يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1249 (12 أكتوبر - 19 أكتوبر) 2005
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

اشتباكات غزة ...

 
 

حسم ثنائية القطبين أم ضبط للسلاح على إيقاع " الفوضى الخلاقة "

 
 

محمد العبد الله

 

  جاءت النتائج المترتبة على انسحاب قوات الإحتلال الصهيوني وقطعان مستعمريه من محافظات غزة دون الحلم الفلسطيني، إذ اكتشف العديد من المتفائلين ب "تحرير" القطاع، أن خروج الغزاة لم يكن كاملاً، فما زالت أجزاء من أرضه، وكل سمائه وبحره ونقاط عبوره محتلة، وهو ماحرصت على تأكيده قوات الإحتلال في حربها الوحشية المسماة " أول الغيث " والتي أدمت قلوب المواطنين في أكثر من مكان . ولم تكتمل الفرحة بجلاء الغزاة، لأن مهرجانات القوى واستعراضات سلاح المقاومة ورجالها، حولت إبتسامات وزغاريد الفرح إلى دموع ونحيب على أرواح من سقطوا أثناء استعراض " حماس " في جباليا قبل عشرة أيام تقريباً . وجاءت البيانات المتناقضة لكل من وزارة الداخلية الفلسطينية وقيادة حماس، في تفسير أسباب الإنفجار، لتعيد نفخ الهواء على جمر الخلافات بين الطرفين، وهو ماعبرت عنه تصريحات العديدين من مسؤولي السلطة وقيادة حماس .
لقد جاءت الأحداث المأساوية المتتالية داخل مدينة غزة في اليومين الماضيين، لتدفع إلى السطح الساخن أساساً كتلاً من النار والدم، فقد أعاد المتحاورون/ المتنافسون بالنار والصواريخ ، الرعب إلى قلوب وعقول المواطنين، فدمروا رغبتهم الجامحة بتوفير الأمن الإجتماعي، وتحقيق أمنياتهم ببدء مرحلة البناء والتنمية، المستندة إلى عقد سياسي / اجتماعي تصوغه القوى السياسية والجماهيرية التي واجهت بالتضحيات المحتلين ، حتى أجبرتهم على الرحيل . وبغض النظر عن التناقض الواضح في تفسير ماحصل بين طرفي الأزمة، فإن الحقيقة الواضحة هي أن ماجرى كان تعبيراً عنيفاً يعكس درجة الإحتقان الداخلي بين الكتلتين، ويشيرإلى مستويات خطيرة تندفع نحوها هذه القوى في عملية شحن وتحريض داخلية مدمرة، تتنوع مستويات خطورتها وتتباين في لغة خطابها التحريضي، فما بين التفسير الخاص لكل طرف حول ضرورة تطوير أشكال المقاومة ومن ضمنها الكفاح المسلح، ولاستمرار حالة التهدئة " الهدنة " المستمرة منذ ثمانية أشهر تقريباً من جانب الطرف الفلسطيني، التي تحرص مؤسسة السلطة على أن تكون مدخلاً لتحقيق برنامجها في "وقف عسكرة الانتفاضة " والإندفاع السريع نحو ترتيب الأوضاع للولوج نحو المفاوضات مع العدو الذي تعلن حكومته باستمرار عن رفضها للعملية التفاوضية طالما " أن السلطة لم تنجز عملية تفكيك منظمات الارهاب وتدمير بنيته التحتية " هذا الموقف المستند على دعم أمريكي واضح، وعلى تحولات مواقف اللجنة الرباعية المتناغمة مع الموقف الأمريكي "تصريحات أعضاء اللجنة في اجتماعهم الأخير في نيويورك على هامش قمة هيئة الأمم المتحدة". فمابين كلا المفهومين وتفسيراتهما المتفاوتة الوضوح تتجدد عوامل التباين والتناقض .
لقد جاء تطور الأحداث الدموية الأخيرة ليقرع جرس الإنذار، وليفتح عيون الجميع على خطورة المرحلة الراهنة، خاصة ضرورة إعادة ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني، من حيث لملمة وضبط القرار التنظيمي / السياسي داخل حزب السلطة أولاً، لأن الخلل الفادح في مستويات الأداء بدءاً من تشكيلات الحركة الدنيا، مروراً بالكادر السياسي المتفرغ داخل دوائر السلطة وأجهزتها الأمنية، أو عبر تشكيلات " كتائب شهداء الأقصى " وصولاً إلى أعلى مستويات القيادة كما تعبر عنه التناقضات المعلنة داخل اللجنة المركزية للحركة ، وداخل قمة هرم السلطة كما جاء أمس في تقرير اللجنة البرلمانية المكلفة بدراسة الوضع الأمني في المجلس التشريعي، والذي توصل إلى تبنيه " وجود خلل واضح وتناقض في العلاقة الدستورية والقانونية والعملية وعلاقات التعاون بين رئيس السلطة ورئيس الوزراء ". كل هذا قد أفضى إلى حالة من تعدد السلطات وانتعاش الفساد والفلتان الأمني في بيئة اجتماعية مازالت محكومة في معظم علاقاتها بالولاء للعائلة والقبيلة . أما على الجانب الآخر ، فقد دفعت حركة حماس المواطنين لحالة من فقدان التوازن وهي تتابع خطابها، الذي شابه في الأسبوعين الأخيرين جملة من التعارضات، فما بين رشقات الصواريخ على مستعمرات العدو وتصعيد العمليات المسلحة ضده ، وقنابل طائرات الفانتوم التي أصابت أجساد وبيوت المواطنين، ارتد موقف الحركة إلى " وقف كل النشاط والعمل المسلح من قطاع غزة " مما أدى إلى حالة من اللغط والتساؤل المشروع عن فقدان حماس لقراءة موضوعية استراتيجية لمرحلة مابعد الإنسحاب المنقوص للإحتلال من غزة، وكيفية التعامل مع الإحتلال الصهيوني في عموم الأراضي الفلسطينينة ، خاصة وأن الممارسات الوحشية ضد شعبنا في القطاع لم تتوقف " معبر رفح نموذجاً " والإغتيالات التي استهدفت كوكبة من المناضلين في طولكرم وجنين ونابلس، وحملة الإعتقالات المستمرة منذ أسابيع " حوالي ستمائة معتقل " في مناطق الضفة .
في مثل هذه الأجواء، ينفجر صراع الأخوة باشتباكات هي الأعنف، في ملهاة مدمرة، تجد في هتافات عناصر الشرطة التي اقتحمت مبنى المجلس التشريعي في غزة أثناء متابعة أعضائه للجلسة في رام الله عبر - الفيديو كونفرنس - تعبيرها العبثي من خلال ثنائية عجائبية تقول "ياسلطة ياحماس " . وهذا الوضع المتفجر هو مادفع بالوزير السابق وعضو المجلس التشريعي فريح أبو مدين لدعوة الفلسطينيين للخروج إلى الشارع ضد السلطة والفصائل معاً، مضيفاً بتوصيف مرير للحالة الراهنة، وباستنتاجات أكثر مرارة " إن سبعة عشر فصيلاً يغتصبون القضية وأربعون ألف شرطي لايستطيع أحد تحريكهم ، الفصائل فشلت والحكومة فشلت ". ويبدو أن انفعال اللحظة قد طغى على قدرة التحليل لدى النائب ، فدماء وعذابات وتضحيات القوى المناضلة هي التي حافظت على القضية، بينما الذي أساء لكفاح الشعب هي تلك الجماعات والمافيات " تحت أسماء متعددة " والتي ارتضت الولاء الأيديولوجي / السياسي / الثقافي / المادي للرأسمال اليهودي والغربي المتوحش ، وهي التي تمارس التخريب المنهجي المنظم داخل بنية المجتمع .
إن المخاوف المشروعة لدى شعبنا وقواه من نتائج هذه المواجهة الدموية، لاتكمن فقط في إمكانية اتساع دائرتها ، وانتقالها لمستويات جديدة ، بل بالحرص على دماء أبناء القضية الواحدة وعلى ماحققته تضحيات أبناء الشعب عبر عقود من الزمن . إن منطق إلغاء الآخر وإقصائه سيقود إلى التفرد وتقديس الذات ، مما يعيد انتاج الحالة الراهنة بطريقة اكثر مأساوية ، فالخلاص من دوامة الصراعات الثنائية سيكون عبر إفساح المجال للتعددية السياسية بالعمل وتحمل المسؤوليات ، فشراكة الدم ستتولد عنها بالضرورة شراكة بالقرار السياسي والكفاحي، والمساهمة بتنظيم وإدارة شؤون المجتمع، والأهم الغاء مظاهر الفلتان الأمني - الاستعراضات والإحتجاجات المسلحة، اطلاق الرصاص العشوائي – والعمل على إعادة تأهيل عناصر الأجهزة الأمنية من حيث دورها الوظيفي الوطني " الدفاع عن الشعب والحفاظ على كرامة المواطن ".فعلاج الأزمة المستعصية لايكون بتعديل وزاري أو التغيير الشامل للوزارة، بقدر مايكون برسم المهمات وممارسة الرقابة الشعبية على تنفيذها، ولا بالحل "السحري " المعتاد، تغيير قادة الأجهزة أو نوابهم " تقرير المجلس التشريعي أمس " بل بوضع أصحاب الكفاءات من ذوي التاريخ الوطني والمسلكي لتنفيذ خطة العمل التي يتم التوافق عليها وطنياً واجتماعيا.
إن دوراً أساسياً يجب أن تلعبه القوى السياسية والشعبية وهي تتصدى لعلاج الأزمة الراهنة. فسياسة " تبويس اللحى واسترضاء كل طرف على حدة " أسلوب ترقيعي في العلاج ، أثبتت دورة الزمن عجزه وبؤسه . إن توسيع دائرة الحوار، عبر اشراك القوى والشخصيات به، باقتراح عناوين أساسية له ، تأتي في المقدمة منها ضرورة الحفاظ على السلاح المقاوم من أجل وظيفته الأساسية في النضال لطرد العدو من كل الأراضي المحتلة ، ووضع منهاج للعمل السياسي اقليمياً ودولياً من أجل تنفيذ القوانين الصادرة عن الهيئات الدولية فيما يخص " جدار الفصل والضم العنصري الفاشي، الإستيطان الإستعماري ، القدس ، عودة اللاجئين " .
إن إرادة سياسية، كفاحية موحدة ، يجب أن تتصدى لكل أشكال الإستئثار بكفاح الشعب وتضحياته عبر توظيفها لخدمة هذا الفصيل أو تلك الحركة ، وأن تعمل من أجل إنهاء حالة الفلتان والخراب الداخلية ، لقطع الطريق على دعاة " الفوضى الخلاقة أو البناءة " والتي تعني التدمير الذاتي لكل ماحققناه عبر مسيرة كفاحنا الطويلة .
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة