يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1250 (19 أكتوبر - 26 أكتوبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

نحن أعظم عباقرة.. في إهدار الوقت!

 
 

رءوف توفيق

 

 
آخر نكتة.. أن منظمة «الأيزو» العالمية والتي تضم 156 دولة.. قررت أن تكلف مصر بإعداد مواصفة دولية لمنع إهدار الوقت (!!).والتكليف هنا، كما عبر عنه عنوان الخبر المنشور في «الأهرام» أنه خطوة غير مسبوقة (!!).
ولا أدري هنا.. هل نضحك أم نبكي؟ فنحن أعظم عباقرة في إهدار الوقت.
أساتذة متخصصون في قتل الوقت فيما لا يفيد أحدا.. أصحاب أشهر عبارة في دواوين الحكومة «فوت علينا بكرة».. وبكرة لا يأتي أبدا!!.
وتعودنا أن نحدد مواعيدنا بعبارات من نوع «نتقابل الصبح» أو «بعد الظهر» أو «في العصر».. ولا تعرف بالضبط، متي يبدأ الصبح بالنسبة لهم ومتي ينتهي.. ولا تعرف في أي ساعة يكون «العصر».. رغم أننا جميعا نحرص علي اقتناء الساعات.. نزين بها أيدينا.. وحوائط منازلنا ومكاتبنا.. ولكن نادرا ما ننظر إليها أو نحاول قراءة أرقامها.. والحياة تمضي سبهللة.. ونحن في حالة «رحرحة» لا نهائية.. وخارج حساب الزمن تماما..!.
تأمل حركة المارة في الشوارع.. ناهيك عن هواية التسكع أمام الفاترينات وأمام الباعة الجائلين الذين يفرشون بضاعتهم علي الأرصفة.. ليس بغرض الشراء.. ولكن من باب التسالي وتضييع الوقت صباحا ومساء.. موظفون وطلبة وستات بيوت يحملن أطفالهن وكأنهن في حدائق عامة.. وليس في شوارع مزدحمة بالمرور والضوضاء، يخترقون صفوف السيارات في بلادة وتناحة لكي يعبروا من رصيف إلي آخر وهم يشيحون بأيديهم ووجوههم في استنكار لأصوات كلاكسات السيارات التي توقفت عن السير من أجلهم ويسمع قائدو السيارات صيحات الغضب والاحتجاج من هؤلاء المارة الضائعين في الطرقات «مستعجلين علي إيه.. هي الدنيا طارت»!!.. فالدنيا بالنسبة لهم لا تعترف بقيمة الوقت!.
ثم.. بعد هذا كله.. تأتي مصر لتقدم مواصفات دولية لمنع إهدار الوقت؟.. كيف؟ وبأي منطق؟!
وهل فاقد الشيء يستطيع أن يقدمه؟
رئيس وفد مصر في اجتماع منظمة «الأيزو» العالمية والذي عقد أخيرا في سنغافورة.. هو الدكتور محمود عيسي رئيس هيئة المواصفات والجودة والمكلف بإعداد روشتة منع إهدار الوقت.. صرح في الخبر المنشور بالأهرام أنه بافتراض استفادة ساعة عمل واحدة فقط يوميا من كل عامل تضيف للاقتصاد المصري 5.4 مليار ساعة سنويا بدون تكلفة.. وهي بالتأكيد طاقة إنتاجية هائلة!.
والنتيجة رائعة.. ولكنها نتيجة حسابات بالورقة والقلم.. بالجمع والطرح.. وليس بمنطق الواقع الفعلي.. فالشخصية المصرية تربت علي مفاهيم المجتمع الزراعي.. حيث الوقت براح بين بذر البذور إلي جمع المحصول.. ولا شيء بينهما يستحق الاستعجال.
ولما بدأنا عصر الصناعة.. قامت المصانع وانتصبت الآلات.. ولكن لم يحدث التغيير المطلوب في شخصية الإنسان المصري.. فميراث المفاهيم الزراعية.. وفي ميراث البيروقراطية الحكومية.. كان أقوي من أي تغيير.
ولم يساعد التعليم أو الثقافة في تفكيك التركيبة القديمة لإهدار الوقت.. بل تكفل التعليم بمناهج الحشو والتكدس وغياب الرغبة في الاستكشاف والبحث عن المعلومة وأصبح الوقت مسخرا فقط لأيام الامتحانات والحصول علي شهادات النجاح.. وأصبحت أجيال جديدة من الشباب أسري لأسلوب التلقين.. والاجتهاد في آخر الوقت من العام الدراسي.. وهكذا تم اختصار العام إلي شهر واحد.. هو شهر الامتحانات.
وساهمت الثقافة في الترويج لثقافة الحكي.. وليس ثقافة المعلومات.
ثم جاء الإعلام.. ممثلا في التليفزيون.. ليزرع عادة الاسترخاء أمام الشاشة والاستغراق في الأفلام والتمثيليات والمسلسلات.. كانت التمثيلية تستهلك ساعة ونصفا.. ولأن الوقت بلا ثمن عند المتفرج.. أصبح التليفزيون يقدم له مسلسلا في سبع حلقات.. ثم تطور الأمر إلي 13 حلقة.. ثم وصل أخيرا إلي ثلاثين حلقة وأكثر.. وأغلبها حلقات من الرغي والأحداث المكررة لشخصيات تقول نفس الكلام.
وترسبت في شخصياتنا هواية الكلام.
من جلسات المقاهي.. إلي حوارات المكالمات التليفونية.. إلي نميمة مكاتب العمل في الحكومة وفي مؤسسات مجلس الشعب ومجلس الشوري والنقابات والمؤتمرات.. حتي مؤتمرات القمة بكلمات رؤساء الوفود والتي لا تضيف ولا تؤخر.. وإنما تختصم من الوقت الثمين المفروض أن يخصص لإصدار القرارات المصيرية التي تهم الوطن ككل.
كلام في كلام.. ولا شيء يتحرك للأمام.
عقارب الساعة تمضي.. ونحن في مكاننا محلك سر!.
أذكر أنني منذ سنوات قليلة كتبت مقالا بعنوان «الساعة كام» عن ضياع الوقت في جلسات مجلس الشعب بين استعراض البلاغة اللغوية والمنظرة الشخصية لبعض هواة الكلام لكي يغازل من خلالها أبناء دائرته الانتخابية.. ومصوري الصحف وعدسات التليفزيون.. ويومها طالبت الدكتور فتحي سرور بالحسم في إدارة مناقشات أعضاء المجلس للاستفادة من الوقت الضائع في إنجاز الأعمال المطلوبة والتي لا تحتمل التأخير أو التأجيل.. يومها غضب بعض أعضاء مجلس الشعب من لهجة المقال.. ونقلوا غضبهم إلي د. فتحي سرور الذي طيب خاطرهم بقوله.. إنه لن يحاسبهم علي الوقت كما تفعل مصلحة التليفونات!.
واستمر الوضع كما هو.. وفاضت محاضر جلسات مجلس الشعب بكلام الأعضاء، الذي يكررون فيه مع كل دورة نفس المعاني بنفس الكلمات.. وكأنها اسطوانة مشروخة.. وظلت في نفس الوقت مشاريع قوانين مهمة وعاجلة.. تنتظر أن يأتي دورها.. ولا يأتي الدور.. فترحل مأسوفا عليها إلي الدورة التالية.. وهكذا!!.
هل بعد هذا.. نحن قادرون علي وضع مواصفات دولية لمنع إهدار الوقت؟!.
يقول المهندس أسامة المليجي ممثل هيئة المواصفات والجودة والذي سيقوم بعرض ملامح المواصفات المقترحة علي اللجنة الدولية في بنما الشهر الحالي إن المواصفات سوف يتحدد فيها الغرض منها لصالح الصناعة والتجارة والخدمات والأدوات المستخدمة في التطبيق وعمليات التحسين المستمر ودور الإدارة العليا في التطبيق تبعا لمؤشرات القياس للحفاظ علي الوقت وسرعة الاستجابة.
وهذا التوضيح أيضا - كما نشرته جريدة الأهرام - مجرد كلام متفائل ينقصه تحديد التجربة العملية للتطبيق.. وكيف يمكن تنفيذ هذه المواصفات علي أجهزة الإدارة الحكومية التي يعمل بها 5.5 مليون عامل وموظف ومدير.. من أين نبدأ؟ ولماذا لا نقدم النموذج الفعلي في قياس الوقت بالنسبة لبعض الإدارات الحكومية المسئولة عن خدمة مصالح الجماهير.. ما هو الوقت المحدد لإنجاز أي طلب ممهور بكافة التوقيعات والأختام؟!.
وأيضا.. ما هو الوقت المحدد لإنجاز تلال القضايا المركونة في المحاكم؟!.
و الوقت المحدد لإنجاز مشاكل المستثمرين؟!.
وهل عجزت الحكومة الإليكترونية التي بشرنا بها الدكتور نظيف رئيس الوزراء بأنها ستقضي علي المعوقات وتسهل لنا الحياة.. هل عجزت عن وضع قواعد وضوابط لعدم إهدار الوقت؟!.
إن أعظم تجربة مررنا بها في تاريخنا المعاصر للتحكم في الوقت.. هي ما جري أثناء بناء السد العالي.. حيث وضعت مراحل العمل علي خريطة محسوبة بالوقت.. ولافتة ضخمة تتصدر موقع العمل في بناء السد العالي.. تشير إلي أنه تم إنجاز كذا.. وباق كذا يوما علي إتمام العمل.
وكانت هذه اللافتة عنوانا صادقا وأمينا علي كفاءة الإدارة وإحساسها بأهمية الوقت!.
وكم لافتة نحتاجها الآن أمام كل موقع حكومي.. أو مشروع صناعي.. أو مشروع لخدمة الجماهير.. أم أن نكتة منظمة الأيزو في تكليفها لمصر بإعداد مواصفة دولية لمنع إهدار الوقت.. قد سحبتنا إلي بحر من الخيال والأوهام؟!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة