الاختلاف بين الناس في شئون دينهم أو دنياهم أمر قديم،
وسيبقي قائماً إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ونريد هنا أن نقول: إن شرعية الإسلام ، قد ساقت من
المبادئ، والآداب العالية والهدايات الرفيعة، ما ينظم هذه
الخلافات، والمحاورات، والمناظرات، التي تحدث بين الناس،
وما يجعلها تدور في إطار من المنطق السليم، والفكر القويم
والجدال بالتي هي أحسن، وما يجعل هدفها الوصول إلي الحق
والخير ومنفعة الناس في حدود ما أحله الله - تعالي - لهم.
ومن هذه المبادئ والآداب التي جاءت بها شريعة الإسلام،
لضبط المجادلات والمناقشات التي تدور بين الناس:
1- التزام الصدق:
وذلك بأن يكون الحوار بينهم قائماً علي الصدق وتحري
الحقيقة، بعيداً عن الكذب والسفسطة والأوهام...
ولقد ساق القرآن الكريم ألواناً من المحاورات التي دارت
بين الرسل وأقوامهم، وبين المصلحين والمفسدين، وعندما
تتدبرها تري الأخيار فيها لا ينطقون إلا بالصدق الذي يدمغ
الأكاذيب، وبالحق الذي يزهق الباطل...
اقرأ الآيات من 42 إلي 54 من سورة طه لتتعرف علي الحوار
الذي دار بين سيدنا موسي - عليه السلام - وفرعون.
وفي سورة الشعراء نري محاورة تدور بين موسي - عليه السلام
- وفرعون بأسلوب نجد فيه صدق موسي - عليه السلام - وشجاعته
وفطنته.
وقد انتهت المحاورة بين موسي وفرعون، بانتصار الحق علي
الباطل، والصدق علي الكذب، والخير علي الشر، والعدل علي
الظلم، والصراحة والوضوح علي الالتواء والخداع، والشجاعة
الحكيمة علي الجبن الغبي..
والذي يهمنا إبرازه في هذه المحاورة؛ أنك تقرأ ما رد به
موسي - عليه السلام - علي فرعون فلا تري فيه إلا الصدق
الذي لا يحوم حوله كذب، وهذا الصدق إنما هو وليد نفس
طاهرة، نقية من الغل والحسد، وصادر من قلب سليم لا يعرف
الغش أو الخداع، ونابع من عقل راجح استطاع بعون الله -
تعالي - وتأييده أن يكشف بفطنة وذكاء وحكمة، عن باطل فرعون
وغروره وصلفه ومزاعمه الكاذبة.
إن الحوار البناء الذي يقصد به الوصول إلي الحق والعدل
ومكارم الأخلاق، هو الذي يكون لحمته وسداه الصدق في القول،
والعفاف في السلوك..
أما الكذابون والجهلاء والسفهاء وأصحاب الهوي والمصالح
الخاصة، والذين امتلأت قلوبهم بالحقد والجبن والغرور...
فهم الذين يجادلون غيرهم بالباطل، ويكابرون بدون حجة أو
دليل، ولا يقيمون دعاواهم إلا علي الكذب والغرور، والبهتان
والزور ... ونعوذ بالله - تعالي - من ذلك.
2- التزام الموضوعية:
كذلك من الآداب التي جاءت بها شريعة الإسلام، لتنظيم
الخلافات والمحاورات بين الناس، حتي تتضح الحقيقة، ويتوصل
المتحاورون إلي النتيجة المرضية: التزام الموضوعية؛ ونعني
بها عدم الخروج عن الموضوع الذي هو محل النزاع أو الخلاف،
فإن آفة كثير من الناس أنهم إذا ناقشوا غيرهم في موضوع
معين، تعمدوا أن يسلكوا ما يسمي في هذه الأيام بخلط
الأوراق، بحيث لا يدري العقلاء في أي شيء هم مختلفون مع
غيرهم، وتتوه الحقيقة في خضم هذه الفروع التي لا تكاد تعرف
لها أصلاً. إنك تقرأ القرآن الكريم، فتري كثيراً من
المجادلات والمحاورات والخلافات التي دارت بين الرسل -
عليهم الصلاة والسلام - وبين أقوامهم، وتري أن الرسل -
عليهم الصلاة والسلام - كان جوابهم علي مخالفيهم منتزعاً
من أقوال هؤلاء المخالفين، دون أي خروج عن موضوع النزاع...
والعقلاء دائماً عندما تتضح لهم الحجة، ويظهر لهم البرهان،
ويرون الدليل الساطع علي صحة المسألة.. يقتنعون بذلك،
ويعترفون بالحق، أما السفهاء والجهلاء والمغرورون، فإنهم
يصرون علي باطلهم، ويجحدون الحق علي علم به، لسوء نواياهم،
وضعف عقولهم، وانغلاق وفساد بصائرهم.