفعله.. فهو
غير قادر علي التلاؤم مع المجتمع الإنجليزي.. ويواجه في
المدرسة بعبارات التنديد من بعض زملائه التلاميذ من أنه
ليس إنجليزيا.. وإنما مجرد أجنبي أقل درجة.. وعندما يحتك
به أحد زملائه في المدرسة ويتعمد افتعال معركة معه، يجد أن
نظام المدرسة والمدرسين يقفون مع التلميذ الإنجليزي،
ويحاولون تبرئته علي حساب ذلك الأجنبي الوافد.
ويكتم ثورته وإحساسه بالمهانة.. ويهرع إلي منزله يكاد
يبكي.. ولكنه يتمالك بصعوبة.. ليفتش في أدراج مكتب والده
عن جوازات السفر الخاصة بهم.. وينزع صورة أمه من علي جواز
سفرها ليحتفظ بها لنفسه وهو يتمتم بحب «إنها أجمل صورة
لأمي»!.
ويأخذ جواز السفر الخاص به.. ويحمل الكاميرا السينمائية
التي اشتراها له والده منذ أيام قليلة هدية عيد ميلاده،
لطالما تمني هذه الكاميرا.. وفي سبيلها تعرض والده لموقف
سخيف مع مديرة المسرح الإنجليزي، وهو يطلب منها سلفة من
أجره.. وهي ترفض في جفاء وبرود.. واستمر يتوسل لها محاولا
إقناعها، حتي أنه لم يجد مفرا من أن يبوح لها أنه يحتاج
لهذه النقود لكي يشتري كاميرا هدية لابنه.. فما كان منها
ألا أن صرخت في وجهه بدهشة واستنكار.. ولكنه حصل علي
السلفة، واشتري الكاميرا لابنه، دون أن يذكر له كيف عاني
من أجل الحصول علي ثمنها.
وها هو الابن في غمرة الضيق.. يرضي بأن يبيع هذه الكاميرا
بنصف ثمنها لتاجر إنجليزي جشع.. ويقبض النقود ويسرع إلي
شركة الطيران البولندية يشتري تذكرة «ذهاب فقط» إلي وارسو.
لقد قرر أن يعود سريعا إلي وطنه، دون أن يخبر أحدا.. غير
فتاته الإنجليزية التي تعرف عليها في علاقة عابرة.
ومن أبرع مشاهد الفيلم سينمائيا.. تلك المشاهد التي تصور
رحيل الابن.. وشوارع لندن الخالية من المارة ليلا..
والأتوبيسات الإنجليزية الحمراء في تشكيلات استعراضية
بكشافاتها المضيئة.. وكأنه وداع بارد جاف لا ينبض فيه غير
قلب ذلك الابن الذي تنتابه مشاعر الفرح والخوف.
وعلي الجانب الآخر.. ووسط كل هذه الخيوط الاجتماعية
الممزقة.. يستمر الأب المخرج المسرحي في معاناته الصعبة من
أجل إنجاح العرض المسرحي الذي يريد أن يقدمه لصالح بولندا.
ويكشف الفيلم بذكاء وسخرية، تعقيدات الإدارة الإنجليزية
التي تتعامل مع الفن بأرقام صماء، لا تقبل أي تجاوزات،
وتتدخل في رؤية المخرج الفنية وتناقشه في كل التفاصيل
ابتداء من الديكور، إلي أعداد الممثلين الكومبارس.
في نفس الوقت الذي يعيش فيه المخرج مشاكل زملائه في العرض
المسرحي، نري مساعده البولندي الذي أرسل لزوجته في بولندا
ثمانية خطابات، ولم يتلق منها ردا.. فقرر الاعتكاف حزنا
ويأسا.
ولكن بالرغم من كل هذه الصعاب التي يواجهها المخرج - سواء
علي نطاق عائلته الصغيرة أو علي نطاق العمل - يستطيع أن
يحقق عرضا مسرحيا ناجحا، ويهتف المخرج بفرح وانتصار «يحيا
العالم».
ولكن هذا الفرح ينقطع فجأة عندما يتسلم رسالة من ابنه الذي
سافر فعلا إلي وطنه بولندا.. كتب فيها لأبيه «أنا ذاهب
للأشياء الحقيقية.. للشمس والهواء.. وأصدقائنا.. أنا ذاهب
إلي وارسو.. إلي منزلنا».
وينتهي الفيلم علي تعبيرات وجه الأب، وظل ابتسامة يتسلل في
راحة وطمأنينة.. وكأن الابن حقق ما لم يستطعه الأب!
وفكرة الفيلم تفيض بالحنين إلي الوطن.. وتعكس كل مشاعر
الحب الأصيلة، والتي ينبع منها القدرة علي الاستمرار
والعطاء.
فبعد كل هذه السنوات من الغربة.. يبقي دائما الإحساس بأنك
لا تعيش في بيتك الحقيقي.. بل في حالة انتظار دائم لكي
تعود، مهما حققت من نجاح في الغربة.
فالنجاح عمل إيجابي جميل.. ولكن الأجمل أن يكون نجاحك داخل
بلدك وبين ناسك وأهلك، فالنجاح كما يوحي عنوان هذا
الفيلم.. هو أحسن انتقام من الذين يزرعون العراقيل ويسدون
وجه الشمس!.