أصبحت حوادث التوتر الطائفي في الإسكندرية بين يدي النيابة
العامة الآن، لكي تجلي حقيقة الموقف، الذي يتسم بقدر هائل
من الغموض يحيط بالملابسات التي أدت إلي هذا الانفجار،
والنتائج التي أسفر عنها0 الشيء المؤكد من حوادث
الإسكندرية المؤلمة، أن البناء الوطني هش للغاية، وأنه لا
يستطيع أن يصمد أمام أي شائعة أو خبر غير صحيح أو أزمة
عابرة، والدليل أن لا أحد من المتظاهرين الخمسة آلاف أمام
كنيسة مار جرجس بمحرم بك، قد شاهد المسرحية التي اتهمت
بالإساءة إلي الإسلام، أو توقف أمام حقيقة أنها عرضت قبل
عامين داخل أسوار الكنيسة لمرة واحدة فقط لمجموعة من
الهواة، وأن إعادة طرحها علي اسطوانات مدمجة الآن يثير
الريب والشكوك ويستدعي قبل هذا وذاك التأني الحذر، وأن
قادة الكنيسة أكدوا بأكثر من طريقة براءة المسرحية من أي
شبهة تعريض بالإسلام أو بالمقدسات الدينية، وأنها عرضت في
إطار جهود محاربة التطرف والإرهاب.
الشئ المؤكد أيضا أن التعامل التقليدي مع هذه الأزمة ،
بإصدار البيانات من المؤسسات الدينية والتنفيذية، لتجدد
التأكيد علي أن الأقباط والمسلمين مصريون أبناء وطن واحد،
وأن الأقباط جزء من النسيج الوطني، وما إلي ذلك من كلام
جميل، لم يعد مجديا، ذلك أن الأزمة أكثر عمقا من أن
تداويها الشعارات الدعائية البراقة، التي تتغني بالوحدة
الوطنية، وهي تسبح في واقع مرير، يلفظ التسامح، وينحو إلي
العنف والتعصب، حتي لو تعلق الأمر بمباراة لكرة القدم0
إجلاء الحقائق هوالخطوة الأولي نحو استراتيجية جديدة
لمعالجة تلك الأزمة، وفي مقدمة تلك الحقائق، أن أحدا لم
يقل حتي هذه اللحظة أنه شاهد بنفسه شريط الفيديو أو
الاسطوانة المدمجة لهذا العرض المسرحي، وأن الاضطرابات قد
بدأت، بعد النشر الصحفي المثير، لما قيل أن النص المسرحي
يتضمنه من إساءات 0 وهي حقائق تطرح من الأسئلة، أكثر مما
تقدم من إجابات: فما هي مسئولية الصحافة الخاصة عن إثارة
تلك الأزمة، وما هي حدود حريتها في أن تنشرما تشاء؟ وما هو
دور التنافس الانتخابي في المسئولية عن هذه الأزمة لاسيما
ودائرة محرم بك يتنافس فيها مرشح قبطي مع مرشح مسلم مستقل؟
ومن هي الجهة التي صورت ما نشر بتلك الصحف حول المسرحية
وقامت بتوزيعه علي نطاق واسع بكميات هائلة في الإسكندرية؟
ومن هي الجهة التي جلبت مواطنين من محافظات القاهرة
والدقهلية والبحيرة للمشاركة في المظاهرات؟ ومن المسئول عن
توزيع منشورات تحض علي كراهية الأقباط بكثافة في شوارع
الإسكندرية؟ ومن الذي سمح بتصوير المسرحية وإخراجها من
الكنيسة بعد عامين علي عرضها؟ ومن هي الأيدي الخفية التي
طبعت الشريط علي أقراص مدمجة ووزعته بآلاف النسخ؟
ملف الوحدة الوطنية ليس ملفا أمنيا وهو أكبر من أن يترك
هكذا لتصرف وزارة الداخلية بل يستدعي تشكيل مجلس قومي أعلي
للحريات الدينية ولحقوق المواطنة يبحث بجدية في إعادة
النظر في البرامج الثقافية والإعلامية والمناهج التربوية
التي تميز بين أبناء الوطن الواحد وينهض بإلغاء الواقع
التشريعي الذي يفرض قيودا علي تشييد الكنائس والواقع
العرفي، الذي يميز ضد الأقباط في أماكن العمل، ويسعي عبر
جهد دءوب لإعادة صياغة الخطاب الديني بما يرسخ قيم التسامح
بين الأفراد والجماعات وسط الجماعة المصرية