كان الخميس الماضي هو اليوم الموعود، يوم العودة إلي
الجذور، إلي مسقط رأسي في ميت العز دقهلية، فمنذ عشر سنوات
اتفقت عائلتنا «آل خليل أو الخلايلة» علي أن يلتقي كل
أبنائها علي إفطار جماعي في الخميس الثاني من رمضان كل
عام، وطبقت العائلات الأخري نفس الفكرة، لذلك أصبحت ميت
العز تعيش عيدا في الخميس الثاني من رمضان، تعود الطيور
المهاجرة إلي العش من كل مكان: القاهرة، المنصورة،
الإسكندرية، طنطا، تتناول كل عائلة الإفطار علي مائدتها،
وبعد صلاة العشاء والتراويح تبدأ الزيارات المتبادلة بين
العائلات.
صلة رحم ومودة وتآلف وتزاور وتعارف تلك نفحات الشهر
الكريم.
هذا العام حدث ما عكر الصفو وقلل البهجة فقد حل موسم ضم
الأرز وبدأت حرائق قش الأرز في الحقول، تحول زمازم القرية
والقري المجاورة إلي محرقة كبري، نار موقدة تمتد إلي الأفق
تجتاح الحقول كالثور الهائج وثنفث دخانها الأسود في عنان
السماء0 تلك هي منابع السحابة السوداء، سألت الفلاحين
لماذا تحرقون القش؟ قالوا إنهم يحرقون القش رغم فرض غرامة
لأن الدولة لم توفر بديلا آخر، قلت: وماذا عن المكابس؟
أجابوا: دي مهزلة كبيرة هي فين المكابس؟ علينا أولا أن
نقدم طلبا في أجا علي بعد أكثر من أربعين كيلو مترا لحجز
دور للمكبس، ثم ندفع 20 جنيها عن الفدان زائد الحبال
والعمال، وقد لا تأتي المكنة في الميعاد، فتضيع علينا
الزرعة الجديدة.
إذن الحل هو الحرق، هل هذا معقول؟ المثل يقول إذا أردت أن
تطاع فأمر بما يستطاع، وهؤلاء الفلاحون الغلابة هم عباد
الله وليسوا عبيد الحكومة أو عبدة النار، ومن مصلحتهم أن
يستفيدوا من كل قشة أرز، والمشكلة ليست فيهم بل في الحكومة
التي تصدر الفرمانات وتفرض الغرامات وتفتح السجون
والمعتقلات بدلا من أن تقدم حلولا للمشكلات، والسحابة
السوداء تطل علينا كل عام فتسود سماءنا وتنهش رئاتنا، ولا
نسمع من الحكومة إلا التصريحات، فأين وزارة الزراعة؟ وأين
وزارة شئون البيئة؟ وأين وزارة الحكم المحلي؟ وأين
أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا؟ وكيف تعجز كل هذه
الأجهزة عن حل مشكلة حرق قش الأرز؟.
قش الأرز يمكن أن يكون نعمة، لكنه حتي الآن نقمة، من قش
الأرز يمكن صناعة الورق، وما يقوم علي الورق من تعليم
وصناعة وتجارة ومن القش يمكن صناعة السماد، وما يقوم علي
السماد من نقل وزراعة وصناعة، ومن قش الأرز يمكن صناعة
الخشب، وما يقوم علي الخشب من تشييد وتأثيث وعمارة،
والسماح بحرق قش الأرز نكران للنعمة وهدر للموارد فيه
إهدار لعرق ملايين الفلاحين وتدمير لصحة ملايين المواطنين.
إذن هي مشكلة قومية، أدعو أهل الرأي والخبرة للمساهمة معنا
في حلها.
وللوزراء المسئولين أقول: استقيلوا يرحمكم ويرحمنا الله،
واكفوا الفلاحين شر غراماتكم والمواطنين شر تصريحاتكم.