يقول الأديب الفرنسي أندريه مالرو علي لسان شخصية إحدي
رواياته: «إن صراعنا في العالم هو صراع بين من يختارون
الدفاع عن كرامة الإنسان والذين يفضلون إهانته.
في عالم تعيس يمتلئ بالشراهة والكذب والأضاليل، وتؤرقه
الصرخات والعذابات لا يهم سوي شيء واحد وهو الشجاعة».
وتصدق هذه المقولة في كل الأزمان والأوطان، وهي تتجلي دون
خفاء في المرحلة التاريخية الراهنة التي تسيطر فيها
الأمبراطورية الأمريكية كقوة وحيدة علي الكوكب الأرضي، بلغ
فيها جبروت السلطة ما لم يبلغه في الإمبراطوريات الأخري
متمثلة قديما في الإمبراطورية الرومانية في توحشها
ومذابحها، وحديثا في الإمبراطورية النازية التي اندحرت،
وفي الدولة الإسرائيلية العنصرية الفاشية التي اغتصبت عنوة
أرض فلسطين وقتلت وشردت أهلها، فتحت سنابك هذه القوي
المعادية للبشرية غيلت بلا رحمة أجمل وأكمل القيم والفضائل
وفي مقدمتها العدل السياسي والاجتماعي، وسُحقت كرامة
الإنسان الباحث عن مكان تحت شمس الحرية، وسقف يقيه غوائل
القرّ والحر وذئاب الطبيعة والبشر وعن لقيمات خبز ممزوجة
بالعرق لا بالدم، ولكن هذا الإنسان القانع البسيط ما يلبث
أن ينتفض ملبيا نداء العدالة والكرامة، فينخرط في صفوف
المناضلين الذين يحملون مشعل الثورة ضد أرباب الظلم
والظلام وسدنتهم من تجار السلاح والخونة باعة الأوطان
بدراهم معدودة.
ويحتدم الصراع بين النقيضين، ويراهن أبطال الشعوب علي
التاريخ واثقين أنه سينصرهم علي أعدائهم ولو طال المدي،
وقد يخسرون معركة ولكنهم لا يخسرون الحرب، فالمضي إلي
الأمام حتمية تاريخية ولولاها لما انبثقت الشمس كل صباح من
جوف الظلام، ولما وُلد ملايين الأطفال الجدد وشبوا عن
الطوق ليملأوا الأرض حبا وعدلا وأمنا وفرحا، وهم يهتفون
بنداء الإسلام «الله أكبر علي الظالمين» ونداء المسيحية
«المجد لله في الأعالي وعلي الأرض السلام».
جنون «الكاوبوي»
تواردت هذه المعاني علي خاطري وأنا أتابع أنباء المعارك
الضارية بين رءوس وأذناب الإمبراطورية الأمريكية الغاشمة
وحيدة القرن الحادي والعشرين، وبين طلائع الشعوب المدافعين
عن حقها في امتلاك مصيرها بأيديها والسيطرة علي ثرواتها
والعمل الدءوب والتضحية في سبيل وطن أجمل وعالم أفضل،
واستوقفني مشهد الصراع بين الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز
البطل القومي في عيون شعبه وبين جورج بوش حامل لواء اليمين
الأمريكي المحافظ الذي يشن حرب إبادة في أفغانستان والعراق
ويهدد بمثلها في إيران وسورية، ويشتعل هذا الصراع بين ساسة
الولايات المتحدة الذين يعتبرون أمريكا اللاتينية حظيرتها
الخلفية وبين شافيز الذي يقود ثورة شعبية تقضي بإعادة
توزيع الثروة وإنصاف الأغلبية الفقيرة في بلاده، ويدعو إلي
إقامة وحدة أمريكية لاتينية تتحدي السياسة الأمريكية
وهيمنتها علي اقتصاد القارة، ويتبني مع الرئيس الكوبي فيدل
كاسترو سياسة تدعم خلق بدائل تغني عن الاعتماد علي سياسات
السوق الحرة الأمريكية، وذلك من خلال مقترحات إقامة كتلة
اقتصادية تعرف باسم البديل البوليفاري للأمريكان.
إن فنزويلا وعاصمتها الاقتصادية كاراكاس هي أكبر موردي
النفط للولايات المتحدة، مما يضاعف من نقمة بوش وحاشيته
علي الزعيم اليساري شافيز، ويحملهم علي التآمر عليه
والتهديد باغتياله كما اغتالوا بيد عملائهم أليندي الرئيس
الشيلي المنتخب من شعبه، وكما حاولوا مراراً اغتيال
كاسترو، ولا سيما بعد تحالف الزعيمين علي أساس التضامن
والتعاون الاقتصادي وعقدهما سلسلة اتفاقات تقضي بتزويد
فقراء أمريكا اللاتينية ببرامج الرعاية الصحية والتعليم،
فلا غرو أن يجّن جنون «الكاوبوي» الأمريكي فيؤلب علي شافيز
المعارضين له في الداخل ويدعمهم بالمال والسلاح وآلة
الدعاية الضخمة، فينظمون مظاهرات ضده من حين إلي آخر، ولكن
أنصاره وهم أغلبية الشعب يقفون لهم بالمرصاد ويجمعون
صفوفهم في مظاهرات تؤيده، ومثلما منيت المخابرات
الأمريكيةC. I. A بالفشل في مؤامرات قتل الزعيم الكوبي،
فشلت أيضا في محاولات الانقلاب ضد شافيز عام 2002.
وهكذا يثبت المناضل الثائر السائر علي خطي بوليفار محرر
أمريكا اللاتينية وجيفارا بطلها أن الاشتراكية ليست حلما
عسير التحقيق، بل هي حقيقة ناصعة لم تسقط بسقوط الاتحاد
السوفيتي وانتصار الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية، وإذا كان أهم عوامل اندحار الكرملين فساد نظام
الحزب الواحد وانعدام الديمقراطية، فإن هوجو شافيز قد وعي
الدرس فدعا إلي إجراء انتخابات برلمانية في ديسمبر القادم،
وسوف يخوضها تحت شعار الاختيار بين الاشتراكية والبربرية،
فهل يتعلم منه الحكام العرب هذا الدرس أم يظلون مستأنسين
قابعين تحت جناح الإمبريالية الأمريكية دون أن يعوا عبر
التاريخ الذي لا يرحم، ويستيقظوا من سباتهم العميق قبل أن
تدور عليهم الدوائر ويلفظهم سادة واشنطن بعد أن تتخلص منهم
شعوبهم، ويرفض هؤلاء السادة إيواءهم أو دفنهم بعد موتهم في
المقابر الأمريكية، ويومئذ لن تنفعهم الأموال التي نهبوها
من شعوبهم وأودعوها بنوك واشنطن ونيويورك.
بطل شعبي من المشرق
لست شيعي الهوي ولا أنا مشايع للسُّنَّة أو غيرها من الملل
والنحل، فلم يقض علي الحضارة العربية بعد ازدهارها ودورها
المؤثر في النهضة الأوروبية إلا تفرق الحكام شيعا وطوائف
متنافرة متنابذة يكيد بعضها لبعض، في غفلة عن العدو
المتربص بها والمتآمر عليها والطامع في الاستيلاء علي
أرضها وثرواتها، وأراني منحازا إلي تمجيد الشعوب المناضلة
والمضحية في سبيل حريتها وكرامتها، وإلي تخليد قادتها
التاريخيين في مواقف البطولة والفداء الحاسمة التي تقلَّص
مساحات الشقاء المحاصرة للعناة الأبرياء، وتدفع حركة
التقدم الحضاري إلي الأمام مكتسحة في طريقها شريعة الغاب
عبر الصراع الطويل بين العادلين والطغاة.
ويتمثل هذا الصراع الدائر منذ آخر السبعينيات من القرن
الماضي بين الثورة الإيرانية والولايات المتحدة وعملائها
وانتصار الثورة علي الشاه في معركة فاصلة استردت للشعب
حريته وحقه في السيطرة علي ثروته النفطية التي أممها
الزعيم مصدق، ثم نجحت أمريكا في تدبير انقلاب عليه وإعادة
الشاه إلي عرشه، ولم تيأس الجماهير الشعبية بل استمرت
تقاوم حتي أسقطت هذا السفاح مرة أخري.
واليوم يحتدم الصراع مرة أخري بعد أن استلم راية الثورة
أحد أبنائها الذي اختاره الشعب في انتخابات ديمقراطية، مما
أثار عليه حفيظة اليمين المحافظ في واشنطن وإصراره علي
الثأر من الماضي، ومنع طهران في الحاضر من ممارسة حقها في
تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية وعدم الكيل بمكيالين،
وهي تنادي بإخلاء الشرق الأوسط من كل أسلحة الدمار الشامل
والتطبيق الجاد لاتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية التي
تلزم دول النادي الذري بالتخلص من هذه الأسلحة، وإلزام
إسرائيل التي تملك نحو مائتي قنبلة نووية بالتوقيع علي تلك
الاتفاقية.
وتواجه الولايات المتحدة موقف أحمدي نجاد الصلب والتفاف
شعبه حوله بشن حملات تضليل واسعة لتشويه سمعته، فترجع
لدفاترها القديمة للعثور علي ثغرة في شخصيته وتاريخه،
وتجدها في الادعاء بأنه كان سنة 1979 من طلاب الثورة
الإيرانية الذين حاصروا بعثتها الدبلوماسية في طهران بعد
نجاح هذه الثورة المجيدة التي أطلقت علي السفارة الأمريكية
لقب وكر الجواسيس، وفشلت أمريكا في فك الحصار الذي استمر
444 يوما وإطلاق سراح الرهائن رغم محاولاتها المستمرة
لتأليب الرأي العام العالمي علي إيران، وبعد تسوية دولية
أفرجت طهران عن الرهائن وحولت السفارة الأمريكية إلي سفارة
فلسطين.
وقد أتيح لي أن أشهد هؤلاء الطلاب البواسل وذلك سنة 1980
حين تلقيت دعوة من الحكومة الإيرانية بصفتي أستاذا جامعيا
في القانون الدولي والعلوم السياسية لزيارة طهران حيث رأيت
رأي العين ما جناه حكم الشاه الطاغية علي الشعب، وشهدت
آثار المذابح التي ارتكبتها قوات الشاه «السافاك» ومنها
قتل عشرات الآلاف خلال عدة أيام في المظاهرات السلمية التي
أندلعت شرارتها في المدن والقري للمطالبة بالإصلاح السياسي
والاجتماعي والإفراج عن السجناء إذ كان أبناء الشهداء
وإخوتهم وأمهاتهم يقفون في صفين متراصين أمام أعضاء
المؤتمر السياسي الذي عقدته حكومة الثورة وهم يحملون
لافتات وصور شهداء الجريمة البشعة، وقد كان وفد الولايات
المتحدة أكبر الوفود إذ بلغ نحو سبعين فردا يقودهم رامز
كلارك وزير العدل الأسبق في واشنطن في عهد الرئيس جونسون.
لقد استمعنا إلي خطاب آية الله الخوميني الذي ندد فيه
بجرائم الولايات المتحدة وعميلها الشاه، وذلك في مدينة
«قم» ونحن جلوس علي أبسطة متواضعة، وهو علي منصة عالية
وبين يديه وزير الخارجية قطب زاده الذي أعدمته الثورة بعد
ذلك بتهمة ممالأة الغرب، وتلك جريمة من خطايا هذه الثورة
التي غيرت ميزان القوي في الشرق الأوسط لصالح الحركات
الوطنية التحررية المناوئة للاستعمار الجديد وعلي رأسه
الولايات المتحدة وإسرائيل، وتلك هي الزاوية التي أنظر
منها إلي سياسة طهران دون أن أغفل مساوئها وكم للثورات من
أخطاء وزلات، والخلافات السياسية بين مصر وبعض الدول
العربية طفيفة إذا قيست بما تتعرض له إيران والوطن العربي
من تهديد الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكن حل تلك
الخلافات بالوسائل السلمية، وعلي هامش المؤتمر كان تجوالنا
في شوارع العاصمة الإيرانية التي ورثت إحدي أعظم الحضارات
في التاريخ وهي الحضارة الفارسية قبل الإسلام وبعده، ويكفي
أن نذكر بعض رموزها مثل الفردوسي مبدع ملحمة الشاهنامة
وعمر الخيام العالم الفلكي الفيلسوف الشاعر صاحب
الرباعيات، والشاعر الشيرازي، والشباب الثوري الذين
شهدناهم هم ورثة هؤلاء العلماء والشعراء والمفكرين الذين
مهدوا طريق التقدم ونادوا بالإخاء بين البشر.
وقد تسقط من الذاكرة كثير من وجوه المؤتمر وتبقي وجوه
أولئك الشباب الذين تلقوا العلم في أكبر الجامعات
الأوروبية، وحين دعا الخوميني إلي الجهاد لم يتخلفوا
فانضووا تحت لوائه وهو يحرضهم من خلال خطبه التي تلقوها في
أوروبا عبر أدوات التسجيل حتي سميت تلك الثورة الشيعية
ب«ثورة الكاسيت» كانت ترتسم علي تلك الوجوه الناضرة -
وأصحابها يحملون السلاح وهم يحيطون بالسفارة الأمريكية
التي احتجزوا فيها نحو سبعمائة فرد - ملامح الإرادة
الفولاذية والاستعداد لمواجهة أعتي القوي في سبيل الدفاع
عن حرية شعبهم وكرامته، هذا الشعب الذي يخوض اليوم بزعامة
قائده نجاد معركة أخري سوف يكتب لها النصر في نهاية المطاف
رغم أنف بوش وعصابته، وليس انضمام هذا البطل إلي شباب
الثورة الإيرانية سنة 1989 إذا صح إدعاء واشنطن وصمة عار
تشينه، بل إنه وسام شرف له ولكل المناضلين الذين يراهنون
علي التاريخ فلا نامت أعين الجبناء.