تعرض دور السينما حاليا ضمن حفلات تبدأ من 10 صباحا حتي 7
صباح اليوم التالي منذ سنوات: بدأ «الفكر الجديد بحفلة
منتصف الليل تطور الأمر إلي حفلة 30،2 بعد منتصف الليل،
وتحقق الإنجاز بحفلة 4 الفجر .. ومصر اليوم في عيد.
وبغض النظر عن أسئلة ساذجة من نوع: متي ينام الناس؟ ومن
ينتج؟ ومن يراقب؟ .. من يصحو إذن؟ فإن الأمر لا علاقة له
بإنتاج أو عرف أو قانون، والتطور حلو علي أي حال. مالنا
وشعوب تنام من المغرب كي تستيقظ مبكرا في لهاث متسارع:
زراعة وصناعة وتطوير، أبحاث وتصدير وخدمات، في سباق لتحقيق
الأفضل .. وكما تقول الإعلانات إياها: «فيه صابونة وفيه
صابونة»، و«القطنة ما بتكدبش».. اختلطت أمور كثيرة لدينا
.. كما تداخلت مبادئ أكثر..
لا أدري ما الذي ذكرني الآن بالمدارس ذات الفترتين: فترة
صباحية ، وفترة مسائية والتي وصلت في بعض الحالات إلي
فترات ثلاث .. كان ذلك قبل ظهور سينما «الميدنايت»
و«السوبر ميد نايت» أو «الهايبر سواريه» ما كله في حب مصر
.. كله إنتاج، ربما لأن د. عبد العزيز وهو صديق قديم،
نبهني إلي أن لدينا عاصمتين .. وليست عاصمة واحدة ذات
فترتين تيمنا بالمدارس المذكورة التي تدرس الأمية بكل
إخلاص .. والأمر يبدو صحيحا تماما .. فالقاهرة الأولي
«الصباحية» .. العاصمة القديمة أقصد . يقطنها نوع من البشر
أو يصلها للعمل بعد استيقاظ مبكر، من الفجر غالبا «حفلة 4
صباحا» يبدأ بعدها صراع متصل: ميا مقطوعة، رغيف عيش لا
آدمي ضمن إفطار هزيل، مواصلات خانقة ضمن تلوث قاتل، مجهود
مميت ضمن عمل ممل غير مجز، حر وتراب ودخان، قهر وإجهاد
وامتهان، كوب شاي أسود وسيجارة أكثر سوادا، ثم العودة بوجه
أصفر منهك بائس، وغذاء أكثر هزالا في جو من أسعار تلسع
الظهور والبطون، وفي محاولة للهروب من واقع مر أليم يجلس
المواطن الصباحي أو النهاري أمام إعلام مبهر أو «مقهر» يجر
جسده بعدها للسرير نائما في العاشرة مساءً وهنا .. تبدأ
الوردية الثانية .. حيث الاستعداد لحفلات السوبر.. عندها
يستيقظ أبناء القاهرة الليلية، العاصمة الثانية «بتاعة
القمة والنخبة والصفوة وربما الهفوة» يبدأ أصحاب العاصمة
الجديدة نشاطهم بأفخم الثياب المستوردة والبارفانات
«السينيه» متجهين إلي أماكن العمل: مطاعم الخمس نجوم،
نوادي الليل ذات السبع نجوم وربما كباريهات كل النجوم، مع
بعض اللقاءات الخاصة لزوم الإنتاج وطريق الصفقات
والعمولات، ويستمر التكييف وتطغي رائحة العطور علي كل ما
عداها، مع استمرار عبور النقود المصرية في اتجاه واحد "ONE
WAY من شوارع القاهرة الصباحية إلي طوابق المطاعم العائمة
أو النايل كروز، من عرق أجساد أهالي شبرا والدويقة والبحر
الأعظم إلي رابطات عنق السادة رواد المركز العالمي والفصول
الأربعة وما خفي كان أعظم.
يستمر كفاح النخبة الجديدة أصحاب القاهرة المستحدثة أو
المستنسخة طوال الليل.. وقد لا يخلو الأمر من ملل أحيانا
يتم التغلب عليه بوسائل أكثر حداثة أو استحداثا، والبدائل
كثيرة والدولارات أكثر، حيث إن الجنيه المصري هو عملة
قاهرة الصباح حاضنة ذوي الوجوه الصفراء، أبناء الفول
وأحفاد الطعمية..
يستمر النضال الليلي، تتخلله أطباق من هنا وهناك، وأكواب
من هناك فقط، وقد يصل ثمن الطبق إلي مرتب شهر ينتظره
القاهري النهاري بكل اللهفة طوال ثلاثين صباحا، وثمن الكوب
«ولا نقول الكأس» دخل أسرة تجاهد محاولة سداد أقساط
مؤجلة..
في قاهرة الصباح موظفون وعمال، زحام وضجيج وعرق وصراع،
وحرمان وألم وتلوث وخوف من الغد وقلق من المجهول، وفوق ذلك
مرض وجنون أسعار، وتحت ذلك طابور عيش و«رجول» وهياكل فراخ
.. مع أنيميا مزمنة وصارخة في قاهرة المساء رجال ما يسمي
بالأعمال أو «النوفو ريش» داخل سيارات ذات أرقام مختصرة
وعلامات مميزة، يتجهون بتباطؤ مرسوم لجهات مرسومة من أجل
هدف مرسوم «ألا يذكرك ذلك بالكونت دراكولا وأسطورة الرعب
من ضوء النهار؟» يستمر الكفاح الليلي كما لاحظنا .. عرض
فني أو عرض صفقة أو عرض الحائط بينما قاهري النهار تطارده
- حتي في منامه - كوابيس «فواتير» النور والمياه «حتي وهي
مقطوعة» والقمامة «حتي وإن لم ترفع من أكوامها».
وقرب الفجر أو ربما بعده .. تبدأ قاهرة المساء في
الاستعداد للنوم .. تمهيدا لقيام «المواطن» ذي البشرة
الحمراء، المشدودة حتي بعد السهر «اللامعة» حتي دون عرق،
لقيام قاهري الليل بتسليم أو إلقاء الراية لمواطن النهار،
تسليم ورادي .. مع اختلاف المعني والمضمون.
بما يذكرك بحفلات السينما المذكورة، أو بمدارس البسطاء ذات
الفترتين .. تبدأ القاهرة القديمة نشاطها المألوف مع كل
المجهود والضجيج والعرق والزحام والآهات والحرمان والصراع،
حتي تسلم المحصول أو المحصلة - بكل أمانة وإخلاص - لقاهرة
المساء .. وتستمر العروض .. حتي الصباح .. وحتي إشعار آخر.