ارتفاع الواردات يهدد قيمة الجنيه .. ويساعد علي تدمير الصناعة المصرية
مصباح قطب
أدي إعلان زيادة الواردات المصرية بنسبة 59% في النصف
الأول من عام 2005، مقارنة بالفترة المثيلة في العام
السابق، إلي صدمة في أوساط خبراء الاقتصاد والنقد، وعزز من
وقعها أن الزيادة التي حدثت في الصادرات دارت حول 30% فقط،
بما يعني أن العام الحالي سيشهد أعلي عجز تجاري مسجل منذ
سنوات، ورغم أن وزارة التجارة الخارجية والصناعة والأطراف
الحكومية المختلفة، حاولت تفسير الزيادة بالارتفاع في
واردات المواد الخام والسلع الوسيطة والرأسمالية إلا أن
ذلك مردود عليه لأنه لو كان ذلك حقيقيا لزاد الناتج
الصناعي بمعدل كبير، ولكانت الصادرات قد زادت بمعدل قريب
من زيادة الواردات بل ولتراجعت الواردات في سلع أخري كنا
نستوردها.وقال خبراء معنيون إن الاهتمام الشديد لحكومة د.
نظيف باعتبار تحرير التجارة أهم مداخل زيادة النمو
والالتحام بالاقتصاد العالمي، وإصرارها علي إزالة كل
القيود التجارية، عمال علي بطال، هو السبب الرئيسي وراء
ارتفاع الواردات مشيرين إلي أن الارتفاع قد يكون له أثر
مدمر علي الكثير من الصناعات المصرية، وكذلك علي سعر صرف
الجنيه إزاء الدولار في المستقبل، مشيرين إلي أن استمرار
زيادة الواردات بهذا المعدل الانفجاري سيقود حتما إلي ضغوط
علي سعر الصرف لن يتمكن معها البنك المركزي مهما فعل أن
يدافع عن الجنيه في مواجهتها ولا أن يحقق سياسة الحكومة
التي ترفع راية استهداف التضخم «أي الحد منه واعتبار ذلك
مدخلا لتنمية الأسواق واستقرار الأسعار».
جدير بالذكر أن رجل الأعمال منير فخري عبد النور حذر أخيرا
أكثر من مرة من أن سعر صرف الجنيه مازال مرتفعا، وأنه علي
المدي البعيد لابد أن تكون تكلفة الحفاظ علي جنيه قوي فوق
طاقة الحكومة داعيا إلي خفض تدريجي وسلس لسعر الجنيه حتي
يتسق مع حركة العرض والطلب ولتشجيع الصادرات غير أن فكرة
عبد النور وغيره من المصدرين قد تقود إلي مزيد من الارتفاع
في أسعار السلع الأساسية بوجه خاص، كما حدث عند إعلان
تحرير الجنيه في 29 يناير 2003 ويبقي الحل الأفضل في تقوية
الجهاز الإنتاجي المصري وتحديثه واتباع سياسات تجارية
داعمة للتنمية المحلية والصناعية.
يذكر أن الحكومة لجأت أخيرا إلي تعزيز الاحتياطي النقدي من
خلال إصدار سندات علي هيئة البترول وأخري بضمان الحكومة
الأمريكية في رهان علي عمل معدل تغطية جيد للواردات في
الفترة الحالية التي تم فيها تحرير التجارة وعلي أساس أنها
تتوقع - أي الحكومة - أن عجلة النمو ستنطلق بقوة بعد أن
تتفاعل عمليات تحرير التجارة وخفض الجمارك والضرائب وزيادة
الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتحديث الصناعة التي تقوم بها
مما سيزيد الناتج ويزيد نسبة الصادرات إلي الناتج المحلي،
فيتحقق في النهاية استقرار التضخم وسعر الصرف والتوازن بين
الاحتياطي وكل من الالتزامات الخارجية علي الدولة
«المديونية بما فيها السندات» وبين حركة التجارة الخارجية،
لكن كل المؤشرات تقول إنه لا يوجد أبدا ما يضمن أن هذا
السيناريو سيتحقق.
يشار إلي أن قطاع بحوث التسويق والدراسات السلعية بوزارة
التجارة والصناعة كان قد أذاع بيانات غاية في الخطورة
الخميس الماضي تقول إن وارداتنا من الخامات في الستة أشهر
من يناير إلي يونيو 2005 زادت بنسبة 122%، ومن البترول
ومنتجاته والوقود زادت بنسبة 94% ومن السلع الاستثمارية
بنسبة 40% ومن السلع الاستهلاكية بنسبة 31% ومن القمح 106%
ومن الذرة 116% ومن الحديد والصلب 125% ومن التقاوي
والبذور 207% «لأن إنتاجنا منها تراجع بالقطع وليس لأن
الأرض الزراعية زادت؟!» ومن سيارات الركوب 186% ومن اللحوم
والعدس والألبان والسكر والزيوت المكررة 31%، وتؤكد
البيانات بشكل واضح - التي أعلن عنا وزير التجارة والصناعة
رشيد محمد رشيد - أن الواردات زادت بالأساس لخدمة الطبقة
المترفة حتي في السلع التي يفترض أنها تخص الفقراء مثل
مجموعة اللحوم والعدس والزيت لأنه ليس معقولا علي الإطلاق
أن يكون استهلاك المصريين منها زاد بهذه النسبة أو أن تكون
المنتجات المحلية تراجعت فجأة إلي هذه الدرجة، وبالطبع لا
يمكن تفسير الزياة بمعدل الزيادة في السكان الذي لا يتجاوز
4،2% .. إنه جرس الخطر قبل أن تقع الكارثة.