هل هناك علاقة بين محلات الكشري وسينما الدرجة
(التالتة) المعروفة بـ «الترسو»؟ سؤال قد يبدو غريبا، لكن
الواقع يؤكد وجود علاقة، فجميع سينمات الدرجة التالتة
المنتشرة داخل القاهرة وضواحيها يوجد بجوارها محال لبيع
الكشري، وفي استعراض تنقصه الدقة نكتشف صحة ما ذهبنا إليه،
فسينما مرمر وسمارة بالدقي، والكورسال (علي بابا) ورويال
(فؤاد) ببولاق أبو العلا، ووهبي بالقلعة، والزتون
بالزيتون، وفيكتوريا بشارع الجمهورية، والحلمية بالحلمية،
ودوللي بشبرا، وسهير بالعباسية، والشرق بالسيدة زينب،
وأوليمبيا بالعتبة، والفنتازيو بميدان الجيزة، ومصر بشارع
الجيش، وميراندا بالروضة التي تحولت بعد ذلك إلي فاتن
حمامة ، والكابريتاج بحلوان والتي تحولت إلي ماجدة، وبيجال
وليدو وكوزموس بشارع عماد الدين قبل أن تتحول إلي درجة
أولي يوجد بجوارها محال لبيع الكشري0
وجميع هذه السينمات كانت تعرض ثلاثة أفلام في الحفلة
الواحدة (فيلمين عربي وواحد اجنبي)، ونادرا ما يخلو عرض من
أفلام فريد شوقي، والذي لقب بملك الترسو، وكانت تستغرق مدة
العرض فترة زمنية كبيرة تخوي ما في البطون من طعام، ولأن
روادها كانوا من أبناء الأحياء الشعبية، فقد كانت جيوبهم
خاوية، فهم بالكاد جمعوا ثمن التذكرة التي لم تتعد ثلاثة
قروش ونصف القرش، هذا في حالة الجلوس بالترسو، أما الصالة
فثمن التذكرة ستة قروش ونصف القرش، والبلكون اثني عشر
قرشا، وهاتان الفئتان لم يقترب منهما إلا في الأعياد
لتعويض الحرمان، وللشعور بالزهو ولو مرة في العام0
ورغم المتعة الكبيرة التي كانت تنتاب المريدين أثناء
مشاهدة الأفلام؛ وهم غالبا في أعمار مبكرة تتراوح ما بين
العاشرة والخامسة عشرة لما تحققه من حرية في تدخين السجائر
واقتسامها مع الصحبة من أبناء الحي بعيدا عن رقابة الأهل
وعيونهم، إلا أن الجوع كان يعكر صفو هذه المتعة، فيبدأ في
زحفه بعد الفيلم الأول، حيث يسيل لعابهم حول طبق كشري من
ذلك المحل الذي يجاور السينما، لذلك ظل الكشري مطمحا
إنسانيا بعيد المنال نظرا لضيق ذات اليد، لكن مع مرور
السنوات يتبدل الحال، وتغدق الدنيا علي الحالمين بقليل من
القروش تجعلهم يذهبون إلي سينمات وسط البلد (الدرجة
الأولي)، ورغم استطاعتهم ماديا تناول أي شيء من الطعام من
تلك المحال المنتشرة، إلا أنهم لا يرضون بديلا عن التهام
أطباق من الكشري دون التعويل علي ثمنها ليس تعويضا عن
الحرمان، إنما رغبة في اجترار هذا الزمن الجميل، ولكن
هيهات!!