أعرف أنماطا من الدعاية الإخوانية، وتابعت علي مدي عقود
أساليبهم الإعلامية، لكنني لم أكن أتوقع أن يصلوا
بدعاياتهم الانتخابية إلي المدي الذي طالعته في كتاب تضمن
دعاية انتخابية لأحد مرشحي الإخوان.
الكاتب: د. أمير محمد بسام النجار مرشح الإخوان في دائرة
بلبيس.
الكتاب: إحذروا المحاربين الجدد للإسلام.. أحفاد قارون.
والكتاب (88 صفحة) والذي يوزع مجانا وبكميات هائلة يتقدم
متسترا بآيات كريمة وأحاديث شريفة بعد أن يدس فيها سموما
مخيفة.
فالسيد المؤلف الإخواني يدافع عن جماعة طالبان (ص8) بل هو
يعتبر أن كل من يتحدث عن الإرهاب محارب للإسلام فيقول «كل
دعاة الإسلام إرهابيون في نظرهم» ويقول «اجتمع منذ عدة
سنوات وزراء الداخلية العرب واتفقوا فيما بينهم علي محاور
في الإعلام لمحاربة الإرهاب والتطرف، وإن شئت فقل محاربة
الإسلام» (ص8).
إن المسلسلات التليفزيونية يستخدمها الإعلاميون «لصرف
الناس عن دينهم» مؤكدا أن ذلك كله «إلهام من الشيطان»
(ص9).
ثم يتفضل السيد المرشح الإخواني بهجوم حاد وعنيف علي
السلطة الفلسطينية في غزة ويتهمها بأنها تضع «المجاهدين»
في السجون فيتلاقي في هجومه العنيف والحاد علي هذه السلطة
مع شارون والحركة الصهيونية.. (ص16).. أليس هذا مثيرا
للدهشة؟.
ثم يواصل المؤلف هجومه علي الثورة الليبية والسعودية وتونس
ويتهمها قائلا «إنها تمارس سلوكا إجراميا جديرا بأهل الظلم
والفُجر» (ص17).
وهو لا يتورع عن الدفاع عن شركات توظيف الأموال التي نهبت
المليارات من أموال المصريين ويقول إن الحكومة «ضربت شركات
توظيف الأموال لأن غالبيتها ذات اتجاه إسلامي وحتي لا تقوم
بشراء القطاع العام حينما يتم بيعه ويدخل بدلا منه رأس مال
اليهود والصليبيين» (ص21).
ثم نأتي إلي الانحدار الكامل.. فهو يهاجم ثورة يوليو هجوما
شديدا مستخدما ألفاظا واتهامات غير مقبولة وغير عاقلة
ونقرأ «وحينما جاء عبدالناصر إلي مصر أول ما تفتقت به
قريحته هو ومن معه وضع أعداء الثورة - الذين هم أهل الحق -
في السجون» (ص17).. وينسي سيادته أن أعداء ثورة يوليو لم
يكونوا جميعا من «أهل الحق» بل كان فيهم إقطاعيون وعملاء
للاستعمار ورجال القصر الملكي فهل هؤلاء أيضا من أهل الحق؟
صحيح أن لثورة يوليو أخطاء وتجاوزات ضد خصومها السياسيين
لكن ذلك كله لا يعني أن كل خصومها من «أهل الحق».
ثم هو يتحدث عن وفاة عبدالناصر، قائلا إنه «هلاك لفرعون
مصر الجديد» (ص17).
أما كيف ولماذا قامت ثورة يوليو 1952 فإن السيد المرشح
الإخواني يجيب قائلا «إن أمريكا أرادت بعد الحرب العالمية
الثانية أن تسيطر علي العالم، وفي هذه الأثناء كانت الدول
العربية تموج بحركات شعبية تسعي للتغيير ونيل الحرية
والاستقلال، فكان علي أمريكا أن تبحث وسط الشعوب علي أفراد
ينادون بالاستقلال وجلاء المستعمر وفي نفس الوقت يريدون
الحكم والتسلط، ويبغون الشهرة والعلو والفساد في الأرض،
وهؤلاء كانوا في مصر ضباط ثورة يوليو».. التي تفضل سيادته
فأسماها «ثورة يوليو الأمريكية».
أما لماذا قام الأمريكيون بهذه الثورة في مصر فلأن «حركة
الإخوان المسلمين ازداد ظهور قوتها وبأس أفرادها» وهكذا
كان من الضروري «اختيار زعيم شعبي تصنع منه أمريكا بطلا،
يأخذ الحكم وتكون له الكلمة الأولي في بلده، والأخيرة مع
أمريكا، وكان الشخص المختار هو جمال عبدالناصر» (ص45) أما
لماذا عبدالناصر بالذات؟ فإن إجابة السيد المرشح الإخواني
تأتي مثيرة للدهشة والغضب معا «عبدالناصر تربي في حارة
اليهود، وأبوه كان ساعي بريد» «وكأن هذا عيب عند السيد
الأخ المسلم» ثم يقدم تحليلا غريبا «قديما كانت الكلية
الحربية لا يدخلها إلا علية القوم وأولاد الباشوات، إلا
أنه سُمح لجمال عبدالناصر ورفاقه بدخول الكلية الحربية،
وهؤلاء هم الذين كونوا فيما بعد ما يسمي بالضباط الأحرار».
وهكذا فإن سيادة المرشح الإخواني يري أن ضباط يوليو وعلي
رأسهم عبدالناصر كانوا عملاء لأمريكا منذ كانوا طلابا في
المدارس الثانوية، ناسيا أنه قال إن أمريكا بدأ اهتمامها
بالبحث عن عملاء بعد الحرب العالمية الثانية أي بعد دخولهم
الكلية الحربية بحوالي عشر سنوات، وناسيا أيضا أن كثيرا من
الضباط الإخوان ومنهم الضابط الإخواني الشهير محمود لبيب،
وعبدالمنعم عبدالرءوف وفؤاد جاسر وغيرهم دخلوا الكلية
الحربية في ذات الفترة ونسي أيضا أن جماعة الإخوان قد أيدت
وبشدة ثورة يوليو عندما قامت، بل وزعمت أنها هي التي
صنعتها.. فكيف تستقيم هذه الأقوال؟».
لكن التجاوز يصل إلي مداه عندما يزعم أن عبدالناصر كان
خلال حرب فلسطين «علي اتصال باليهود يحادثهم ويحادثونه،
ويرسلون له الهدايا، ولم يكن عبدالناصر مقتنعا أبدا بحرب
اليهود» (ص46) ثم يقول «لقد جنت الأمة العربية من هؤلاء
الحكام تخلفا في كل شيء وإهدارا لكل قيمة.. وكانت توليتهم
بداية حرب جديدة علي الإسلام بدأت بتوليتهم وقيامهم علي
أمر البلاد وهم أخون الناس لبلادهم» (ص49).
.. وبعد هذا كله.. وغيره من السخافات التي تضمنتها الدعاية
الانتخابية للمرشح الإخواني فإننا لا نملك إلا أن نقول
عيب.. وما هكذا يكون التعامل مع أبطال مصر ومع تاريخها.
ولعل هذا يثبت صحة رفضنا لفكرة تسييس الدين، ولاستخدام
الشعارات الدينية في الدعاية الانتخابية. أليس كذلك؟.