أنجيلا ميركل هي الزعيمة الحقيقية لحركة «كفاية»..
الألمانية.
أنجيلا ميركل.. التي أصبحت أول سيدة تتولي منصب المستشار
في ألمانيا.. هي زعيمة حركة «كفاية» الألمانية.. بلا
منازع!.
قالت لهونيكر.. كفاية.. وأطاحت به!.
كما قالت لهيلموت كول.. كفاية.. وألقت به إلي الظل!.
قامت بثورة في شرق ألمانيا!.
وقادت الانقلاب في غرب ألمانيا!.
والهدف في الحالتين: إزاحة هونيكر الذي استمر يحكم البلاد
18 سنة متواصلة.. ثم إزاحة كول الذي استمر يحكم ألمانيا 16
سنة.. بلا انقطاع!.
والهدف في الحالتين.. كان تجديد دماء النخبة الحاكمة..
وإتاحة الفرص أمام أجيال الشباب لتعبر عن نفسها.. وعن
مشاكلها.. وعن تصورها لأفضل أساليب حلها.
كانت أنجيلا تسعي لوضع نهاية لتحول الحكومات إلي بيوت
للمسنين!.
في الحالة الأولي قادت «حركة كفاية» في الشارع في شرق
برلين.. وفي الحالة الثانية قادت حركة كفاية.. وهي في قمة
السلطة.. ومن داخل أروقة الحكم.. في ألمانيا الموحدة.
في المرة الأولي.. كانت مجرد شابة تبلغ من العمر 34 سنة.
وفي المرة الثانية.. كانت تشغل منصب السكرتير العام للحزب
المسيحي الديمقراطي!.
ومنذ أيام.. أصبحت أول سيدة تتولي منصب المستشار في
ألمانيا.
أصبحت أقوي سيدة في العالم.
أقوي من زوجة الرئيس «بوش» شخصيا.
وكان وصولها لمنصب المستشار.. بعد قيادتها لحركة كفاية في
الشرق وفي الغرب.. رسالة موجهة إلينا.. وإلي حكامنا..
وأصحاب الحل والربط عندنا.
وهي تجربة.. لأي دولة تسعي للحاق بركب الديمقراطية والتقدم
والتغيير.. من فوق.. ومن تحت!.
تعالوا نقترب من «البنت».. ومن التجربة.
أنجيلا ميركل فتاة عادية.. لا يزيد جمالها عن أية ربة بيت
مصرية مضي علي زواجها خمس سنوات، خرجت كواحدة من بنات
جيلها تشترك في مظاهرات كفاية التي اجتاحت ألمانيا الشرقية
للمطالبة بإنهاء نظام إيريك هونيكر.. الذي استمر يتمدد علي
سرير السلطة 18 سنة متواصلة!.
خرجت مع الملايين تطالب بإنهاء سيطرة المسنين علي مقاليد
الحكم.. وتندد بالزعيم الواحد.. والرأي الواحد.. وشغل رجل
واحد لمجموعة من المناصب المهمة.
خرجت تندد بالشمولية.
كانت الشعارات في مظاهرات كفاية الألمانية تتلخص في تغيير
ما يسمي بـ «نظام هونيكر».. الذي استمر 18 سنة متواصلة..
انفصل خلالها عن الواقع.. ولم يعد لأجيال الشباب فيه أي
مكان!.
باختصار شديد أقول إن أنجيلا ميركل من الجيل الذي صنع
الوحدة الألمانية.. وحطم سور برلين.. وأطاح بنظام هونيكر..
ووضع كل الشخصيات التي صافحته.. في السجون!.
كل من صافح هونيكر.. دخل السجن!.
ودارت الأيام.. وتحققت الوحدة الألمانية.. وجرت أول
انتخابات علي مستوي الألمانيتين سنة 1990.
ودخلت أنجيلا ميركل هذه الانتخابات.. مرشحة من الحزب
المسيحي الديمقراطي الذي كان يرأسه أيامها.. هيلموت كول.
كانت انجي تتحدث بـ «لثغة».. وبحماس.. وتدافع عن أفكار
تيار اليمين.. الذي يمثله الحزب المسيحي الديمقراطي وتفند
أفكار حزب الديمقراطية الاشتراكية.. الذي قام في ألمانيا
بعد انهيار السور.. ووصفته بأنه استمرار لـ «نظام
هونيكر»!.
المهم..
انتهت الانتخابات وفازت أنجيلا ميركل.. وأصبحت عضوة في
البوند ستاج.. أي البرلمان الموحد!.
كما فاز حزبها المسيحي الديمقراطي.. بزعامة هيلموت كول!.
أصبح كول مستشارا للمرة الثالثة علي التوالي (سنة 1983
وسنة 1987 وسنة 1990).. وبات عليه تشكيل الحكومة الجديدة..
بشكل يعكس الوحدة الألمانية.. بضم وجوه جديدة من ألمانيا
الشرقية «سابقا»!.
وبعيون المخرج السينمائي الذكي.. وقع اختياره علي أنجيلا
ميركل.. لتكون عضوا في أول حكومة ألمانية بعد الوحدة..
باعتبارها فتاة صغيرة.. تمثل الجيل الجديد.. ومن ألمانيا
الشرقية.. وأنها من الجيل الذي حقق الوحدة الألمانية.
كانت الديكور المناسب لظهور «حكومة الوحدة» بشكل يعكس هذه
الوحدة.. واختار لها كول.. وزارة صغيرة.. هي وزارة الصحة
وشئون الأسرة!.
وهو اختيار يعكس نظرة رجال الحزب.. وهيلموت كول «شخصيا»
لدور المرأة في الحياة.. وهو مسئولية المرأة عن الأسرة..
والإنجاب وزيارة الكنيسة يوم الأحد!!.
المرأة مسئولة عن الأسرة.. وليس الاقتصاد أو الدفاع أو
الخارجية.. إلخ.
وهكذا بدأت انجي.. رحلة الصعود.. وسط عصابة من الرجال
العتاولة.. الذين يلعبون بالبيضة والحجر!.
إنهم رجال الحزب المسيحي الديمقراطي.. الذي يوصف بأنه «دير
الرجال».
وكان المفروض أن تستمر «انجي» في تولي الوظائف المتعلقة
بالأسرة.. وأن تقوم بدور «الرمز» في كل وزارة «مرة»
باعتبارها «امرأة».. ومرة باعتبارها من شرق ألمانيا..
وممثلة لجيل الشباب.
وهذا هو ما حدث بعد فوز حزبها في انتخابات سنة 1994.
استمر كول مستشارا للمرة الرابعة.. واستمرت انجي في موقعها
كوزيرة للأسرة.
كان كول يشير إليها بـ «الآنسة»!.
الآنسة الوزيرة!.
أما هي فكان لها رأي آخر.
كان رأيها أن هيلموت كول أمضي في السلطة مدة طويلة تصل إلي
16 سنة.. وأن علي الحزب أن يرشح شخصا آخر في انتخابات
1998(!!).
هي تقود ثورة!.
إنها آنسة متمردة!.
بل إن انجي بدأت تستخدم تعبيرا.. يستخدم في ألمانيا
«الغربية» لأول مرة وهو «نظام كول»!!.
نحن نفهم أن يوصف نظام ما.. لا يصل زعيمه بالانتخابات
الحرة بأنه نظام فلان أو علان.
أما أن يوصف نظام ديمقراطي بأنه «نظام كول» فهذا كثير!.
كانت جملة «نظام كول» تثير أعصاب المستشار الألماني وتجعله
«يبربش» بعيونه.. وهي من علامات غضبه الشديد!.
المثير في الموضوع أن خصوم هيلموت كول.. الذين كانوا
يتظاهرون بالولاء الشديد له.. وبأنهم أقرب رجاله.. كانوا
يشجعون الفتاة القادمة من ألمانيا الشرقية علي انتقاد
رئيسهم.. وأن تقول له في جلسات الحزب «كفاية»!.
كانت تقول له «كفاية»!.
وكان كل طامع في السلطة.. يستخدم «انجي» في النطق بآراء لا
يتجاسر أحد في الحزب علي النطق بها.
وعندما يبدي كول غضبه من آراء «انجي».. كانوا يقولون له
ببساطة:
استحملها.. يا ريس.. دي عيلة.. مش فاهمة حاجة!!.
وكان كول يكظم غيظه.. ويسكت.. سكوت الصابرين!.
***
في جلسة خاصة في أوائل الثمانينيات روي هيلموت كول القصة
التالية:
زرت المستشار كونراد أيناور في منزله في «بون» بعد هزيمته
في الانتخابات.. وانحسار الأضواء عنه.. وانفضاض أقرب
الأصدقاء عن مجلسه.. وعزوفهم عن مجرد السؤال عنه.
زرته من باب المجاملة.. هكذا قال كول.
ولاحظت أن أديناور يشكو غدر الأصدقاء وقال لي:
تركوني.. كالكلب!.
فقال كول.. لأديناور ليهديء من خاطره:
- هل تريد تكريما أكثر من وقوف أعضاء البرلمان تحية لك..
عندما أشار رئيس البرلمان إلي أنك قدمت الكثير من أجل
الوطن.. ماذا تريد أكثر من ذلك؟!.
كانت تلك هي رواية كول.. كما سمعتها منه.. وهزتني أيامها..
كما تهزني اليوم كلمة أديناور:
تركوني كالكلب!.
22 سنة كاملة لم تفارقني كلمات أديناور لهيلموت كول..
«تركوني.. كالكلب»!.
ودارت الأيام.. ولقي هيلموت كول الهزيمة في الانتخابات
التي جرت سنة 1998 ولم يتركه أعوانه كالكلب.. كما تركوا
أديناور.. وإنما طاردوه مطاردة الكلاب للفريسة.
بات أشبه بيوليوس قيصر.. عندما كانت توجه إليه الطعنات من
أقرب أصدقائه.. وفي مقدمتهم بروتس!.
كان بروتس في مأساة كول هو صديقه شويبلة زعيم المجموعة
البرلمانية للحزب المسيحي الديمقراطي.. في البرلمان.
كان شويبلة يطمع في منصب المستشار منذ كان وزيرا للداخلية
في أول حكومة يشكلها كول سنة 1983.
كان شويبلة هو دينامو الحزب بلا منازع.. بحكم شبابه.. وما
يتمتع به من ذكاء.. وبات هو مرشح الحزب لمنصب المستشار في
انتخابات تجري علي الأرض الألمانية في يوم.. ما.
وفجأة.. تعرض شويبلة.. وهو وزير الداخلية لجريمة اغتيال..
بإطلاق الرصاص عليه.
لم تقض الرصاصات الغاشمة علي حياة شويبلة.. وإنما قضت علي
مستقبله وطموحه..إذ خرج من المستشفي بعد رحلة علاج طويلة
مشلولا.. يمارس حياته فوق الكرسي المتحرك.
عاهة مستديمة حددت سقف طموح شويبلة.. ولكنها لم تحدد سقف
التآمر لديه.
في يوم الاثنين 12 أكتوبر 1998 قام شويبلة بزيارة كول في
منزله ليعرض عليه الأسماء المرشحة للمناصب القيادية في
الحزب.. والتغييرات التي ينوي القيام بها.
من بين الترشيحات التي أثارت انتباه كول.. أن شويبلة..
يرشح أنجيلا ميركل لمنصب السكرتير العام للحزب!.
ومنصب السكرتير العام للحزب.. هو أخطر مناصبه، ووجد كول أن
المنصب كبير علي «البنت» صاحبة النقد اللاذع له.. ولكنه
أخفي مشاعره الحقيقية وقال:
- هذا اختيار موفق.. لأنه من المناسب أن تتولي «امرأة»
منصب السكرتير العام، علاوة علي أنها من ألمانيا الشرقية..
مما يعطي إشارة جيدة نحو المستقبل.
وفي هذه المقابلة التي تمت يوم الاثنين 12 أكتوبر 1998..
قال كول.. لشويبلة إنه لا يطمع في أي منصب سياسي في
المستقبل.. وكل ما يتمناه أن يضع مشورته تحت أمر الحزب..
إذا رغب الحزب في ذلك.
وقال كول إنه يتمني أن يقوم بأي جهد في سبيل استكمال
الوحدة الأوروبية!.
لم يختلف شويبلة مع كول في هذه الجلسة.. ولكنه أضاف:
- إن الحزب يريد أن يرشحك لمنصب الرئيس الشرفي!!.
أجاب كول:
- المناصب الشرفية لا تناسبني.. لأنها تعني أن يكون لي
مقعد وصوت في كل الاجتماعات الحزبية.. دون مشاركة حقيقية
من جانبي، وهذا لا يناسبني!.
وانتهت المقابلة.
وفي نوفمبر 1998.. أصبح هيلموت كول لا يشغل أي موقع.. سوي
الرئيس الشرفي للحزب المسيحي الديمقراطي.. والرئيس الشرفي
لاتحاد كرة القدم!.
يقول هيلموت كول:
- كنت ألاحظ أن السكرتيرة العامة للحزب أنجيلا ميركل
تناصبني العداء.. بلا أي مبرر.. وتتعمد الإشارة إلي بـ
«أبونا الكبير»!.
هو يشير إليها «الآنسة».. وهي تشير إليه بـ «أبونا
الكبير»!.
***
في خريف 1999.. بدأت الحملة ضد هيلموت كول تشتد.. يحركها
الرجال من وراء الستار.. وتقودها أنجيلا ميركل في العلن.
أصدقاء كول اتهموه بالحصول علي تبرعات للحزب من عدد من
رجال الأعمال.. وأودعها في حسابات سرية بناء علي طلب
المتبرعين.. الذين تعهد لهم بأن يبقي الأمر بينهم في
الخفاء ولا يذاع له سر.
بلغت قيمة هذه التبرعات 1.2 مليون مارك!.
وأصر هيلموت كول علي عدم ذكر أسماء المتبرعين.. لأنه يقدس
الوعود التي يقطعها علي نفسه.
بينما أصر شويبلة ومعه أنجيلا ميركل علي أن يعلن الرئيس
الشرفي للحزب أسماء المتبرعين.
واشتدت المعارك.. ووقف كول أمام النيابة.. وأهدرت كرامته
بشكل مهين.. مما دفع زوجته هنالورا.. للانتحار.
وكانت واحدة من ضحايا «النذالة»!.
**
في يوم الأربعاء 22 ديسمبر 1999 ظهرت صحيفة «فرانكفورتر
الجماينة» واسعة الانتشار.. وفي صدر صفحاتها مقال لأنجيلا
ميركل.. تهاجم فيه الرئيس الشرفي للحزب.. هجوما لم تعرفه
ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
استخدمت «الآنسة» جميع المصطلحات التي تنسب عادة للنظم
الشمولية.. وألصقتها بهيلموت كول.
جلس كول يقرأ مقال «الآنسة» أنجيلا.. وهو لا يكاد يصدق
عينيه.
قالت: إنه ليس من المعقول أن يتولي سياسي واحد السلطة لمدة
16 سنة.. وأن يطلق علي نفسه «فرس السباق» أو «حصان
الانتخابات».
وقالت إنه من الصعب إصلاح أحوال الحزب.. بعد السنوات
الطويلة التي أمضاها كول في السلطة السياسية.. وأنه ليس من
المعقول إصلاح أحوال الحزب بين يوم وليلة.. وانسحاب أصحاب
المناصب الكبيرة من المواقع التي شغلوها لسنوات وسنوات..
أبعدوا خلالها الأجيال الجديدة.. عن تولي المواقع
القيادية.. وتجديد دماء الحزب.
وفي نهاية المقال طالبت أنجيلا ميركل.. المستشار السابق..
الذي حقق معجزة الوحدة الألمانية.. بأن يتنازل عن جميع
المناصب التي يشغلها.
أرخي كول الصحيفة.. وراح يتساءل بينه وبين نفسه عن سر هذا
الهجوم السافر.. وغير المألوف.. خصوصا أنه لم يعد يشغل أي
منصب.. سوي الرئيس الشرفي للحزب المسيحي الديمقراطي.
في الواقع كانت أنجي.. قد بدأت تستقطب شباب الحزب.. وتتحدث
بلسان الأجيال الجديدة التي حرمتها 16 سنة أمضاها كول في
السلطة.. من التعبير عن نفسها.
وكان المقال هو جزء من حركة «كفاية» التي بدأت في ألمانيا
الشرقية واستمرت معها في ألمانيا «غرب».
جزء من الثورة ضد «الأصنام» التي تربعت علي العرش لسنوات
عديدة.. تصل في حال كول إلي 16 سنة.
وفي الوقت الذي أغضب فيه المقال شخصا واحدا هو هيلموت كول
فإنه قد أسعد قلوب الملايين من أعضاء الحزب.
وهكذا بدأت أنجيلا ميركل تطل علي الساحة السياسية
الألمانية بوجه جديد.. وفق ثقافة تدعو كل جيل للتعبير عن
نفسه وعن أفكاره.. وأن يساهم في حلها علي طريقته.. وبلغة
زمانه!.
الآن.
نري أن وصول قيادات حركة «كفاية» لمنصب المستشار في
ألمانيا.. هو رسالة لنا.
لنا.. نحن هنا.. في مصر.
وعلينا أن نتنبه إلي أن الذين يجلسون فوق مقاعد السلطة في
العالم اليوم.. لن يمدوا أيديهم بالمصافحة لأولئك الذين
احتكروا السلطة في بلادهم.. لسنوات وسنوات.. وعلي رأي
المثل:
الصغار.. أحباب الله!.