في اتجاه قد يبدو معاكساً ولكنه هو الاتجاه ذاته، يأتي
«يحيي الفخراني» بمسلسله هذا العام «المرسي والبحار» ليسير
في طريق البحث عن هوية أو بالأخص ليسير في طريق التأكيد
بهوية خاصة، في العام الماضي وفي مسلسله «عباس الأبيض في
اليوم الأسود» كان يلعب دور أستاذ التاريخ الذي ضاعت منه
هويته وفقاً للأوراق الرسمية في الوقت الذي يكون فيه هو
نفسه الأستاذ الذي اختار أن يدفع أثمانا غالية في سبيل
تأكيده علي الهوية المصرية ورغبته في إعادة كتابة التاريخ
وفقاً للأحداث الحقيقية، وفي «المرسي والبحار» - الذي كتبه
«محمد جلال عبد القوي» وأخرجه أحمد صقر فكون الجميع ثلاثية
عمل راقية - يضيع الشاب في عمر المراهقة حين يهتز إيمانه
بهويته المصرية والعربية - ولم يكن اختيار اسم البطل
مصادفة: فهو «فارس» ابن «العربي» وليس خفياً محاولة
التأكيد علي الهوية العربية، ولا علي احتياجها لفارس يدافع
عنها، ولكنه هو نفسه الشخص الذي يجمع كل مفردات الشخصية
المصرية في بوتقة واحدة، هو ابن البحر المتوسط فهو من
الإسكندرية، وهو شديد الولاء لمصريته وهو يحمل جذوره
العربية معه أينما ذهب لكنه ليس منغلقا علي نفسه رافضا
للحضارات الأخري علي العكس فهو يحب الفتاة الفرنسية التي
لم ينس أن أجدادها احتلوا مصر وأعدموا جده، ورغم ذلك لم
يقمع مشاعر الحب داخله بل ذهب وراءها إلي كل بقاع العالم،
ثم رجع ليستقر علي شواطئ البحر الأبيض المتوسط مرة أخري،
فأحب الفتاة التي تجمع بين حداثة أسبانيا الأوروبية وجذور
المغرب العربية، واختيار الحبيبة الثانية لتكون مغربية
ربما لم يأت هو أيضا مصادفة، فالمغرب جغرافيا هي آخر بلاد
العرب في شمال القارة الأفريقية وموقعها يحتم عليها أن
تستقبل هواء العالم الغربي، وكون الحبيبة تعيش في أسبانيا
لم يأت بكاء علي أيام حكم العرب لأسبانيا «الأندلس» كما
يبدو للوهلة الأولي وإنما اعتداد بفضل العرب علي أوروبا
التي بدأت ازدهارها حين أخذت بما وصل إليه العرب من علم
وتحضر حينها، وهو في الوقت نفسه - وذلك ما قصد إليه
المسلسل - تأكيد علي أن تلاقي الحضارتين: العربية
والأوروبية، ينتج أندلساً جديدة، وعندما يلتقي الفارس
بالفتاة المعتزة بعروبتها وحداثتها في آن واحد، حينها فحسب
يستقر حقاً ويتعرف إلي ذاته فيقرر العودة إلي وطنه مصر
حاملاً معه رحلة استمرت لعشرين عاماً من البحث عن الذات..
أو بمعني أصح محاولة اكتشافها.
ويبدو أن اكتشاف هوية الشخصية المصرية، أو محاولة التأكيد
عليها، صارا هماً تدور حوله مسلسلات «الفخراني» في السنوات
الأخيرة، ولكنه هم يستحق الوقوف عنده كثيراً، في زمن تسعي
فيه الشعوب للتعرف إلي حقيقة هوية كل منها رغم هواء
العولمة، كي تكون الهوية هي شراع المركب الذي يحمل الوطن
في سلام في خضم محاولة محو الهويات التي يسعي إليها
الاستعمار الجديد