لقد أفاض القرآن الكريم بحرية غير مسبوقة، حيث تبين من
الآيات القرآنية خاصة في سورة الفرقان التي تفرق بين الحق
والباطل مزاعم كل الذين يعتقدون أن الإسلام لا يدعو إلي
الحرية بمسماها الحديث «الديمقراطية»، ولكن الإسلام بما
قدم له القرآن، حمل الحرية علي كلمات واضحة مشرقة مثل
الشمس المتألقة، وقد بين القرآن مزاعم الذين يتطاولون علي
نبي الدعوة وسجل ما كانوا يتقولون به من سباب ومن أكاذيب
لا يتحملها قادة هذا العصر ويرفضون أي سباب شخصي يوجه لملك
أو لرئيس، بينما وجه سباب للرسول في أثناء الدعوة وكان
بإمكانه أن يمحوا كل سباب شخصي من آيات القرآن الكريم الذي
يُتعبد به، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُدع إلي
رفع كل آيات السباب من القرآن وذلك للتأكيد علي الحرية
التامة والكاملة التي لا يمكن أن يتصف بها مجتمع من
المجتمعات حتي يوم القيامة.
وجاء ذلك علي البيان الرائع الذي قدمته سورة الفرقان
حيثنما تحدثت عن إجابات تختص بالتوضيح عما يثار من أسئلة
حول ماهية الله الذي يُعبد في السماوات والأرض، ففي مطلع
سورة الفرقان ج اء ذلك واضحا بإجابات شافية ومباشرة تقول
لكل السائلين من هو الله.. وتحدث القرآن قائلا «تبارك الذي
نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا» ثم بدأ يتحدث
عن الله وقال «الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا
ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا،
واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا
يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا
نشورا».
وأمام ذلك الوضوح التام عجز المشركون والكافرون عن الرد
بإجابات واضحة تفنّد أقوال القرآن لتبين ما هو صواب وما هو
خطأ ولكنهم لم يكونوا من هذه المدرسة، فبدلا من أن يوضحوا
إجابات بعينها في مقابل ما أعلنه القرآن من آيات تشير إلي
الله - سبحانه وتعالي - تراهم يتجهون إلي وجهة خاطئة أخذ
منها بعض من الكتاب الذين ينشرون مقالاتهم في الصحافة،
حينما تكون إجاباتهم تعتمد علي التشهير والسباب دون الرد
الموضوعي.
فماذا قال الذين كفروا.. يقول القرآن الكريم «وقال الذين
كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد
جاءوا ظلما وزورا، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي
عليه بكرة وأصيلا، قد أنزله الذي يعلم السر في السماوات
والأرض إنه كان غفورا رحيما، وقوالوا مال هذا الرسول يأكل
الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه
نذيرا، أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال
الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا، انظر كيف ضربوا لك
الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا» (سورة الفرقان آيات من
4 - 9).
وهكذا تحملت آيات القرآن مثل هذا السباب علي قسوته في كثير
من المواقع القرآنية، وتبين من ذلك أن المفلس ليس لديه
حجة، فبدلا من إمكانية الجدال السليم، استعان الذين خلوا
من المنطق بالصياح والسباب، وتلك طبيعة الجهلاء الذين لا
يملكون الحجج والبراهين التي تدعم أقوالهم وتبين صدق ما
يعتقدونه من خلاف حول الإسلام والقرآن والرسول.
وليت هذه المعاني ترقي لتصل إلي مفاهيم قادة العالم خاصة
الرئيس الأمريكي وغيره من رؤساء أوروبا الذين ينظرون إلي
مجتمعنا وتراثنا بنظرة خاطئة ولا يعتقدون أن الإسلام هو
منبع الحرية الصافية وأن الرسول عليه السلام رضع حرية أكثر
مما رضع من ثدي مرضعته حليمة السعدية.
وليعلموا أن الله أوحي إليه بضرورة الشوري، فكانت الشوري
في كل ما قدمه الإسلام وما أتي به القرآن ويؤ:د هذا المعني
قول الآيات القرآنية الكثيرة والتي منها «فبما رحمة من
الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف
عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر».. (سورة آل عمران آية
159) وهكذا نضع أيادينا علي حرية الرأي والشوري وضرورة
توخي الرحمة في المعاملة التي تتصف باللين والحكمة وتلك هي
الإجابات الشافية للتساؤلات الأمريكية والأوروبية حول
المفاهيم الدينية التي يعتنقها المسلمون ويعملون بها.