أدهشني الإجماع ليس فقط بين دعاة النظام ومداحيه بل
حتي المستقلين والمعارضين علي اتهام الأحزاب المعارضة
بالضعف والقصور وعجزها عن ترسيخ وجودها في الشارع السياسي
مما يفهم منه أن حزب السلطة مطهر من هذه النقائص.
وأبدأ تقييمي بسؤال طرحته علي معارفي أدعو الباحثين لطرحه
،والسؤال هو ما الذي يعنيه لك إشهار شخص ما بعضويته في
الوفد والتجمع والناصري والإخوان المسلمين والغد والوطني،
وحصيلة هذا التساؤل يعرفها كل مراقب للشارع السياسي
فبالنسبة للوفد والتجمع والناصري والإخوان هناك قناعة بأن
الانضمام يعني توجها سياسيا وأيديولوجيا واضح المعالم وقد
تتذبذب مفرداته بتذبذب الظروف أو القيادات ولكن يبقي
التوجه السياسي العام واضح المعالم عبر أحقاب وتقلبات وقد
يكون هذا التوجه موضع قبول أو رفض من المراقب، ولكنه ليس
موضع القياس للمدلول، وبالنسبة للغد فالتقييم العام لا
يبدو أنه متأثر بمفردات برامج أو خصائص قيادة ولكن التوجه
العام هو ربط اسم الحزب بالرفض والمقاومة ليس من واقع
ادعاءات الحزب ولكن من واقع هجوم النظام السياسي ومعاداته،
وفي هذا المجال يشك البعض أن محاولة النظام وأجهزة إعلامه
تقديم الوفد ومفاضلته علي الغد في أجهزة الإعلام والحملة
الانتخابية كانت سببا في إثارة البلبلة بين الناخبين
والواعين حتي وإن لم يكن للوفد دور في هذا التفضيل خاصة أن
الناخبين رغم تفضيلهم للغد مازالوا يعتبرونه ظاهرة
انتقالية ولم تتأكد وتترسخ بعد ليتأكدوا من دوام تملكه
لناصية الرفض والمقاومة والصدارة علي المدي الطويل للمنبر
في المرحلة القادمة أمام أحزاب أكثر عمقا تاريخيا وامتدادا
أيديولوجيا.
والإخوان المسلمون يمثلون للمراقبين في ظل الطغيان الداخلي
والخارجي البديل الأكثر حظا في القدرة علي ترسيخ وجودهم
ورغم الإصرار علي منع حصولهم علي «الترخيص» اللازم ومن هذا
المنطق يعطي المراقبون لجماعة الإخوان وزنا بصرف النظر عن
موافقتهم أو رفضهم لتوجهاتها وأساليبها وقياداتها.
وينفرد الحزب الوطني بمدلول خاص لا مثيل له فالعضوية تعني
لأغلب المراقبين حيازة السلطة أو التطلع إليها والمشاركة
في المنافع والمغانم أو السعي لنيل نصيب منها والحصانة من
المساءلة وهامشا واضحا لفرص تخطي الحدود والموانع، ويبدو
أنه ليس هناك قرائن علي تميز عضوية الحزب بأي وجه له معالم
أو مؤثرات لها مصداقية.. فالحزب الذي يستميت في فرض دستور
يدعو للاشتراكية وهو أبعد ما يكون عنها والذي يفرض السطوة
للعمال والفلاحين، وهم يعانون من تهميش وحصار لم يروا مثله
منذ تقنين نقاباتهم في الثلاثينيات من القرن الماضي ويؤكد
حقوق الجماهير وحرياتها المعلقة بالأحكام العرفية علي مدي
ربع قرن مع أدواتها من القوانين الغاصبة والمعتقلات
والمحاكم الاستثنائية وطغيان أجهزة الأمن ويعبر الدستور عن
الميزات للملكية العامة والرأسمالية الوطنية وكلاهما موضع
تصفية بالعولمة والخصخصة واتفاقات المناطق الحرة ويقدس
الاستقلالية والقومية العربية وأمنها الإقليمي فيما يبدو
لبعض المراقبين أن التوجه العام للحزب يسير عكس هذا
الاتجاه ويحارب الفساد وخاصة المرتبط بالسلطة وتؤكد
الشواهد القومية عكس ذلك تماما مما يجعل من الصعب ارتباط
عضوية هذا الحزب بتوجه واضح المعالم له مصداقية ويدعم هذا
التوجه الانفرادية والديكتاتورية التي تتصف بها آليات
اتخاذ القرار في السلطة وكهنتها بعيدا عن كل المستويات
الدنيا بما فيها المجالس النيابية ومجلس الوزراء وفي ظل
هذه الانطباعات الشائعة فما حقيقة الحياة الحزبية في مصر؟.
إن النتيجة التي خلصت إليها من هذا الاستقصاء والتي أدعو
إلي التمعن فيها لأن نتائجها ستمثل أهم العقبات أمام
الإصلاح والتصويب هي بصراحة ووضوح أنه لا يمكن أن يكون
هناك هامش لوجود الحياة الحزبية في مصر وأن ما يجري هو
عملية تمويه مدونة ومخططة منذ تزوير استفتاء الدستور
الساداتي وما تلاه من استفتاءات حتي يومنا هذا.
ولنبدأ بما يسمي ب «الحزب الوطني» وحكومته فهل هو حزب
الحكومة أم أن الحكومة هي حكومة الحزب أو كلاهما الحزب
والحكومة هما حزب وحكومة السلطة وأنا أري أن الوصف السياسي
والقانوني الدقيق لهذا الحزب هو ليس بحزب ولكنه تجمع سلطوي
إداري انتهازي بحكم تشكيله وبحكم أسلوب عمله.
ويساند هذا الرأي أساليب التشكيل لهذا التجمع فهو تشكيل
ثابت قيامه بإرادة سلطة منفردة ومحتكرة ومدعمة بأجهزة
أمنية وإدارية طاغية حققت للسلطة احتكار العصا والجزرة
وممارستها علي أوسع نطاق ورغم تذبذبها وعشوائيتها السياسية
بقي هذا الاحتكار عمادها وركيزتها المنفردة بما أتاح لها
تصفية الحياة السياسية في مصر ومن ثم لم تجرد منافسيها من
الحافز والقدرة علي ممارستها ولكن جردت نفسها مثلهم من
الحافز والقدرة علي ممارستها هي بنفسها وأقحمت نفسها في
بؤرة من الاغتصاب والاحتكار والكبت والعزل والانتهازية
والتربح والفساد واندثار المعايير والمحاسبة والتقييم وهي
خصائص حتمية للتجمعات السلطوية منذ عهد فرانكو في أسبانيا
والشاه في إيران، ولعل من أكثر المؤشرات دلالة أن تمثيلية
التحول والتوجه اليميني الذي فرضته الضغوط الدولية
والاندفاعات الداخلية لم يجد له رأسا مدبرا ومديرا إلا ابن
رئيس السلطة من بين الملايين الذين يدعي الحزب انضمامهم
إليه من السياسيين والخبراء والأكاديميين الأرسخ مكانة
وخبرة وشعبية.
وقد سبق منذ 1993 علي صفحات الوفد والأهالي أن طرحت
المخاوف من أن هذا الفراغ السياسي المفروض بكل أدوات
الطغيان الدستوري والقانوني والبوليسي يسلم النظام إلي ما
فيه المنتفعون والانتهازيون والفاسدون كالبديل الوحيد
للخيار الشعبي وتساءلت عن مصير هذا التجمع لو جرد أو أبعد
من السلطة وتحولت المافيا للسعي علي منافذ بديلة للمنفعة
والغنائم والسلطة وادعيت أن البدائل الأكثر مصداقية ووضوحا
والتزاما مثل التجمع والوفد والناصري والإخوان لا شك ستقلب
الموازين وتثبت انعدام جدوي التجمعات السلطوية وانعدام
كياناتها.
ثم نأتي إلي الأحزاب البديلة الجديدة منها والمظهرية التي
اقتضت لعبة التمويه الترخيص بها من السلطة وتجمعها السلطوي
فكيف يمكن أن يقوم أي كيان حزبي حل وحرم منذ نصف قرن ثم
علق ولادته واستمراريته علي إرادة التجمع السلطوي وكيف
يمكن للجماهير أن ينطلي عليها لعبة التمويه لسلطة أو
معارضة وهي علي قناعة راسخة ببقاء استمرار اللعبة حتي آخر
المدي واستحالة أن تعكس التطورات توجهاتها أو إرادتها بل
استحالة فرض هذه الإرادة وتفعيلها وكيف يمكن لهذه الأحزاب
والجماهير أن تمارس حياة سياسية سليمة في ظل حكم طواريء
عسكري وأحكام عرفية وقوانين مقيدة مانعة وجهاز أمني طاغ لا
قيود علي ممارسته قانونية أو سياسية وطغيان مافيا
المنتفعين ومنافعها ومفاسدها في كنوز المنافع والمغانم
والسلطة وبين قهر البطالة والفقر والإغفال وشلل النقابات
والمنظمات المدنية وطغيان أجهزة إعلام السلطة التي أفلح
احتكار العصا والجزرة «بل الكافيار» في تحويلها إلي سوق
عكاظ للمداحين وحملة الدفوف وكيف يمكن للأحزاب والجماهير
أن تمارس الحياة السياسية في ظل بقاء وديمومة ليس فقط
النظام بل كوادره وبطاناتها لعشرات السنين رغم تأكد عدم
الكفاءة «في غير التسبيح والمديح» ورغم الشبهات المتراكمة
علي الفساد والاستغلال وحماية الإفساد والاغتصاب تم تجريم
محاولات الكشف وحبس المتصدين لها.
وكيف يمكن للأحزاب والجماهير أن تثق أو تقبل ممارسة سياسية
في إطار ديمومة التزوير والتمويه والخديعة والقهر والإقصاء
في كل تمثيلية استفتائية أو انتخابية لربع قرن تحت ادعاء
اكتشاف توجهات ديمقراطية مفاجئة تنفيها وقائع الممارسات
الجارية. إن أقرب الأوصاف التي يمكن أن تسبغ علي الأحزاب
البديلة القائمة في ظل هذه الأوضاع هي ما تفتقت عنه عبقرية
السلطة في مرحلة التمويه الأولي في وصفها بأنها منابر كل
مهمتها في أن تكون وعاء لحفظ تراث تاريخي وتوجه سياسي كان
له جذوره في مراحل سابقة ولا يمكن أن يسمح لها أن تكون
أكثر من ذاك وهذا هو واقعها في ظل الأوضاع القائمة.
أما الأحزاب الصورية والتي ليس لها وجود فلم تكن أكثر من
ديكور اقتضته عملية التمويه والخديعة للتظاهر بسد الفراغ
السياسي الذي حتمه التجمع السلطوي وفي إطار هذا التقييم
للواقع فلا مهرب من الوصول إلي القناعة أنه ما لم تصف
المواقع الدستورية والقانونية والسلطوية والبوليسية
والإعلامية التي تخدم توجهات الاحتكار للتجمع السلطوي
والتجريم للبدائل فلن تقوم قائمة للحياة الحزبية في مصر
بمدلولها الديمقراطي المعاصر فلا تصويب ولا إصلاح وهي
مأساة ليس فقط للحياة السياسية ولكنها مأساة لشعب بدأ
كفاحه لتحقيق هذه الضرورة منذ قرن ونصف وقبل كثير من الدول
الأوروبية والصاعدة في القارات الخمس وتدعي الآن مجموعة من
الجهلة والمتخلفين والأميين السياسيين أنه يفتقر إلي الوعي
والخبرة التي مكنت الهند من تأسيس أكبر دولة ديمقراطية في
العالم وهي تعاني من قصور اجتماعي وثقافي أضعاف مصر عايشته
شخصيا علي مدي سنين إضافة لتعدد مئات اللغات وعشرات
القوميات المتضاربة والمتعادية ورحم الله غاندي ونهرو
اللذين وعيا مآسي التجمعات السلطوية.
وستبقي الأحزاب ذات التاريخ والتوجه والمصداقية وعاء يحمل
تراث وأهداف شعب من أرسخ الشعوب حضارة ومن ثم تقع عليها
مسئولية إنقاذ التصويب والإصلاح من مؤامرة الالتفاف حوله
بمناورة تهدف إلي تأمين ضمانات استمرارية القهر والاحتكار
كمحتوي رئيسي لوعاء الاحتكارية السلطوية وتحويل القضية إلي
معارك وهمية هامشية حول المفاضلة بين الأشخاص والتجمعات
يتقدم فيه التكافؤ وتشله القيود والأغلال علي مدي نصف قرن.
لقد ناشدت كل صفحات الأهالي بتاريخ 28 يوليو 2004 و4 - 11
أغسطس 2004 كل المنابر السياسية والمدنية المخلصة عدم
الوقوع في هذا الفخ والإصرار علي إزالة كل العوائق
الدستورية والقانونية والبوليسية والإعلامية قبل القبول
بانتخابات رئاسة الجمهورية مقطوع بعدم مشروعيتها في تحقيق
التصويب والإصلاح في ظل مهزلة ضمانات استمرار الحال علي ما
هو عليه ورغم تقديري أن هذا التوحد لم يكن يسير إلا أنه
كان الثمن الغالي الوحيد المتاح لإنقاذ التصويب والإصلاح
من غائلة المناورة والالتفاف.
والآن وقد نجحت الدائرة الأولي من المناورة لم يعد أمام
المنابر السياسية والمدنية مهرب من تحمل مسئوليات أعباء
مضاعفة ولكنها مفصلية.
وهذه المسئوليات للمنابر السياسية والمدنية الوطنية
المخلصة هي الإصرار دون تردد أو مساومة علي إزالة كل
العقبات الدستورية والقانونية والبوليسية والأمنية
والإدارية قبل إجراء الانتخابات النيابية وما لم يتحقق ذلك
من خلال موقف صلب فلتترحم مصر علي كل فرص التصويب والإصلاح
السلمي في مصر وتسقط مصداقية ومشروعية حركات المناورة
والالتفاف.