الفقي لما يسعد.. يتعشي مرتين في ليلة واحدة.. وقد
فعلها أنس الفقي.. الذي تولي وزارتين في نفس العام.. بما
فتح - فيما يبدو - شهيته للمناصب.. وضاعف من شهوته للصعود
والترقي.. فراح يحاول توسيع النفوذ.. وخلق مساحات
الأهمية.. بتكوين «لوبي» من المستشارين والإعلاميين..
ينفخون في صورته.. ويخوضون معاركه.. ويوسعون الطريق
لمصالحه وطموحاته.
لم يدرك أنس الفقي في زحمة الاندفاع.. أنه بصدد خلق مركز
قوي جديد.. ينافس تلك المراكز التي جلبت الشقاء للبلاد..
وعندكم تمثال طلعت حماد.. مع ملاحظة أن التوقيت والمناخ
السياسي والظرف الموضوعي.. لا تسمح أبدا بظهور مراكز قوي
من جديد..!!.
المثير أن الفقي لم يسعد بالمناصب التي جاءت تسعي إليه..
دون مؤهلات من النوع المخصوص.. فراح يرمي شباكه نحو مناصب
إضافية.. والنتيجة أن التليفزيون تدهور كثيرا في عهد
الوزير الأصغر سنا في الحكومة المصرية.. مع أن التليفزيون
بالذات هو المجال الحقيقي لوزير الإعلام.. الذي لا يملك
نفوذا علي الصحافة المكتوبة.. ونفوذه الحقيقي داخل ماسبيرو
الذي تدهور علي يديه..!!.
والله العظيم إننا مع الشباب.. ندافع عنهم ونتحمس لهم..
بشرط أن يملك الشاب الجرأة والضمير الصاحي.. وأن يتسلح
بالشطارة والاجتهاد.. لا بالفهلوة والمزايدات.. إن الشباب
هم الأقدر علي إصلاح الحال المائل.. بضخ الدماء الطازجة في
عروق الوطن.. التي شاخت وأصابها الركود والشلل.. بفضل تربع
العواجيز علي مواقع القيادة والتحكم.. وقد تجاوز بعضهم
السن الافتراضية.. مع أن الأصول تستوجب أن يتسلم الجيل
الصاعد الشعلة والراية من الجيل السابق.. بحيث يتضافر
السابق واللاحق.. لقيادة السفينة.. فيعطي الأكبر سنا..
الخبرة والتجربة لمن هم في مرحلة الشباب.
من هنا كانت سعادتي بوزارة أحمد نظيف.. علي اعتبار أنه
ينتمي - نسبيا - لجيل الشباب.. وعلي أساس أن وزارته ضمت
مجموعة من صغار السن.. وهو ما يعد ثورة في أفكار ومفاهيم
الحكم.. بما ينبيء بولادة جيل شاب من الوزراء.. يملك
الجرأة والقدرة علي العطاء.. جيل لديه الإحساس بالهم
العام.. جيل يحمل بذور الرفض والتمرد.. عكس الجيل القديم
الذي أصيب بالترهل والجمود والزهق وغياب الحافز وضعف
التركيز.. جيل شعاره «يبقي الحال علي ما هو عليه.. وعلي
المتضرر أن يضرب رأسه في الحيط»..!!.
التليفزيون.. لو جاز التعبير.. هو مملكة وزير الإعلام..
الذي لا يملك أن يحذف مقالا.. أو يوقف كاتبا.. أو يفرض
وجهة نظر.. وصلاحياته مع الصحف اليومية والأسبوعية..
صلاحيات شكلية.. ونفوذه من باب العشم.. ومقياس نجاح وزير
الإعلام.. هو في قدرته علي ضبط إيقاع التليفزيون.. الذي
يدخل كل بيت.. ويساهم في تكوين الرأي العام.. وتشكيل
الوجدان الشعبي!!.
من حسن حظ أنس الفقي.. أنه تولي شئون ماسبيرو إبان اشتعال
معركة الرئاسة.. وما صاحبها من جدل وصخب شعبي حول تعديل
مواد الدستور.. وأسلوب انتخاب الرئيس.. فلمع أنس الفقي
تماما.. لمع لأن المعركة كانت ساخنة وجديدة وغير مسبوقة..
وكان الفقي بحكم موقعه الوظيفي في بؤرة الحدث.. وقد اقترب
كثيرا من مواقع صنع القرار.. بما أفقده التوازن والتركيز..
فصور لمن حوله أنه المسئول الأوحد عن إدارة معركة
التجديد.. وأنه القائد الأعلي للجنة السياسات في الشارع
المصري..!!.
انتخابات الرئاسة مضت ولن تعود قبل ست سنوات.. ذهبت السكرة
وجاءت الفكرة.. راحت معركة التجديد لرئيس الجمهورية.. وبدأ
الشغل الإعلامي الحقيقي.. فإذا بنا نكتشف أن حضرة الوزير
ليس علي المستوي التليفزيوني.. وقد أسلم ذقنه لشركات
الإعلان تقدم ما يحلو لها.. وتفعل ما تريد.. مع أن
التليفزيون ليس جهازا للتسلية.. وليس حصالة فلوس..
التليفزيون وسيلة عبقرية لخلق رأي عام يشارك في صنع
الوطن.. لا أن يتفرج عليه من تحت اللحاف.. وإذا كانت
الحكومة عاجزة عن تسويق نفسها للرأي العام.. فهذا دور
التليفزيون الحقيقي.. الإعلام والتثقيف والتسلية وتشكيل
وجدان الناس.. وهو ما لم يدركه الوزير.. الذي تعامل مع
الخبرات التليفزيونية الإعلامية من طرف مناخيره.. ثم
استعان بأهل الثقة من خارج ماسبيرو.. لإدارة الجهاز
الإعلامي الخطير..!!.
رمضان بالذات.. شهر العائلة للالتفاف حول التليفزيون.. أو
كما يطلقون عليه «موسم ذروة المشاهدة».. وتليفزيون الفقي
فشل بصورة غير مسبوقة.. وقد فرق شمل العائلات.. ورفع أسعار
بيع «الدش».. وحول أجهزة الريموت كنترول إلي الفضائيات
السعودية واللبنانية ودبي وأبوظبي!!.
وعندما تفشل في إدارة محل عصير قصب.. لضعف الخبرة.. فأنت
تطرد العاملين.. وتستعين بالمعارف والأصدقاء وأهل الثقة..
لإدارة المحل والتعاقد مع عمال جدد..!!.
في ماسبيرو أنت لا تستطيع.. فتحتفظ بالإدارة القديمة..
تجمدها وتصرف مرتبها وحوافزها.. ثم تستعين بأهل الخارج
الذين تستطيع التعامل معهم.. وهذا أسلوب غير اقتصادي في
التعامل مع الأمور.. ومن غير الممكن أبدا أن تجمد معظم
القيادات.. وتستبعد الوجوه القديمة.. بحجة أن في يدك كارت
«بلانش» من فوق.. ثم تفشل بعد ذلك كله في الإدارة..
فتستعين بالكوادر من الخارج.. بالمعارف وأصحاب الحظوة وأهل
الثقة.. يتولون المواقع القيادية.. ثم تعتاد المسألة..
مسألة تجميد الوجوه الحاضرة.. والاستعانة بوجوه مستوردة..
والإدارة بالمعارف وأهل الثقة.. وبدلا من تدريب المذيعين
والمذيعات.. وحسن اختيار الجدد طبقا للأكفأ والأصلح.. أنت
الآن تستبعد جميع الموجود.. وتستخدم مذيعين ومذيعات وارد
تليفزيونات بلاد برة.. أنت تستبعد أبناء الجهاز من أصحاب
الخبرة والقبول لدي المشاهد.. فتتخلص من ياسمين وأخوتها..
لتستعين بنيرفانا وشلتها..!!.
ثم ما نسمع عنه من أجور للمذيعين والمذيعات وارد الخارج..
مليون جنيه في الموسم.. شيء يفوق العقل والتصور.. وكأنه
مال سائب.. في غياب أساليب الاختيار العاقلة.. ومن أوحي لك
مثلا أن نيرفانا تحظي بالقبول.. أو أن حسين الإمام يصلح
لما يقوم به.. ثم أنه من العيب كل العيب وأنت صاحب السبق
والريادة.. أن تقلد تليفزيون أوربت.. أو أن تقتبس من
تليفزيون بيروت.. أو أن تلطش من تليفزيون قطر وأبوظبي..!!.
والله العظيم أننا لا نتصيد الأخطاء.. ولا نبحث عن
السلبيات.. وقد فشل حضره الوزير الشاب.. الذي هو الأصغر
بين وزراء الحكومة.. فشل في إدارة ماسبيرو.. وهبط بسقف
الحرية إلي حدود دنيا.. عكس ما يصرح به علي طول الخط.. وقد
استبعد بفرمان لا مثيل له جميع المذيعين والمذيعات من
برامج الذروة.. واستبدلهم بمذيعين من الخارج.. يسهل
التعامل معهم.. والخيبة أنه يدفع لهم بالهبل.. في حين أن
يده مغلولة حين يتعامل مع أبناء الجهاز!!.
أقول قولي هذا.. دون التحدث عن المسلسلات والتمثيليات..
التي أصيبت بالنكسة الدرامية.. فلم يعد لها وجود علي خريطة
المشاهدة العائلية.. وحتي مسلسلات النجوم التي كانت تحظي
بالقبول.. مثل الفخراني وسميرة أحمد.. أصيبت بداء الكآبة
والمط والتطويل.. ولا نعرف هل هي قلة الخبرة.. أم أن بركات
الوزير حلت علينا.. فأفقدتنا الإحساس التليفزيوني بالشهر
الكريم؟!