تقرير «ديتليف ميليس» رئيس لجنة التحقيق في اغتيال رئيس
الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري هو بداية لمرحلة،
وليس نهاية، فالتقرير يضع خطة طريق للكشف عن قتلة الحريري،
وبالتالي فالبداية الحقيقية ستنطلق مع اعتماد مجلس الأمن
الذي بدأ مناقشة التقرير أمس لخطة الطريق تلك التي ستتضمن
وفقا للتصريحات والتعليقات التي صدرت عن مسئولين أمريكيين
وفرنسيين مجموعة من الإجراءات والخطوات مطلوب اتخاذها.
السيناريو الليبي ودون الخوض في تفاصيل السيناريو القادم، فإن تكرار
السيناريو الذي تم تنفيذه في التعامل مع قضية «لوكيربي»
سيكون الأقرب إلي التنفيذ، حيث تواصلت الضغوط الدولية
الأمريكية والأوروبية حتي وصلت بقضية تفجير طائرة «بان
أميركان» فوق قرية لوكيربي الأسكتلندية، إلي مجلس الأمن
الذي فرض عقوبات وحصارا كاملا علي ليبيا، التي لم تجد مفرا
سوي تسليم اثنين من مواطنيها للمحاكمة وقبول إدانة أحدهما
ودفع تعويضات وصلت إلي أكثر من 2 مليار دولار لأسر الضحايا
حتي يتم رفع الحصار عنها.
استبعاد سيناريو العراق وفي نفس الوقت فإن استبعاد تكرار سيناريو العراق يبدو
أمرا أقرب إلي الواقع، فالورطة الأمريكية في العراق تجعل
من الصعب بل من المستحيل إعادة تكرارها، ولا يوجد أي من
حلفاء الولايات المتحدة مستعد للمشاركة في مشروع جنوني
أرعن آخر مثل المشروع العراقي.
وهكذا فإن السيناريو المتوقع هو اتخاذ مجلس الأمن لمجموعة
من القرارات تدعو حكومتي سوريا ولبنان إلي التعاون الكامل
مع لجنة التحقيق الدولية حتي تنجز مهمتها وتضع المتهمين
الحقيقيين في قفص الاتهام.
وبالتالي فسوف يطلب من الحكومتين فتح المجال للجنة التحقيق
التي ستعمل ربما علي غرار لجان التفتيش عن أسلحة الدمار
الشامل العراقية والتي لم تجد شيئا، لكي تفتش في وثائق
الحكومتين وتستدعي أي من مسئوليهما إلي الخارج للمثول أمام
التحقيق بعيدا عن أي تواجد رسمي حكومي من البلدين.
إرهاب بأي درجة وحاليا فإن النقاش والتشاور بين الولايات المتحدة التي
أصبحت بفعل احتلالها للعراق جارة لسوريا ولبنان، وفرنسا
صاحبة العلاقات التاريخية والمصالح السياسية الحالية مع
لبنان علي وجه الخصوص وسوريا بحكم سنوات الاحتلال
والانتداب، يدور حول توصيف الاتهامات الأولية إلي سوريا
بالذات.
فالولايات المتحدة تريد استخلاص اتهامات واضحة ضد سوريا من
التقرير، تساعدها علي إضفاء صبغة قانونية علي اتهاماتها
الدائمة لسوريا بأنها ترعي الإرهاب وفرنسا لا تجد حتي الآن
غطاء قانونيا لذلك وتدعو إلي صيغة أقل حدة بالمطالبة
بالكشف عن مرتكبي العمليات الإرهابية ومعاقبتهم.
تقرير سياسي وإذا كان سيناريو المواجهة قد بدأ فعليا باغتيال رفيق
الحريري، واستكمل الفصل الأول بتقرير ميليس، فإن الفصل
الثاني بدأ الآن بالبحث عن صيغة القرار الذي سيصدر عن مجلس
الأمن وفقا للبند السابع في الميثاق وهو بند يتيح استخدام
القوة العسكرية وأشكال الحصار والعقوبات المختلفة ضد الدول
والحكومات المعنية.
سيناريو ميلوسوفيتش وهناك خيار آخر بإعادة سيناريو الرئيس الصربي الأسبق
سلوبودان ميلوسوفيتش الذي تمت محاكمته أمام محكمة دولية
وشهدت محكمة دولية أخري محاكمة مجرمي الحرب في رواندا،
ولكن المشكلة أن هذه المحاكم تأخذ وقتا طويلا، وهو ما دعا
الولايات المتحدة وحلفاءها والأمين العام للأمم المتحدة
كوفي أنان إلي عدم تكرار التجربة في محاكمة الرئيس العراقي
صدام حسين، وتركت مهمة محاكمته لمحكمة عراقية.
والمشكلة في لبنان أن هناك انقسامات حادة وقوي طائفية
تختفي وراء واجهات سياسية، كما أن هناك شكوكا وعدم ثقة في
القضاء اللبناني إلي جانب مطالبة تحالف القوي السياسية
الجديدة التي تشكلت بعد اغتيال الحريري بمحاكمة دولية خاصة
أن الرئيس اللبناني نفسه قد أصبح علي لائحة الشبهات بعد أن
تم القبض علي أحد الأشخاص بناء علي معلومات تؤكد أنه اتصل
بالرئيس اللبناني قبل اغتيال الحريري بدقائق.
خلط الأوراق
وإذا كانت الصراعات علي الساحة اللبنانية واضحة،
والمعسكرات محددة فإن الصورة علي الساحة السورية مختلفة،
فقد بدأت عملية سياسية لتجديد النظام وتطوير أداء حزب
البعث، وشهدت دمشق مؤخرا مؤتمرا سياسيا مهما بمشاركة عديد
من القوي والأحزاب السياسية وشخصيات مستقلة، لإتاحة المجال
نحو مشاركة سياسية وانفتاح أوسع لجميع الأطراف.
وفي نفس الوقت فإن سوريا تبذل جهودها لتأمين حدودها مع
العراق وتبدي تعاونا كاملا في هذا الإطار، لكي تستبعد كل
الحجج الأمريكية للتحرش بها.
وعلي صعيد الأراضي المحتلة فإن دمشق أبدت خطوة كبيرة
باستعدادها للتفاوض مباشرة مع إسرائيل والبناء علي ما تحقق
في المفاوضات السابقة، وذلك في إطار محاولتها إنهاء تجميد
ملف الجولان المحتل، وهو ملف تحرص الولايات المتحدة علي
تجميده وعدم تحريكه انتظارا لأن تدفع سوريا ثمنا باهظا
لاستعادة أراضيها.
وفي ضوء تلك المعطيات فإن هناك فرصا متاحة لحصار سوريا
وعزلها خطوة خطوة والضغط عليها والبداية جاءت في تقرير
ميليس، الذي يشكل الفصل الأخطر في المواجهة مع سوريا.