ارتكز عمل «هارولد بنتر» رجل المسرح والشاعر البريطاني
الذي حصل علي جائزة نوبل للآداب قبل أيام علي محور أولي هو
التهديد الدائم وتوقع الكارثة التي ربما لا تحدث لكنها
قابعة هناك في مكان ما من العلاقات الاجتماعية حتي إن
نذرها تتوغل في أعماق الكائن البشري فتنتج حالة من العنف
المكتوم والغموض المنذر المشحون المملوء بالفجوات والذي
يقود المشاهد والقارئ من أكثر من باب إلي التأمل في خواء
البورجوازية وتآكلها المعنوي العظيم رغم الثراء المادي
الفاحش والقوة المهيمنة.
انتمي «بنتر» الذي نشأ في أسرة للطبقة العاملة في حي لندني
فقير إلي تيار الغضب اليساري النزعة في المسرح والثقافة
الإنجليزية عامة، وتأثر بكل من - مسرح بريخت الملحمي ومسرح
اللامعقول، وقد نشأ في أحضان الحرب العالمية الثانية كنوع
من الردود علي فظاعة الحروب وافتقارها للمنطق، وتجادل هذان
التياران لينتجا حالة جديدة تماما جسدها «بنتر» الذي نقل
مسرح اللامعقول ليضعه في إطار اجتماعي شديد الرهافة ومخفي
معتمدا علي شعر الحياة اليومية بثرائه غير المحدود كنبع لا
ينضب مع الحوار المشحون المقتضب المصفي الغامض الذي هو
تقنيته الرئيسية أو لعبته كما يقول أحد النقاد، خاصة حين
يبلور «بنتر» الأفكار الوجودية عن نزاعات الإنسان مع ذاته
ومع العالم في إطارها الخاص بالطبقة العاملة حيث تتفجر
السخرية الحارقة ومزيج من القسوة والغموض والصمت المشحون
المتعدد الدلالات والمعاني، ويكون علي مشاهد أعماله أو
قارئها أن يتتبع بنفسه أو حتي يبتكر لنفسه الدوافع التي
تبدو مجهولة لظهور شخصية أو أخري داخل الحدث، أو التورط في
سلوك ما «وهناك سبب آخر للألغاز والتعمية في البناء
المسرحي لبنتر هو اعتقاده أن من الصعب في العصر الحديث،
وسط حمي الاكتشافات العلمية والنفسية أن يفهم الإنسان
دوافع سلوكه وأسباب تصرفاته فهما قاطعا، دع عنك أن يفهم
سلوك ودوافع الآخرين» كما يقول المسرحي الراحل محسن مصيلحي
الذي التهمه حريق بني سويف، وكان قد درس المسرح الإنجليزي
دراسة وافية.
ويرد «مصيلحي» علي سؤال جوهري آخر هو لماذا لا يحدد بنتر
في كثير من الأحيان زمانا ومكانا لأعماله التي تدور
أحداثها غالبا في غرف ضيقة فيقول: «إن كل ما يعنيه هو
إظهار تعسف السلطات - أيا ما كانت هذه السلطة سياسية أو
فنية أو دينية أو حتي ثورية - وممارستها الإرهاب ضد الفرد
المنعزل جغرافيا ونفسيا وتاريخيا، أي النظر إلي الإنسان
كإنسان».
ويري "مارتن إيسلن" ناقد ومؤرخ المسرح المخضرم: أن مسرح
"بنتر" هو مسرح سياسي راديكالي بأعمق وأشمل معني .. وقال
مانحو الجائزة إنه اقتحم غرف القمع الصماء، وقال عنه قاموس
أكسفورد للمسرح المعاصر إنه كشف في بنية أعماله ذاتها عن
الافتقار إلي التواصل بين البشر والاغتراب، أما هو فقال عن
نفسه: «أحس بروح الموسيقي باستمرار خلال الكتابة » وبوسع
قارئه أن يتعرف علي هذه الروح خلف الثرثرة الظاهرية
وبراءتها المفخخة إذا جاز التعبير «فإننا لن نلتقي أبدا»
كما يقول بطل مسرحية الخيانة لصديقته.
ونستطيع نحن المثقفين العرب أن نستخلص من عبرة حياة وفن
«هارولد بنتر» الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.. ردا علي سؤال
ما يزال مؤرقا حول: هل الانشغال السياسي للفنان لابد أن
يتحول في إبداعه إلي شعارات، أم أن بوسع الفنان الأصيل أن
يكون مبدعا حقيقيا ينشيء تركيبات مذهلة في فرادتها وعمقها
وهو يمارس انتماءه السياسي في الوقت ذاته ويترجمه في مواقف
وأفعال.
رفض بنتر في أول حياته أن يلتحق بالخدمة العسكرية، وانتمي
إلي منظمة العفو الدولية دفاعا عن الحريات في العالم، وعمل
- وهو المنحدر من أصل يهودي - بنشاط مع مجموعة من المعادين
للتسلح النووي للإفراج عن النووي الإسرائيلي موردخاي
فانونو الذي كشف عن وجود الترسانة النووية لإسرائيل وانتمي
إلي منظمة العلم الدولي، وزار مع «آرثر ميلر» تركيا وهناك
تعرف علي قضية الأكراد وكتب عنها مسرحيته «لغة الجبل»
برهافة وعمق دفاعا عن حق الشعب الكردي في ثقافته ولغته
وقوميته واستقلاله.
واتهم كلا من توني بلير وجورج بوش أثناء العدوان علي
العراق بأنهما مجرما حرب، ورفض عرضا من رئيس حكومة
المحافظين «جون ميجور» بتقليده وسام الفروسية وهو الذي كان
قد وجه أعنف النقد لسياسات مارجريت تاتشر ولكل السياسات
الإمبريالية.
ولم يتردد في هذا الصدد أن يكتب قصيدته شديدة المباشرة في
هجاء الإمبريالية الأمريكية مفعمة أيضا بالسخرية بعنوان
«فليحفظ الله أمريكا»:
ها إنهم يذهبون ثانية
جنود اليانكي في موكبهم المصفح
وهم يرددون أغنياتهم المرحة
ويعدون علي امتداد العالم الكبير
ممجدين سلطان أمريكا
يوجد في وطننا العربي مسرحيون كثر في قامة «هارولد بنتر»
ومنهم من يتجاوزه، لكن الحرية المتوافرة للعرب لا تكفي
واحدا منهم، وقد حاصرهم التدهور كما حاصر كل ما هو جميل
وواعد في حياتنا.