تعبئة طائفية علي أوسع نطاق في العراق تنذر باقتراب شبح
التقسيم وإسقاط مركزية الدولة لحساب «أقاليم» تتمتع بسلطات
قوية وحيوية تزيد من ضعف الحكومة المركزية. أكتب هذه
السطور قبل ظهور نتيجة الاستفتاء علي مشروع الدستور في
العراق.. حتي نعرف إلي أين يتجه العراق في حالة الموافقة
عليه.
مشروع الدستور الذي طُرح للاستفتاء يؤكد علي الفيدرالية
واللامركزية ويمهد الطريق أمام انتقال اللامركزية إلي
فيدرالية موسعة، لأنه يعطي الحق للمحافظات في التحول إلي
أقاليم مع مايترتب علي ذلك من انتزاع لصلاحيات واسعة من
السلطة المركزية، وعلي سبيل المثال، فإن تعديل الدستور حق
من حقوق الأقاليم، وكذلك الأمن والأحوال الشخصية والضرائب
تندرج في إطار حق الإقليم.
.. وحتي البترول، ينص مشروع الدستور علي أنه يحق للحكومة
المركزية في بغداد أن تحصل علي عائداته، أما الاكتشافات
البترولية الجديدة.. فإنها من نصيب الأقاليم من الناحية
العملية.
وهكذا، فإن الكيان العراقي الواحد ينتقل من المركزية إلي
اللامركزية والفيدرالية.. لكي ينتقل بعد ذلك إلي التفكك،
ولا عيب في اللامركزية - في حد ذاتها - لو كانت في إطار
دولة واحدة متماسكة وسلطة مركزية واحدة تسيطر علي موارد
ثروة البلاد ويخضع لها جيش واحد وأجهزة أمنية واحدة،
ولكننا بإزاء نظام فيدرالي قوي وحكومة مركزية ضعيفة
واستقلال فعلي للكيان الكردي في شمال العراق.
فصل طائفي وعنصري وتوجد في بلاد الرافدين الآن فكرة «الفيدرالية
القومية» و«الفيدرالية المذهبية» في نفس الوقت، وتنطبق
الأولي علي العلاقة بين الأكراد والعرب، والثانية علي
العلاقة بين الشيعة والسنة.
والنتيجة المتوقعة لهذه الفكرة وتطبيقاتها هي تآكل الهوية
الوطنية العراقية، والتهديد الجدي للنسيج الاجتماعي
العراقي.
وبذلك اعتبر البيان الصادر عن «لجنة المغيبين عن كتابة
الدستور»، الذي وقع عليه 19 حزبا ومنظمة، أنه دستور «الفصل
الطائفي العنصري».
فيدراليات متعددة ومن هنا أوضحت هيئة علماء المسلمين في العراق أن هذه
العملية الدستورية الهزيلة قد مهدت لتقسيم العراق وتفتيته،
وعملت علي إخفاء هويته الحقيقية وتبديد ثرواته.
ويقول «عدنان الدليمي»، رئيس المؤتمر الوطني العراقي إن
«الفيدرالية في الأقاليم الواقعة في وسط وجنوب البلاد
مرفوضة، لأنه ليس لها أساس غير الطائفية».
وهو علي حق، لأن تطبيق الفيدرالية علي وسط وجنوب العراق
حيث توجد كثافة شيعية.. سوف يخلق فيدرالية شيعية، الأمر
الذي ستكون له أيضا انعكاسات سلبية علي المنطقة العربية
والإسلامية، وخاصة علي دول مجاورة للعراق.
نوع من ولاية الفقيه ويري المفكر العراقي إياد جمال الدين، وهو من كبار
المثقفين والشعراء والسياسيين أن مشروع الدستور يؤسس لنظام
ولاية الفقيه من نوع جديد، لأنه ينص علي تكوين محكمة
اتحادية عليا من خبراء في القانون وفي الفقه الإسلامي تملك
حق النقض لقوانين يسنها البرلمان العراقي «وهو نص مستنسخ
من الدستور الإيراني حيث تعرف هذه الهيئة التي تملك حق
إلغاء القوانين باسم مجلس صيانة الدستور، مما يعني أن
أشخاصا غير منتخبين لهم حق الفيتو ضد قرارات أشخاص
منتخبين».
ويسجل إياد جمال الدين ملاحظة مهمة أخري علي مشروع الدستور
وهي أن وزارة المالية - وهي من الوزارات السيادية في
الحكومة الاتحادية ببغداد - ستكون من الوزارات الهامشية إذ
تقتصر مهمتها علي التنسيق بين وزارات المالية في الأقاليم
التي ستقرر ميزانياتها!.
وحتي صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، قالت في مقالها
الافتتاحي بتاريخ 23 أغسطس الماضي إن مشروع الدستور
العراقي «لا يشجع فرص قيام عراق موحد ومسالم».
نشاط إسرائيلي وكلنا نعرف أن الديمقراطية والطائفية لا تتفقان، بل
تناقض إحداهما الأخري.
ولكن ما يجري الآن في العراق هو أن كلمات شيعي وسنّي
ويزيدي وصابئة إلي جانب كلمات كردي وتركماني وأشوري
وكلداني.. حلت محل كلمات ليبرالي ويساري وقومي واشتراكي..
كما أصبحت المرجعيات الدينية هي صاحبة القرار، ولذلك يأخذ
الصراع الطائفي مداه، حيث لم يعد الدين مفصولا عن الحكم.
ويجري ذلك كله وسط نشاط إسرائيلي متزايد في العراق، وسبق
لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن نشرت مقالا للكاتب
الإسرائيلي «بوعز جاوون» تحت عنوان «قواتنا في العراق»،
أكد فيه كل المعلومات التي ترددت حول الوجود الإسرائيلي في
العراق، وقال صراحة إن إسرائيل «دخلت العراق لتأخذ حصتها»،
وبطبيعة الحال، فإن هذا النشاط يجري تحت غطاء وحماية سلطة
الاحتلال في بغداد.
فرق تسد ولا جدال في وجود قومية كردية لها حقوقها التي يجب
احترامها، ولكن كل من يزور كردستان العراق ويتجول في
أنحائها يقتنع بأن الكيان الكردي «المستقل» لا تتوافر له
مقومات الحياة، وأن المصلحة الحقيقية للأكراد تكمن في
تمتعهم بكل حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية
والاجتماعية في إطار العراق الواحد الموحد الغني بثرواته
بدلا من تقسيمه وإضعافه وتبديد ثرواته.
ولكن سياسة «فرق تسد» -وهي من مخلفات الاستعمار القديم -
هي التي يجري تطبيقها.. وقد رأينا كيف تعرضت مساجد هذه
الطائفة أو تلك للهجمات والتفجيرات، والهدف واضح وهو تحريك
عوامل الفرقة والانقسام وتأليب العراقيين ضد بعضهم البعض
حتي تشتعل الحروب الدينية الطائفية والعرقية والقومية بين
العراقيين أنفسهم بدلا من توحدهم لمقاومة الاحتلال.
وتزداد أخطار التقسيم في العراق بعد أن دمر المحتلون
الدولة العراقية، وقاموا بحل الجيش العراقي، وتحالفوا مع
قيادات طائفية ضد أخري.
نوايا معروفة وكانت النوايا واضحة منذ أن انعقد في لندن في ديسمبر
عام 2002 مؤتمر حول العراق قبل الغزو الأمريكي بثلاثة أشهر
لإقرار مبدأ الفيدرالية، وشهد المؤتمر حضورا شيعيا قويا
بفضل تنسيق أمريكي - إيراني تحت إشراف أحمد الجلبي، العميل
العراقي الشهير للمخابرات الأمريكية.
ولوحظ أنه وردت في البيان الختامي للمؤتمر عبارة «الأغلبية
الشيعية في العراق»، بدلا من «الأغلبية العربية في
العراق».
إذن.. فإنه كان ثمة إصرار أمريكي واضح علي زرع بذور
التفرقة المذهبية في العراق، وتحييد إيران حتي لا تعرقل
الاحتلال الأمريكي لوادي الرافدين.
ولا يفوتنا أن نذكر أن من أبرز أعضاء الوفد الأمريكي، الذي
تولي مراقبة أعمال مؤتمر لندن، المشار إليه، «زلماي خليل»
الذي يشغل حاليا موقع السفير الأمريكي في بغداد، والذي يقف
وراء صياغة مشروع الدستور.
وجاء وقت في شهر أغسطس الماضي طلب فيه الممثل الأقوي
للشيعة عبدالعزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلي للثورة
الإسلامية، التقسيم.. صراحة وصدر هذا الاقتراح في ذروة
المفاوضات المتعثرة حول صياغة مشروع الدستور.
فإذا كان هذا هو موقف عبدالعزيز الحكيم في نفس الوقت الذي
تعتبر فيه قيادات كردية أن الاحتلال الأمريكي «فرصة
تاريخية» لنيل الاستقلال في الشمال.. فإن الخطر يتصاعد
ويتصاعد وتصبح وحدة العراق علي المحك.
وتكتنف حملات التضليل كل ما يتعلق بمشروع الدستور، فقد جري
التصويت عليه في استفتاء عام.. دون أن تعرف غالبية
العراقيين عن هذا المشروع سوي اسمه فقط، فهي لم تطلع علي
بنود أو فقرات المسودة، ولا علي ما سمي ب «التعديلات التي
أدخلت علي المشروع».
والضغوط كانت مخيفة، واستهدفت - في المقام الأول - تقسيم
صفوف السنّة.
وقد أسفرت الضغوط الأمريكية عن تراجع الحزب الإسلامي
«الإخوان المسلمون» عن معارضته لمشروع الدستور بزعم أن
هناك تعديلات أجريت علي المشروع، وهكذا تم تقسيم صفوف
السنة وتشتيت أصواتهم.
والحقيقة أنها كانت تعديلات شكلية لا تقدم ولا تؤخر.
بلا هوية
أما عن هوية العراق العربية، فإن النص في المشروع يكتفي
بأن يذكر بأن العراق «بلد متعدد القوميات والأديان
والمذاهب وعضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم
بميثاقها، وهو جزء من العالم الإسلامي».
إذن.. فالعراق مجرد عضو مؤسس وفعال في الجامعة العربية،
ولكنه ليس جزءا من الأمة العربية، لأنه يضم قوميات وأعراقا
وطوائف أخري!.
وماذا عن إقليم «عربستان» في إيران إلي جانب الأكراد
وعشرات الطوائف الأخري؟ لماذا تحتفظ إيران بهويتها
الفارسية رغم ذلك؟
الإجابة عن هذا السؤال معروفة، فالمطلوب ليس فقط تدمير
دولة العراق وتقسيم العراق وتفجير صراعات بلا نهاية بين
قومياته وطوائفه، وإنما فصله نهائيا عن الأمة العربية بعد
تمزيقه وتغيير خريطته.
وهذا ما يفسر الحملة المسعورة التي شنت في وسائل إعلام
عراقية ضد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي لمجرد
أنه تحدث عن هوية العراق العربية.