أعلنت وكالة الأنباء السورية يوم الأربعاء الماضي 12
أكتوبر 2005 أن اللواء غازي كنعان وزير الداخلية السوري
انتحر في مكتبه بدمشق بإطلاق رصاصة من مسدسه الخاص في فمه،
وأهمية غازي كنعان في النظام السوري لا تأتي فقط من منصبه
الوزاري وإنما من دوره والمسئوليات التي تولاها منذ تخرجه
في الكلية الحربية عام 1965.. فقد لعب دورا بارزا في نهاية
الستينيات وفي الحركة «التصحيحية» التي قام بها الرئيس
حافظ الأسد عام 1970، ومن ثم عهد إليه برئاسة المخابرات
السورية في المنطقة الوسطي، وتصدي للعمليات التي قام بها
«الإخوان المسلمون» ضد نظام البعث في سوريا وضد الخبراء
السوفييت، وعهد إليه حافظ الأسد بعد ذلك برئاسة «جهاز
الأمن والاستطلاع» في لبنان منذ عام 1982، واستمر في موقعه
لمدة 20 عاما حتي عام 2002 ، وينسب إليه القيام بدور رئيسي
في رفض مجلس النواب لاتفاق 17 مايو 1983 بين لبنان
وإسرائيل وإسقاطه، وكان من القيادات البعثية السورية
القليلة التي عارضت قرار دمشق بالتمديد للرئيس اللبناني
إميل لحود، وهو التمديد الذي أدي إلي أزمة سياسية خطيرة في
لبنان بلغت ذروتها باغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان
في 14 فبراير وخروج القوات السورية من لبنان بعد شهرين من
اغتياله0 وكان كنعان - كما يري عديد من المراقبين - وراء
انتفاضة 6 فبراير 1984 ودعم المقاومة وحزب الله وإيجاد
علاقة بين الحزب والدولة اللبنانية، وقبل ذلك نفذ رغبة
الرئيس حافظ الأسد بالتمديد للرئيس اللبناني إلياس الهراوي
عام 1995، والتحضير لانتخاب الرئيس إميل لحود خلفا له عام
1998.
ورغم الإعلان الرسمي عن انتحاره، فهناك من يشكك في هذه
الرواية0 غير أن هناك من يلفت النظر إلي أن الرئيس بشار
الأسد صرح منذ أيام لموقع «سي. إن . إن» بالإنجليزية أنه
في حال تضمن تقرير القاضي الألماني «ديتليف ميليس» رئيس
لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري أي تورط لسوريين
فإن هؤلاء سيعتبرون خائنين وسيحاكمون بالخيانة العظمي
وسيلاحقون أمام محاكمة دولية أو القضاء السوري.
ويثير الانتباه أن الإدارة الأمريكية أعلنت علي لسان مسئول
كبير في الخارجية أنها «ستزيد الضغوط السياسية» علي
الحكومة السورية بعد صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية في
جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري .. وأن الوقت حان
لمحاسبة بعض المسئولين في النظام السوري لأفعال «بائسة»
ارتكبوها سابقا.. وقالت صحيفة «فايننشيال تايمز» إن ستيفن
هادلي مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جورج بوش ينسق
مشاورات مع حلفاء الولايات المتحدة بشأن نظام حكم في سوريا
بديل للنظام الحالي، وتنظر واشنطن في توجيه ضربات عسكرية
علي الحدود السورية، وتحدث ديفيد وولش عن قلق أمريكا مما
وصفه «بتدخل سوريا في العراق ولبنان والصراع الإسرائيلي -
الفلسطيني و«هذه قضايا صعبة جداً ونحن نطلب من الحكومة
السورية عدم التدخل في مثل هذه القضايا»!! ويدفع المحافظون
الجدد في الإدارة الأمريكية في اتجاه التآمر علي سوريا حتي
لو قاد إلي الفوضي والتي يسمونها «الفوضي البناءة»!.. وقد
جمدت الحكومة الأمريكية في يونيو الماضي أرصدة غازي كنعان
والعميد رستم غزالة رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري
السابق في لبنان .. إذا وجدت هذه الأرصدة في الولايات
المتحدة بحجة مشاركتهما في المساعدة فيما سمته الإرهاب
وزعزعة استقرار المنطقة.
وفي ظل هذه الأوضاع المعقدة لا يمكن النظر إلي «انتحار»
اللواء غازي كنعان بعيدا عن هذه الظروف جميعا، وسيظل
اختفاء كنعان مسألة محل تساؤلات عديدة كما حدث من قبل عند
انتحار عبد الكريم الجندي مدير المخابرات السورية الأسبق
ومحمود الزغبي رئيس وزراء سوريا الأسبق، وعبد الحكيم عامر
في مصر وسعيد عبيد في سوريا.