في عيد ميلادها الخامس والستين، والذي وافق الأول من
فبراير من العام الماضي، ظهر كتاب راقصة الباليه الروسية
يكاترينا مكسيموفا ليلقي من جديد بحجر ضخم في المياه
الراكدة التي ساعدت طوال السنوات الأخيرة على نمو كافة
أنواع البكتيريا والطفيليات في ساحة الباليه الروسي.
كتاب مكسيموفا جاء بعنوان "السيدة.. لا". ومن عنوان
الكتاب، يمكن تخمين الموضوع الرئيسي الذي يدور حوله.
فالصفوة الروسية ظلت تتحدث عنه قبل صدوره بأشهر كثيرة، ولا
تزال تتحدث عنه إلى الآن. إنه ببساطة يحكي سيرتها الذاتية
تحت عنوان (السيدة..لا). والقريبون من مكسيموفا يقولون
بأنهم "لم يندهشوا عندما عرفوا أنها أطلقت هذه التسمية على
سيرة حياتها". فهي إلى الآن لا تزال تبدو تلك "الصبية"
الرقيقة، ولكنها أيضا أصبحت من داخلها تلك "المرأة" التي
تمتلك إرادة غير محدودة، وشخصية متفردة، وهما الصفتان
اللتان نادرا ما يمكن العثور عليهما في "الأوزان الفنية
والإنسانية الثقيلة".
السيدة (لا)، رغم رقتها وصبوتها وطفوليتها، تعرف جيدا كيف
تقول كلمة (لا) واضحة ومباشرة وصريحة، حتى وإن كان العرض
مغريا ونادرا ومتفردا. مكسيموفا تقول (لا) لأي شيء لا
يناسبها مهما كان كبيرا وضخما ومغريا وغنيا. ولعل ذلك ما
أكسبها ذلك التفرد والقوة والشفافية.
حازت مكسيموفا على ألقاب كثيرة سواء بمفردها أو مع شريكها
في الرقص والحياة فلاديمير فاسيليف. ولكن أقوى هذه الألقاب
جميعا هو "أنصع درة على مسرح البالية" و"الثنائي الذهبي
للقرن العشرين". وهي أيضا أول تلميذة (في عام 1960) لعظيمة
البالية الروسية جالينا أولانوفا التي تبقى متربعة على عرش
"ملكة الملوك" رغم رحيلها الجسدي في تسعينات القرن
العشرين.
مكسيموفا أو "السيدة.. لا" ولدت في الأول من فبراير 1939
للمهندس سيرجي ألكسندروفيتش مكسيموف والصحفية تاتيانا
جوستافوفنا مكسيموفا في موسكو السوفيتية. وطوال 30 عاما
(1958-1988) ظلت مكسيموفا ترقص مع شريكها على المسرح وفي
الحياة فلاديمير فاسيليف راقص روسيا الكبير ومدير مسرح
البولشوي الأسبق. بدأت "السيدة..لا" طريقها الكبير نحو
المجد في السنة الدراسية قبل الأخيرة في مدرسة "الباليه"،
عندما كان عمرها 16 عاما. وكان زميلها في الدراسة فلاديمير
فاسيليف هو شريكها في باليه بيوتر تشايكوفسكي "كسارة
البندق". ومنذ ذلك الحين صارت بينهما وطوال 30 عاما "شراكة
استراتيجية" في البيتين: المسرح والمنزل. وأطلقت عليهما
الحركة النقدية العالمية "الثنائي الذهبي للقرن العشرين"
الذي لم يظهر له مثيل طوال قرن كامل.
حصلت مكسيموفا على جوائز كثيرة وألقاب أكثر في مجال فن
الباليه. وجاء كل ذلك كحصاد على أعمالها الرائعة التي
شاركت بها سواء في أدوار كاملة أو في فصول معينة في أعظم
أعمال الباليه في العالم. ولكنها دخلت تاريخ الثقافة
الروسية والعالمية كأول مصممة للحلقات التلفزيونية
"فيلم-باليه" مثل "جالاتيا" و"بيوتر" و"تشابلينيانا"
و"أنيوتا" التي مثلتها-رقصتها في سنوات السبعينات
والثمانينات من القرن الماضي.
و"أنيوتا" بالذات، تلك القصة القصيرة التي خطها قلم الكاتب
الروسي أنطون تشيخوف قبل أكثر من قرن، أعطت فن الباليه
بعدا آخر لا يزال قيد التحليل والتأويل. فالقصة التشيخوفية
القصيرة التي يحفظها الأطفال عن ظهر قلب، وتدمع عيون
الفتيات عند الانتهاء من قراءتها، تتحول إلى لحم ودم،
وتظهر أنيوتا بوجه وملامح مكسيموفا مثل الحلم. وبعيدا عن
إعجاب الناس، تمكنت مكسيموفا من تحويل أنيوتا إلى إحدى
روائع فن الباليه.
رقصت يكاترينا مكسيموفا على تصميمات أعظم المصممين
العالميين في هذا المجال ومنهم يوري جرجوروفيتش وكاسيان
جوليزوفسكي وموريس بيجار وجون كرانكو ورولان بيتيه وعشرات
آخرين. وكتبت عشرات الكتب عن مكسيموفا بمفردها، وعنها
كثنائي مع فاسيليف، وظهرت أفلام كثيرة عن حياتهما وفنهما.
وهي الآن تعمل في مجال التعليم-تعليم الباليه، أما فاسيليف
فلا يزال يعمل مصمما ومخرجا بعد أن ترك منصبه في إدارة
مسرح البولشوي الذي اعتلاه في واحدة من أحلك الفترات في
تاريخ روسيا والمسرح الروسي معا.
في عيد ميلادها الخامس والستين، أي منذ عام، أهداها شريكها
الاستراتيجي، كما أهداها طوال حياتهما كل ما كانت تتفجر به
قريحته من أدوار على المسرح وشخصيات في الأفلام
التلفزيونية-أهداها تصميم جديد لباليه (دون كيخوت) لودفيج
مينكوس. كان فاسيليف قد وضعه لمكسيموفا قبل يوبيلها الخامس
والستين بعدة سنوات، وقامت فرقة مسرح "باليه الكرملين"
بعرض "دون كيخوت" مينكوس-فاسيليف. وفي يوم ميلادها عرضته
نفس الفرقة على "مسرح قصر الكرملين الحكومي". بينما كانت
مكسيموفا نفسها تجلس في الصالة لتشاهد نفسها في تلميذاتها،
وفي كل فصل من فصول "دون كيخوت" كانت تظهر 3 تلميذات
مختلفات على المسرح وفي عالم الباليه الكبير، مثلما حدث
بالضبط عام 1960 وظهرت مكسيموفا على يد أولانوفا.