المفاجأة التي تفجرت أخيراً عن السجين البديل لشقيق عضو
مجلس الشعب والمتهم في قضية تزوير .. وكيف أن أحد المحامين
اكتشف أنه يدافع عن شخص آخر غير الشخص الحقيقي المطلوب
للتحقيق .. بينما الشخص الحقيقي خارج قفص الاتهام يمارس
حياته بكل حرية .. وبكل جبروت قوة المال!.
المفاجأة.. ليست هنا في هذه الحيلة الشيطانية الماكرة أن
يستأجر المجرم الحقيقي شخصا يرتضي أن يدخل بدلا منه السجن
ويقضي سنوات بين القضبان مقابل حفنة من المال.. حيلة قديمة
ومعروفة .. سبق أن تناولتها القصص الأدبية والأفلام
والمسرحيات المصرية.. وربما أشهرها مسرحية «30 يوم في
السجن» منذ أكثر من نصف قرن مضي!.
المثير .. أن هذه الحيلة القديمة مازالت سارية المفعول..
لها أنصار وأتباع.. ولها رءوس تخطط وتنفذ بمهارة بالغة..
تحير رجال الشرطة أحيانا.. وفي أحيان أخري تتواطأ معها من
قبيل الرغبة في غلق الملفات وتسديد الخانات في المحاضر
والقضايا.. بلا وجع دماغ، ومتاهات البحث عن الحقيقة..
فالبديل جاهز ومعترف.. وقابض! ويا دار ما دخلك شر! مع أن
الشر موجود يضحك وينتشي ويمارس جرائمه بكل حرية وبلطجة.
وعادت إلي الصحف .. عناوين «السجين البديل» و«دوبلير
المتهمين» .. وذكرت بعض العناوين أن هناك عشرات بالفعل
داخل السجون المصرية قاموا بدور الدوبلير للمتهمين
الحقيقيين!!
وكلمة «دوبلير» كلمة شائعة في كواليس صناعة السينما.. حيث
إنه في بعض الأفلام التي تعتمد علي المطاردات والمعارك
العنيفة يتم الاستعانة بالدوبلير بديلا للبطل الحقيقي
للفيلم خوف علي حياته من الإصابات الجسيمة.. فالبطل أغلي
وأهم للفيلم.
وفي مهرجان الإسكندرية السينمائي الأخير .. تم كشف الستار
عن أهم دوبلير في صناعة السينما المصرية حاليا.. وهو
الفنان مصطفي الطوخي ابن عائلة توراثت هذه المهنة عبر
تاريخ السينما وتم تكريم مصطفي الطوخي وصعد إلي المسرح في
حفل الختام للمهرجان - ليواجه الجمهور لأول مرة - وهو الذي
تعود أن يكون في الظل متخفيا في ثياب البطل الحقيقي..
وليتلقي بدلا منه اللكمات وتكسير العظام والسقوط من
الأدوار العليا أو أسفل السيارات المسرعة.
وبهذا التكريم الفني أصبح للدوبلير وجود علني معترف به وسط
كبار النجوم.
ولكن.. الغريب تماما.. أمر «الدوبلير» في لعبة السياسة!!.
وهناك كثير من القصص تروي عن بعض الزعماء الكبار.. الذين
حل بهم المرض والإنهاك.. أو الذين تحوم حولهم محاولات
الاغتيال.. فيتم الاستعانة بالبديل الشبيه لهم المدرب علي
تقليد حركتهم وأسلوبهم في الكلام وإيماءات الوجه ونظرات
العين ودرجة الصوت.. نسخة مصنوعة طبق الأصل.. ويتم دفعه
إلي موقع القيادة ليتصدر المواكب الرسمية والاجتماعات
الجماهيرية بديلا عن الزعيم الحقيقي الحريصين علي صحته
وسلامته وهيبته المعتادة.
و«فبركة» صناعة رئيس.. لعبة معروفة سياسيا.. تداولتها
الكثير من الكتب التي تعرضت لسيرة حياة بعض المشاهير من
القادة والزعماء.. ربما كان آخرها ما يروي عن «صدام حسين»
وهل كان فعلا يتجول في شوارع بغداد أيام القصف الأمريكي -
كما صورته بعض شبكات التليفزيون - أم أنه شخص بديل له..
وهو بالفعل الشخص الذي تم القبض عليه في مخبئه أم أنه
الدوبلير؟!.
وبغض النظر عن هذه القصص والروايات.. يبقي ما هو أهم
بالنسبة لنا.
من هو البطل الحقيقي.. ومن هو الدوبلير.. وراء بعض
القرارات المصيرية التي تمس حياتنا؟
نفاجأ أحيانا ببعض القرارات.. تهبط علينا كالصواعق.. ولا
نعرف من الذي أصدرها.. نعرف فقط أنه مع كل قرار تنشط
مجموعة مدربة من «المبررين» لشرح فوائد وأهمية هذه
القرارات، ولكن لا نعرف من هو الرأس المدبر؟.
هل هم قيادات من الحكومة.. أم هم قيادات من الحزب الوطني..
أم هم مجموعة من المستشارين الخصوصيين لمجموعة من
الوزراء.. أم أنها نتيجة ضغوط بعض رجال المال والأعمال؟!.
كل الذي نعرفه.. أن هناك «دوبلير» عليه أن يتحمل الشرح
والتوضيح.. وعليه أيضا أن يتحمل زوابع الهجوم والنقد
الغاضب.. أما الفاعل الحقيقي لهذه القرارات.. فهو سرعان ما
يختفي داخل مكتبه .. متستراً بالصمت أو بعبارة إنها قرارات
«سيادية»!
المدهش إن هذه القرارت التي تنهمر علينا مع كل صباح يوم
جديد.. تمس مصالح كثير من المواطنين .. سواء أكانت متعلقة
بالزراعة .. أو بالصناعة .. أو بالتعليم .. أو حتي ببناء
المدن الجديدة وما أطلق عليه قري الظهير الصحراوي.
لا أحد يعرف كيف تمت الدراسات .. وكيف تمت الموافقة
عليها؟!.. وهل روعي مثلا في الزراعة كيفية الاستفادة من
أراضي سيناء في زراعة القمح كهدف استراتيجي أعلن عنه
مراراً في الاكتفاء الذاتي بدلا من اللجوء للخارج؟! .. وهل
روعي أيضا في الصناعة التجارب المستفادة من بيع المصانع
القائمة في مزاد الخصخصة؟ .. وبالمثل هل تمت دراسات تطوير
التعليم بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل بالتخصصات
الحديثة المطلوبة؟.. والذين خططوا لإقامة قري الظهير
الصحراوي في الصعيد .. هل درسوا طبيعة الإنسان المصري
المرتبط بالوادي .. أم نكرر مأساة قرية «الجرنة»؟.
إن أول مبادئ «الشفافية» التي نصر عليها .. أن يصبح واضحا
للجميع .. كيف تم اتخاذ القرار؟ ومن هو المسئول عنه؟ وما
هي قواعد خط سير هذا القرار وكيفية حمايته من المتلاعبين
والمحرفين الذين يغيرون مساراته تبعا لمصالحهم الشخصية؟.
أما «دوبلير» المهللين الذين يملأون الصحف وقنوات
التليفزيون بالإشادة بهذه القرارات طمعا في رضا أصحابها
وطمعا في بقائهم بمناصبهم.. فهم يظلون مجرد «دوبلير» لا
أكثر ولا أقل .. بل من الممكن الاستغناء عنهم في أي لحظة..
واستبدالهم بطاقم جديد من الدوبليرات أكثر حماسا .. وأكثر
قدرة علي الهتاف والتهليل!.
وقد أدهشني تماما تلك الصراحة الموجعة - والضرورية جدا مع
مشاكلنا المزمنة - والتي دفعت خبيرا له مكانته العلمية هو
الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ ورئيس أكاديمية السادات
للعلوم الإدارية الأسبق .. أن يتفرغ لكتاب جديد يحلل فيه
شخصيات بعض الوزراء في مصر عبر ثلاثين عاما تعامل فيها
كخبير في الإدارة مع بعض هؤلاء الوزراء في وزارات مختلفة
.. وأرسل إلي «بريد الأهرام» برسالة يلخص فيها رؤيته
وتحليله لتلك الشخصيات القيادية - أو المفروض أنها قيادية
- وتبين من التحليل المبدئي وجود ثلاثة أنواع من الشخصية
وفقا لما يراه علماء الطب النفسي.
الفئة الأولي - كما قال - وزراء من ذوي الشخصية الاعتمادية
.. حيث لا يبادر الوزير من هذه الفئة بفعل أي شيء.. ولا
يطرح أي فكرة جديدة أو مشروع مستقبلي .. وينتظر التعليمات
والتوجهات .. ويتحاشي غضب رئيس الوزراء أو رئيس الدولة ..
ويشعر بالضياع إذا تخلي عنه رؤساؤه .. ولذلك فهو دائم
الحرص علي الموافقة والتقريظ وعدم إبداء رأيه في أي شيء من
أعمال أو سياسات الحكومة.
الفئة الثانية - كما يصنفها الدكتور حمدي عبد العظيم -
تتمثل في وزراء ذوي الشخصية المندفعة أو الحمقاء .. الذي
يضر نفسه ويضر البلاد .. وينطلق مثل السيارة بدون فرامل ..
ولذلك تكون علاقاته وقراراته متخبطة.
الفئة الثالثة - في هذا التحليل - شخصية الوزير الذي تتجسد
فيه العدوانية والكراهية والإيذاء والانتهازية .. رغم أنه
قد يبدو سمح الوجه بريء الهيبة ولكنها أقنعة تغطي قلبه
الأسود.. ويستخدم ذكاءه لإخفاء سماته الفاسدة والمفسدة
وخداع الناس.. ودائما ينسب جهود الآخرين لنفسه .. ويتعاون
مع الشيطان من أجل التخلص من المنافسين .. وأيضا التخلص من
كل من يحاول فضح أمره وإظهار مخالفاته!
وهناك بالتأكيد وزراء ذوو شخصيات متزنة وعاقلة زاهدون في
المنصب ويعملون في صمت .. ولكنهم - علي حد تعبير الدكتور
حمدي عبد العظيم - قلة قليلة!!
بعد هذا كله .. ألا يتأكد لنا أننا نعيش في عصر
«الدوبليرات» الذين لا يتورعون عن بيع أعمارهم داخل السجون
مقابل حفنة من المال تماما مثل الذين يبيعون أعضاء من
أجسادهم مقابل التخلص من الديون .. وأيضا «دوبليرات»
المسئولين الذين يتحملون خطايا وتجاوزات أصحاب القرارات
مقابل استمرارهم في مناصبهم ومكاسبهم.
وفي كلتا الحالتين .. يصبح العدل والحقيقة .. هما ضحايا
هذه التنازلات اللاأخلاقية والدنيئة .. والتي ندفع ثمنها -
مضطرين - من أعمارنا وأحلامنا!!.