يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1250 (19 أكتوبر - 26 أكتوبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

صفحة من تاريخ مصر

 
 

مصر بين نوعين من الحرامية (2)

 
 

د.رفعت السعيد

 

 
ونعود إلي قصص الشطار والعيارين.. والزعر.. نعود أساسا إلي سيرة «علي الزيبق المصري» أحد الأبطال الملحميين الذين تغني الشعب المصري بشطارتهم ومقالبهم وقدرتهم علي مواجهة الظلم ورد الحقوق لأصحابها، نعود إليه وقد تغلب علي مقدم الشرطة الظالم صلاح الدين، وحل محله ليقيم العدل ويسير في الناس سيرة ترفض الظلم.
لكن ما هو العدل في مفهوم هذه السيرة الشعبية التي لا مؤلف لها وإنما هي نسيج ملحمي ينبع ويتراكم من الوجدان الشعبي، هذا الوجدان يترجمه المفهوم الشعبي في صورة وصية قالها هارون الرشيد لأولاده الأمين والمأمون والمعتصم بعد أن جمعهم بين يديه وقد شعر بدنو أجله فقال «ضعوا الأشياء في محلها، والمناصب في أيدي أهلها، ولاسيما الولاة وأرباب الوظائف الكبار، فينبغي أن يكون هؤلاء من أهل الفضل والكمال، موصوفين بالاستقامة والأمانة، وأن يكون مشهود لهم بالحلم وصدق الديانة، ولا يميزون بين الحقير والشريف، ولا يظاهرون القوي علي الضعيف، فيهابهم جميع المأمورين، ويقتدي بهم باقي المستخدمين، فإذا كانوا علي هذه الحالة، تستقيم أحوال الرعية، فترعي الذئاب مع الغنم، أما إذا كانوا علي خلاف هذه الأوصاف مائلين إلي الانحراف، لا يبالون بمنافع الخلق، ولا يفعلون، ما يقتضيه الحق، بل يصرفون الأوقات بالملاهي والملذات، ويسمعون كلام الوشاة، فسوف تضطرب الأحوال، ويقع الاختلال، ويكون سببا لضرر البلاد عوض الإصلاح، وتقمع العباد، فيضيع الحق والإنصاف، ويكثر الجور والاعتساف، فيسقط شرف الخلافة بعد علو الشأن، ويعلو فوقه الذل والهوان» (ج1 - ص43).
هذه الوصية المثالية والتي تكاد أن تكون دستورا للحكم الرشيد، دستور صاغته طموحات الشعب وأحلامه ونسجته عذاباته، كتب ونشر ولا تعرف له صاحب، إنها أنفاس الشعب تجمعت حروفا وكلمات، إن قراءتها ومعاودة قراءتها تحدد لنا طبيعة الحكم الرشيد الذي يرتضيه الشعب، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل فلنعاود قراءتها مرات ومرات ولنعمل من أجلها كدستور حقيقي، لأنه دستور شعبي صنعه الشعب.
هذا الدستور يري المنظور الشعبي أنه واجب النفاذ ليس فقط علي مقدم الشرطة أو صاحب المقام أو الكتخدا ولا غيرهم من كبار رجال الدولة وإنما هو واجب النفاذ في حق الوالي، وفي حق الخليفة، وهكذا نقف منبهرين من راوي هذه السيرة وهو يوقف علي الزيبق المصري في مواجهة الوالي «العزيز» ليصيح كأسد ترتجف من هوله القلوب «يا ملك أنت تظلم الناس وتقتلها من غير ذنب وأنا أقع بالعذاب لأجل شهواتك الردية، أما تعلم أنني أخذت المقام رغما عن الأعداء والأخصام؟ ولولا ما يقول الناس أن الزيبق تعدي، وبالفساد تبدي، لقطعت رأسك بهذا الحسام» (ج1 - ص249).
إنه صوت الشعب، أو لنقل حلم الشعب إذ يحلم بقائد شجاع لا يهاب الموت يواجه الحاكم الظالم ويجبره علي الانصياع لإرادة الشعب، ويكمل راوي السيرة أحلام الشعب إذ يخضع الملك لإرادة العدل الشعبي وتواصل السيرة حكاية خضوع الملك وفقا لحلم شعبي ممتد، فنقرأ «ثم إن الملك أتاه الخوف والوجل، وأيقن بحلول الأجل وقال بجيرتك يا مقدم علي» وطلب منه الصفح، ووعد بأن يسير في الناس سيرة العدل، وهكذا استقام الحلم الشعبي واكتمل أن يخضع الحاكم لمطلب الجماهير بالعدل ومحو الظلم.
ونعود إلي الدستور الجماهيري.. الذي نسجته أحلام الجماهير عبر أجيال متعاقبة.. نطالعه ونعاود مطالعته لنكتشف أنه لم يزل حلما ولم يتحقق، أو بالدقة نكتشف أنه وإن كان قد تحقق في زمان ما، فقد تراجع الحلم وأصبح علي أيدي حكامنا الحاليين وهما، فلا المناصب في أيدي من هم أهل لها، ولا الولاة وأرباب الوظائف الكبار من أهل الفضل والكمال، ولا هم موصوفون بالاستقامة والأمانة، وهم علي عكس المراد يظاهرون القوي علي الضعيف، وهم لا يبالون بمنافع الخلق، ولا يفعلون ما يقتضيه الحق.. وهكذا تضطرب الأحوال ويقع الاختلال.
.. ويا للعجب وكأن أحدهم طالع هذا الدستور الشعبي المجسد للحلم الجماهيري ثم يحكم أمره ويستقر رأيه علي أن يفعل وتماما عكس ما أراد الشعب في حلمه الأبدي الجميل.
.. وهكذا يفرض علينا الشاطر علي الزيبق أن نفكر وبعمق في الفارق بين زمانين، زمان كان فيه «حاميها حراميها» وزمان أصبح فيه «حراميها حاميها».
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة