يبرز رأس الطائفية البغيض بين الحين والآخر فتتعامل
معه السلطة السياسية والمثقفون التابعون لها والمؤسسات
الدينية الرسمية الإسلامية منها والمسيحية بنفس الطريقة
المعهودة من ظهور إعلامي لبعض القيادات الدينية تؤكد
الوحدة الوطنية وأن المسلمين والمسيحيين في حالة حب شديد
اللهم إلا تلك القلة المخربة أو المتطرفة ومن مقالات هنا
وهناك ولقاءات تليفزيونية تحذر من الفتنة وتعطي نفس
الأمثلة علي التسامح الديني. وسرعان ما تعود الأمور للنمط
السابق للحدث وينسي الناس ما حصل مما يعطي الإيحاء بأن مصر
بخير وليس هناك أي مشكلة. ورغم النجاح الصوري والمؤقت لهذا
الأسلوب الذي يتجنب التناول الجاد والصريح والمستمر فإنه
في الحقيقة أسلوب ثبت فشله بدليل أنه سرعان ما يتكرر حدث
طائفي مماثل في مكان آخر وبشكل مختلف ويتكرر معه نفس أسلوب
المعالجة السطحية وبنفس الألفاظ وأحيانا نفس الأشخاص مما
يشكل استخفافا شديدا بالعقول. إن هذا الأسلوب نفسه أصبح
عاملا إضافيا لمزيد من الاحتقان الطائفي لأنه ورغم هدوء ما
بعد العاصفة فإن الأمور لا تعود إلي أوضاعها السابقة تماما
أي أن هناك تراكما للتوتر وهنا مكمن الخطر. إن هناك
احتمالا متزايدا نتيجة لهذا التراكم أن تخرج الأمور عن
مسارها المعتاد وتنفجر الأوضاع بشكل مفاجئ يصعب التحكم
فيه. ومما يضاعف هذا الاحتمال أجواء الاستفزازات
اللامسئولة أيا كان مصدرها والأجواء الدولية والإقليمية
المتربصة والأوضاع الاجتماعية والسياسية المتفاقمة حاليا.
وعلاوة علي ذلك فإن المناخ السائد "العادي" فاسد لا يصلح
لتربية نشء نفسيا واجتماعيا ووطنيا في إطار العلاقات غير
البناءة المصاحبة لهذا المناخ مما يشكل عقبة حقيقية أمام
نهضة أو تقدم ملموس وشامل.
إذا لا بد أن نحدد الجهات المسئولة عن هذا الاحتقان
الطائفي ومن ثم أن نتناول بجدية وموضوعية كيفية معالجة هذا
الخطر الكامن بطريقة جذرية وليس عن طريق المسكنات أو
الاستقواء بقوي خارجية . يأخذ هذا الأمر بعدا إضافيا إذا
ما رأينا أن بعض أسباب الاحتقان الطائفي هي نفسها أسباب
لظواهر أخري سلبية لا تقل خطورة مثل السلبية السياسية
وعزوف المواطنين، أقباطا ومسلمين عن المشاركة السياسية بل
وفساد المناخ السياسي عموما.
إن المسئولية الكبري تقع علي عاتق السلطة السياسية في
العقود الثلاثة الماضية عندما أصبح الدين وسيلة أساسية
للتوظيف السياسي الانتهازي وأداة لحجب وإبعاد النظر عن
انحراف السلطة في المجالات المختلفة الوطنية والاجتماعية
والاقتصادية. إن استخدام السلطة للجماعات التي ترفع
الشعارات الإسلامية في الجامعات المصرية لقمع التيارات
الوطنية المهمومة بتحرير سيناء والمعارضة لنهج كامب دافيد
و"للتطبيع" مع العدو الصهيوني وتمكين التيار "الإسلامي" من
ملء الفراغ السياسي بالجامعات وفي نفس الوقت التحكم فيه
أمنيا يعبر عن مدي عدم مسئولية السلطة التي جعلت هدف
بقائها وهيمنتها شغلها الأول ويكاد يكون الأخير. وفي ظل
الهيمنة البوليسية علي الجامعات والأحزاب فإن السياسة
الفعلية للسلطة كانت ومازالت، تفريغ عقول الشباب من أي
ثقافة جادة بما في ذلك الثقافة الدينية ذاتها، ومنعهم
أمنيا من المشاركة السياسية والاهتمام بأمور وطنهم
والانتماء للمجتمع. لقد نجحت السلطة وأحيانا هنأت نفسها
بهذا النجاح في إجهاض أي نواة للعمل الوطني وارتاحت لهيمنة
التيارات المعادية للفكر الحر والثقافة والحوار طالما أن
هذه التيارات تقع تحت قبضتها. وكانت النتيجة تكريس
الانغلاق والجمود والدوجماتية وإلغاء العقل والتفكير
المستقل والانصياع تحت شعار الامتثال والطاعة لقيادات
معادية للمعرفة وغارقة في العداء لمن يخالفهم من المسلمين.
أما الأقباط فأصبحوا الخصم الماثل أمامهم وأصبح بالجامعات
المصرية واقعيا فئتان منفصلتان غير متفاعلتين في الوقت
الذي كثر فيه الحديث عن قبول الآخر الصهيوني والمهيمن
الغربي! ولعله من الضروري أن نسترجع بعض الممارسات
والبيانات الطائفية التي انتشرت في الجامعات والشعارات
المعادية للديمقراطية التي اعتبرها البعض كفرا والشعارات
التي اعتبرت قمما ثقافية مثل طه حسين وقاسم أمين كفارا كل
هذا تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية المهيمن الفعلي علي
الجامعات . لقد نجحت هذه التيارات أيضا في صرف الأنظار عن
القضايا الملحة ولعل هذه هي مهمتها الأساسية من قبل القوي
التي توظفها فرفعت شعارات "وا أفغانستان" إبان الغزو
الصهيوني للبنان وغابت قضايا مثل كامب دافيد و التطبيع مع
العدو الصهيوني.
إن المسئول الأول والأساسي لكنه ليس الوحيد هو السلطة
السياسية التي برعت في إشاعة مناخ الخوف والقهر والتي خربت
المناخ السياسي وفرضت ديمقراطية زائفة كاذبة قوامها أحزاب
مشلولة أو تابعة ونقابات مهنية وعمالية يقع غالبها تحت
قبضة الأمن أو تحت سيطرة من يستغلها حزبيا بنفس المنهج
الفاسد للسلطة.
لماذا إذن الدهشة عندما نري الحصيلة النهائية لهذا العبث
والاستهتار بمصير الأمة؟ إنه لمن الطبيعي أن نجد الآلاف من
العقول المفرغة من المعرفة العلمية ومن الانتماء الوطني
جاهزة ومستعدة للطائفية المدمرة بل لما هو أبعد من ذلك.
إذن قضية الطائفية مثل قضايا مهمة أخري مرتبط بشكل وثيق
بتراجع وطني ومعرفي وثقافي ومرتبط أيضا بانحسار دور الدولة
الاجتماعي الذي تفرضه مؤسسات الرأسمالية العالمية. إن غياب
العمل السياسي الشعبي نتيجة للقمع البوليسي والقيود
المتعددة التي تفرضها السلطة، وتقلص دور الدولة الاجتماعي
إزاء حقوق المواطنة، أدي إلي تعاظم دور المؤسسات الدينية
الإسلامية والقبطية علي حساب المؤسسات السياسية واختلط
بشكل غير إيجابي ما هو سياسي بما هوديني بما فيه ضرر علي
الاثنين معا. ومما يزيد من خطورة الأوضاع هو فتح الباب علي
مصراعيه لمزيد من التدخل الأجنبي لاستغلال واستثمار هذا
المناخ لمصالح الهيمنة الأمريكية والتي تتناقض تماما مع
السلم الاجتماعي و بقية مصالحنا الوطنية.
إن بداية العلاج بعد التشخيص الصحيح للمشكلة هو تحديد
الوسائل الضرورية في المرحلة الآنية والمتوسطة والأبعد
مدي. ومن المهم جدا أن تنبثق هذه الوسائل من أسس عامة تجمع
المهتمين بمعالجة جذرية والتي يمكن تلخيص بعضها في الآتي:
لا بد من التأكيد علي وجود مشكلة طائفية من الضروري علاجها
وأن التغاضي عنها أو إهمالها أو إنكارها أو معالجتها بشكل
سطحي هو من قبل تعريض الوطن للخطر واللامسئولية وعليه لا
بد من مناقشة واسعة ومستمرة وجادة لأبعادها المختلفة تؤدي
إلي خطوات في طريق حلول حقيقية ، أن نعتمد مبدأ المواطنة
وأن نؤكد ضرورة ممارسته وتعميقه في وجدان المواطن ، اعتبار
مشكلة الطائفية مشكلة المواطن المصري المسلم والقبطي
والتأكيد علي أن اهتمام أي قبطي بالمسألة الطائفية وحدها
وفي معزل عن مشاكل المجتمع الأخري يصب في منهج متناقض مع
المواطنة ، أن يكون مبدأ المواطنة أحد المقاييس المهمة
التي تحاسب علي أساسه الدولة ومؤسساتها بالنسبة إلي مدي
حرصها علي السلم الاجتماعي فبالرغم من نبذ مفهوم التوزيع
النسبي في الوظائف فإنه ليس من المعقول خلو الأقباط من
مناصب شرائح مهمة في المجتمع أو حرمان أي قبطي من وظيفة
يستحقها بجدارة، تجريم التمييز الطائفي في مؤسسات الدولة
وفي المجتمع لتناقضه مع الدستور ، اعتبار أي استفزاز طائفي
عمل غير وطني يحاسب مرتكبوه عليه قانونيا، اعتبار أي
استقواء بالخارج وتشجيع التدخل الأجنبي في أي مجال عملا
ضارا بالوطن وأن مواجهة الممارسات المستبدة للسلطة رغم
صعوبته هو شأن داخلي ، تبني مبدأ المعالجة الشاملة
والجذرية ، التقوقع الديني والسلبية لا يحل المشكلة بل
يؤجلها ويزيدها عمقا، الدور الحاسم للثقافة والإعلام يضع
مسئولية كبري علي المثقفين ووسائل الإعلام.
في النهاية أدعو إلي احتواء الأزمة الحالية بسرعة وهذا
يتطلب كثيرا من الحكمة والمرونة وسعة الصدر علي ألا يكون
ذلك بديلا عن المعالجة الجذرية و التي يقع في قلبها تعميق
ثقافة المواطنة والتمسك برفع القيود التي تكبل الحريات
السياسية والمشاركة الشعبية البناءة. ولنعمل معا علي خلق
مناخ صحي أساسه علاقات جيدة بين أبناء وبنات الأمة.
نائب رئيس جمعية أنصار حقوق الإنسان بالأسكندرية