إنهم يأتون
وقع حوافر خيولهم يملأ الآفاق
رماحهم تلمع
البعض يخشاهم والبعض يرحب
البعض يراهم فجرا جديدا
والبعض يراهم ظلمة أكثر
والآخرون لا يجدون جديدا
سوي أن وقع حوافر الجياد.. مختلف
وعلي أية حال، وبرغم ركود الأوضاع في الحزب الحاكم، وبرغم
أن آلاف الوجوه - هذا إن صح أن هناك آلافا من الوجوه -
تبقي كما هي، ذات الملامح المرفوضة، وذات الممارسات التي
سئمناها، تبقي وحتي تتكاثر، برغم ذلك كله.. تأتي جماعة
جديدة، تتمركز حول مركز قوة، تستمد منه قوتها ونفوذها،
وحتي وإن كان البعض منها مفتعلا، أو منفعلا، أو يرتدي
ثيابا جديدة علي أجساد قديمة، بل وبالية، إلا أنها تمتلك
عبر مركز قوتها، قوة دفع مكنتها من السيطرة علي مجريات
أمور عديدة.
ويمارس هذا التيار لعبته بقدر من الصبر، لكنه مصحوب
بانفعال غير مدرب وقليل الكفاءة، وهذا طبيعي فالتجربة
محدودة والغرور كثير، والاعتداد بالقوة يغري بحالة من
الترفع ليس فقط علي القدامي، وإنما علي الجميع.
أما الصبر فمظهره الظاهر هو إبقاء الرموز القديمة علي
حالها مع تجريدها من عناصر القدرة وإمكانات الممارسة،
فتبقي في غير بقاء، تبقي غير فاعلة ودون تأثير، ومن ثم
يكون تغييرها أو عدم تغييرها.. سواء.
لكن هؤلاء الآتين الجدد يواجهون مآزق حقيقية، لعل من حقنا
ومن واجبنا أن نبصرهم بها، ليس لمجرد أن «الدين النصيحة»
وإنما لأننا ممن يعتقدون أن إصلاح أحوال الحزب الحاكم، هو
أمر مهم للجميع ما بقي هذا الحزب حاكما.
والمآزق التي تواجه هؤلاء الجدد الذين يسمون أنفسهم «تيار
الإصلاح» عديدة ويمكننا أن نكتفي في هذه العجالة بإيراد
بعض منها، كأمثلة، مجرد أمثلة:
ترتدي رموز هذا التيار - في أغلبها - مسوحا تتبدي وكأنها
ليبرالية، لكن الليبرالية لا تكون إلا متكاملة، ولهذا
تراهم وهم يناقضون أنفسهم، ويتبدون بأكثر من وجه، فهم تارة
- وخاصة عندما يمارسون عملية إفراز قوانين تعديل دستوري -
متشددون، رجعيون، خصوم للعقل وللديمقراطية، وعندما يتولون
مهام مهمة تراهم متعجرفين، متعالين، وبذلك تتبدي
ليبراليتهم مبتذلة وفجة، أو هي بالدقة مفتعلة، إنها مجرد
قناع ذي ملامح ليبرالية مركب علي وجه قديم، شراب قديم في
آنية جديدة.
وتتغني رموز من هذا التيار ببعض مفاهيم تتبدي جديدة
يحاولون أن يتميزوا بها عن القدامي، فهم يرطنون بأفكار
مكررة وغير ناضجة، ومقتبسة دون فهم واع، إذ يتحدثون عن
العولمة، وعن القطب الواحد، وعن الدور الأمريكي، وعن
علاقتنا به، فيتبدي ترمومتر وطنية البعض منهم منخفضا إذ
يتحدثون بما يشبه الإلحاح علي ضرورة انصياعنا للإرادة
الأمريكية.
وهم يخلطون بصورة مثيرة للدهشة بين الليبرالية والعولمة،
وبين الانفتاح علي الجديد ليستنتجوا ما لا يمكن استنتاجه
من أفكار تكاد تتنحي عن طريق الوطنية الرشيدة.
وهم بهذا يضعون من يتابعونهم في مأزق المفاضلة غير المجدية
بين قدامي يوصفون بأنهم أقل ليبرالية لكنهم يقولون بما هو
أكثر وطنية، وبين الدعاوي التي تتمسح بالليبرالية بينما
تفتقد كثيرا أو قليلا من مذاقها الوطني.
وبعض رموز هذا التيار تكنوقراطيون يتبدون وكأنهم ماهرون،
أو هم كذلك، يطبقون بعضا مما ورد في الكتب، وينقلون حرفا
بحرف من أقانيم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتعاليم
الشراكة والجات والكويز.. لكنهم يفتقدون الحس السياسي
والمجتمعي فيتبدون كمحاضرمدرسي غير معني بما يلقنه لطلبته،
يقول دون أن يتحسب للنتائج، المهم أنه يقول ما ورد في
الكتاب، حتي ولو أدي إلي كوارث في التطبيق العملي.
والجدد يلتف حولهم كثير من رجال الأعمال ربما أتوا عن طريق
بوابة الليبرالية الاقتصادية وليس الليبرالية السياسية،
وربما أتوا اقتناعا بالتجديد وبالجديد، وربما - أيضا -
أتوا بحثا عن منجم مصالح جديدة.
ورجال الأعمال هؤلاء يتصرف بعضهم في بعض أمور البلاد تصرف
المالك في ملكه، بما يسيء إلي مجمل التجربة الجديدة، وهو
يشتري رضاء الجدد بما ينفق، وقد أنفقوا الكثير، كمثال:
هؤلاء الذين أنفقوا علي معركة انتخابات الرئاسة ويستعدون
للإنفاق علي معركة الانتخابات البرلمانية التي يديرها
الحزب، ينفقون كثيرا جدا، لكنهم ينهبون كثيرا جدا، فيطفئون
البريق الذي يتبدي مع الجديد، ويتوعدون المواطنين بمزيد من
الغلاء والفساد.
والاغترار بالقوة والسطوة يدفع أصحابه - خاصة إذا ما كانوا
حديثي العهد بالفعل السياسي - إلي الاستقواء علي الآخرين،
الآخرين في حزبهم فيقصون أجنحتهم بلا احتراز وأكاد أقول
بلا احترام، مقدمين بذلك نموذجا من الترفع لا يتقبله
المواطن العادي، ويستقوون أيضا - ومن باب أولي - علي
الآخرين خارج حزبهم فتتبدي أفعالهم وتصريحاتهم ومواقفهم
وكأنها تستهتر بالجميع، ولا تعتد بأي رأي أو قول أو فكرة
تأتي من أي طرف آخر، فهذا الاعتداد يدفع بأصحابه إلي نوع
من الغرور الذي ينعكس إلي عدم رضاء.. وعدم تقبل من جانب
المواطنين.
ويتمادي هذا الاستقواء إلي حالة من الاستهتار بكل شيء،
بالآخر وبالمعارضة وبالجمهور، و.. بالقانون، والنماذج
كثيرة، ولعل آخرها يتبدي فيما نشرته «الأهرام» من أن الذين
يديرون الحملة الانتخابية للحزب الحاكم وهم من هؤلاء
الشبان الجدد قد أطلقوا حملة «الأهلة والجمال».
و«الأهلة والجمال» هي الرموز التي يقتنصها الحزب الحاكم
عبر التحكم في مديريات الأمن، فيذهب المرشح من غير أصحاب
الدكان فجرا ليجد أن رمز الهلال والجمل محجوز بالأمر
لمرشحي الحزب الحاكم، يحدث ذلك دوما، ونعترض دوما،
ويبررونه دوما وعلي غير الحقيقة بأن القانون يعطي الرموز
وفق ترتيب التقدم للترشيح، يكذبون ونحن نعرف أنهم يكذبون،
وهم يعرفون أننا نعرف أنهم يكذبون، ومع ذلك يكررونها في كل
مرة، لكن الشبان الجدد ومن فرط افتقاد الخبرة كشفوا
الأكذوبة المستديمة بأن أعلنوا وقبل بدء عملية الترشيح بأن
كل مرشحيهم قد حصلوا علي رمزي الجمل والهلال، ألم نقل إن
الأمر يحتاج إلي خبرة، فحتي الكذب يحتاج إلي خبرة.
وأخشي ما نخشاه هو أن القادمين الجدد يريدون أن يثبتوا
جدارتهم بأن يتفوقوا علي القدامي فيما يحوزون من مقاعد في
البرلمان القادم، فإذا كان الآخرون القدامي قد حصلوا في
واقع الأمر في انتخابات عام 2000 علي نسبة 5.37% فقط من
المقاعد ثم لملموا بقية نسبتهم الطاغية، باستعادة
المتمردين والمستقلين الذين خاضوا معركتهم الانتخابية ضد
الحزب وضد مرشحيه، وانتخبتهم الجماهير وهم ضد الحزب وضد
مرشحيه إذا كان هذا حال القدامي، وإذا كان الجدد قد أسفرت
معركتهم في انتخابات الرئاسة، وبرغم التكنولوجيا، وغرفة
العمليات المهيبة والموبايلات التي وزعت بلا حساب والنقود
التي تلقاها العمد وأمناء وحدات الحزب كمصروفات نثرية،
وبرغم الإعلان الطاغي والإعلانات الغامرة والمهرجانات
والسرادقات.. برغم ذلك كله لم يشارك سوي 5.23%، فإننا
نتحسب أن يجد الجدد بكل حصادهم الجديد وغير المكتمل في
لعبة السياسة أنفسهم وهم مندفعون في إنفاق بلا حساب، وفي
استخدام للآليات الإدارية، وفي تجاهل القانون كما تجاهلوه
بالحديث عن انطلاق الجمال والأهلة، وفي فرض المزيد من عدم
الشفافية بحيث يهدرون ما تبقي من بقايا الماكياج الليبرالي
بحثا عن أصوات وعن مقاعد لا يستحقها حزبهم.
ولأن الحسابات تتحسب لما هو آت من أيام، ولأن البعض يتصور
أو يستعد لسيناريو ربما يتوقعه الكثيرون، فإن حسابات
انتخابات 2005 تبدو وكأنها تتعجل توفير ضمانات لضمان تحقيق
هذا السيناريو أو ذاك، وهنا سيجد الحكم نفسه في مأزق
حقيقي، فإن الركض غير الحريص وغير المتبصر لانتزاع مقاعد
في البرلمان من أيدي مستحقيها الحقيقيين قد يأتي بحالة لا
يحصل فيها أي حزب معارض علي المقاعد الخمسة والعشرين
الضرورية للترشيح لرئاسة الجمهورية، وهنا سيجد الحكم نفسه
وقد انكشفت حيلته القديمة المتجددة، وسيكون مضطرا - إن كان
في الأمر قدر من عقل أو تعقل أو رغبة في إيجاد غطاء أو نصف
غطاء لتمرير ما هو مطلوب - لأن يعود للنظر في إدخال تعديل
جديد علي المادة 76.
وهكذا فإن الأمر يتطلب قدرا من التبصر خلال عملية الإعداد
للعملية الانتخابية وخلال ممارسة عملية التحكم فيها وفي
نتائجها، وبعد..
فإننا مع كل تجديد حقيقي في الحزب الحاكم، لكن التجديد لا
يكون في الإتيان بأشخاص جدد، أو بشريحة سنية شابة، ولا
بترديد شعارات براقة، وإنما يحتاج إلي عقلية جديدة، جديدة
حقا، تحترم الآخر حقا، وتحترم حقوقه حقا.
عقلية تأخذ ما لها.. ما لها فقط دون زيادة ودون نقصان،
تفترض الشفافية وتفرضها، وتحتدم الديمقراطية وآلياتها،
وتلتزم بالقانون، تنحني أمامه حتي ولو أتعبها هذا
الالتزام، عقلية تفرض علي رجالها أن يلتزموا بالحدود التي
حددها القانون سواء في اختيار الرموز وهو أمر بسيط في
اعتقادي لكنه كاشف عن حالة يتعين التخلص منها، أو الحدود
التي رسمتها اللجنة العليا للانتخابات وهي لجنة شكلتموها
أو فصلتموها علي مقاسكم وعلي هواكم وليس منطقيا أن تنتهكوا
قراراتها سواء بحدود الإنفاق أو باحتكار كشوف الناخبين -
أقصد الكشوف الحقيقية -.
ليس منطقيا مثلا أن تحدد اللجنة سقف الإنفاق بسبعين ألف
جنيه ونكتشف ويكتشف الجميع أن البعض من مرشحيكم قد أنفق
وحتي قبل أن تبدأ المعركة الانتخابية عديدا من الملايين،
فكيف يصدقكم الناس؟.. وما قيمة ما تقولون به إذا لم يصدقكم
الناس؟.
نحن مع الجديد، متمنين أن يكون جديدا حقا.. بعقلية جديدة
حقا.
فحاولوا.. حاولوا فهذا خير لكم.. وهو أفضل كثيرا من
استسهال اختراق القانون، وافتقاد الشفافية، وكسب الملايين.
فالجديد يجب أن يكون ملتزما بالقانون والشفافية وباحترام
الآخر، وإلا فهذا وذاك سواء.
والسؤال الملح الآن هو هل يستطيع الجديد أن يكون جديدا
حقا، وأن يغير من عقلية الاستئثار بكل شيء والترفع علي كل
من عداه؟.
والإجابة نعم، ليس فقط لأن هذا ممكن، وإنما لأن هذا ضروري
وحتمي، وإلا فلا جديد.. ويحضرني قول الشاعر:
دواؤك فيك ولا تشعر
وداؤك فيك ولا تبصر