حالة وزير الطيران أشبه بأساطير ألف ليلة وليلة.. فيها
الملك السعيد.. وفيها مرجانة.. وفيها قمر الزمان.. وفيها
ستائر مسدلة
.. وفيها الملك أرمانوس!.
من الذي يسدد فواتير القرارات الخاطئة التي يتخذها الفريق
أحمد شفيق؟ من المسئول عن تعيين وزير.. بلا خبرة.. وبلا
مؤهلات.. وبلا سياسة ولا رؤية أو حتي الحد الأدني من
الثقافة القانونية أو الاقتصادية؟!.
من المسئول عن «مجاملة» القائد السابق لسلاح الطيران..
بإنشاء وزارة له.. وزارة مدنية.. موازية لسلاح الطيران؟!.
من الذي سيسدد خلال الأسابيع القليلة القادمة 514 مليون
دولار.. بعد أن خسرت مصر نزاعها مع إحدي الشركات
البريطانية بسبب افتقار الوزير لأي خبرة سابقة في إدارة
مؤسسة مدنية؟!.
هل سيسدد الوزير ال 514 مليون دولار من أمواله؟ أم أن
الدولة ستستمر في مجاملته.. وتتحمل قيمة الغرامة.. علي
أساس أن الجيب واحد.
جيب الوزير «المسنود».. وجيب أصحاب مغارة علي بابا.. حيث
الذهب والياقوت والمرجان.. وحيث.. شيل.. شيل.. عبّي..
عبّي؟.
هل يمكن أن تنجح محاولات الوزير للهروب من المأزق..
بإلقاء.. أكبر عدد من الأبرياء.. في غياهب السجون؟!.
إن هذه القضية.. ليست قضية وزير الطيران وحده.
ولا قضية ثقافة المجاملات الصارخة التي وضعت أهل الثقة فوق
أهل العلم والخبرة.. أكثر من ربع القرن.
إنها قضية إهدار المال العام، لمجاملة الأصدقاء الذين
يعتبرون أنفسهم فوق المساءلة أو الحساب.
لقد بدأ الإهدار المروع للمال العام بإنشاء وزارة
للطيران.. يقضي بها الفريق أحمد شفيق وقت فراغه بعد إحالته
للمعاش كقائد لسلاح الطيران.. وأصدر أصحاب الحل والربط
القرار وصدرت الأوامر بفتح الاعتمادات.. والتعيينات
والمجاملات.. وشراء المكاتب والصالونات.. والسيارات وما
إلي ذلك من أدوات «المنجهة».
أموال بلا حدود.. وبلا حساب.. وجري اختيار الأصدقاء الذين
خدموا في سلاح الطيران «العسكري» ليتولوا مقاليد السلطة في
سلاح الطيران «المدني».. في مغارة علي بابا.
مجاملات كبيرة.. ومجاملات متوسطة.. ومجاملات بسيطة.
مجاملات سوف تدخل يوما ما.. في موسوعة جينيس للأرقام
القياسية.
وميزانيات مفتوحة تنطبق عليها كلمات «شيل.. شيل.. عبّي..
عبّي.. أحمدك يا رب».
وبدأت تسود أجهزة الطيران المدني.. أجواء الانقلابات
العسكرية.. التي تقوم علي تصفية كل ملامح المجتمع المدني..
والإطاحة بالقيادات القديمة ورموزها.. وكل من له خبرة تفوق
الخبرات المتواضعة.. لقادة الانقلاب الجديد.
وأدرك قادة سلاح الطيران منذ اللحظات الأولي لسيطرتهم علي
السلطة المطلقة أنهم لن ينعموا بالاستقرار والانفراد
بالرأي إلا بعد تفريغ أجهزة الطيران المدني من الكفاءات
التي تناقش وتجادل.. وتحاور.
وبات المبدأ السائد هو «إطاعة الأوامر ولو خطأ» علي أساس
أن التعامل بين العسكريين يحمي الوقت من الضياع.. ويوفر
الوقت.
وفي ظل هذه العقلية العسكرية.. وفي ضوء غياب الرأي الآخر..
انفرد الفريق أحمد شفيق باتخاذ القرارات الاقتصادية
والقانونية والهندسية.
وباتت قرارات الوزير.. في ظل غياب لسياسة الدولة.. وفي ظل
عدم وجود سياسة للدولة.. تحمي بها سمعتها الدولية.. هي
القرارات النافذة علي جميع المستويات.
لا.. الدولة لها سياسة.
ولا.. الوزير له رؤية وثقافة تؤهله لإدارة مشروع اقتصادي
كبير.
وزارة عشوائيات.. في ظل غابة موحشة من العشوائيات.. وباتت
حالة وزير الطيران.. أشبه بالأساطير التي تحكيها روايات
ألف ليلة وليلة.. فيها الملك السعيد.. وفيها مرجانة وفيها
قمر الزمان، وفي ستائر مسدلة.. وفيها الملك أرمانوس الذي
يرسل جواسيسه لإحباط أي مشروع لإقامة مطار مدني بالقرب من
حدود مملكته.
كان الملك أرمانوس.. يرسل جواسيسه بالمعلومات المضللة التي
تدفع خصومه لوقف جهود التعمير أو نقل كثافة سكانية علي
حدود مملكته.
وبالتالي فإن حكاية وزارة الطيران.. التي تعد نسخة
بالكربون من حكايات ألف ليلة وليلة.. هي الحكاية
النموذجية.. لمسلسل يذاع في شهر الصيام!.
سيتابع الشعب المصري هذا المسلسل.. وهو يضرب كفا بكف..
ويردد: حسبنا الله.. ونعم الوكيل.
هيه علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. هيه علي
بابا!.
في 16/11/2003 صدر المنشور الأول بتوقيع لواء طيار محمد
فتح الله رفعت.. وينص علي إبلاغ شركات الطيران بتحصيل
خمسين سنتا من كل راكب مصري أو أجنبي.. لتطوير نظم الأمن
بالمطار(!!).
وفي 9/9/2004 صدر المنشور الثاني بتوقيع عميد طيار محمد
عبدالجواد زمزم.. بإلغاء هذه الرسوم(!!).
في 13/6/2004 صدر قرار اللواء طيار صالح أحمد مرسي بتحصل
مقابل الخدمات الملاحية الجوية بأثر رجعي، وإلغاء نظام
التحصيل المباشر.
في 15/12/2004 أصدرت الأستاذة نيفين أحمد سعيد.. مدير عام
الشئون المالية والاقتصادية القرار الآتي:
1- فرض رسوم إضافية علي شركات الطيران العاملة بمطار مرسي
علم بمبالغ تتراوح ما بين 250 إلي 500 دولار حسب وزن
الطائرة.
2- إخطار شركات الطيران بأنه يتعين تسديد هذه الرسوم
الإضافية بأثر رجعي اعتبارا من 1/11/2003(!!).
.....
في 3/10/2004 صدر قرار بتوقيع المحاسب فايق مرقص بخيت
بزيادة رسوم المغادرة عن كل راكب من تسعة وعشرين جنيها إلي
أربعة وسبعين جنيها أي بنسبة 150%.
ما معني هذا الكلام؟.
معناه زيادة في تكلفة الطائرة «الشارتر» في حدود ألفين
وخمسمائة دولار للرحلة الواحدة.. حسب اختلاف الطرازات..
فلو كانت شركة الطيران العارض لديها 10 طائرات أسبوعيا..
فإن هذه الزيادة ستزيد تكلفة تشغيلها نحو مائة ألف دولار
شهريا.. أي أكثر من مليون دولار سنويا.
وكانت النتيجة أن جميع شركات الطيران العاملة بسوق الطيران
المصري.. لم تتمكن من الصمود.. وقامت بتصفية أعمالها في
مصر.. أو أفلست.. أو هي علي وشك ذلك.
خذ مثلا:
شركة لوتس للطيران أغلقت أبوابها في مصر.. ونقلت مقرها
الرئيسي إلي بيروت!.
شركة الشروق أعلنت إفلاسها!!.
شركة رسلان.. أفلست!.
شركة سكوربيو.. أفلست.
شركة ميدويست.. علي حافة الانهيار.
والأمثلة لا تقع تحت حصر.
والسبب: هو إدارة الطيران المدني.. بعقلية إدارة المطارات
العسكرية.
الأوامر.. أوامر.. وتمام يا فندم كله تمام!.
وما بين عشوائية القرارات التي يتخذها الهواة.. بلا أي
خبرة سابقة.. وبين ضعف الإدراك بأصول المنافسة في أسواق
الطيران.. ضاعت سمعتنا الدولية.. كدولة جاذبة للسياحة..
وباتت مصاريف تشغيل الطائرة بوينج 747 بمطار «دبي» الدولي
أرخص من مصاريف تشغيل نفس الطراز بمطار الغردقة.. مع
الفارق الشاسع بين المطارين.
ولكنها.. العقلية التي لا تستوعب تأثير ارتفاع تكاليف
تشغيل الطائرات وبين اجتذاب السياحة.
لم يتصور وزير الطيران.. تأثير قراراته علي جهود وزارة
أخري هي وزارة السياحة.. وبدأ يشير إلي رغبته في ضم وزارة
السياحة.. لوزارة الطيران.. ويا دار ما دخلك شر!.
هيه علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. هيه علي
بابا!.
والآن.. أعود إلي السؤال الذي طرحته في بداية هذه السطور.
من الذي سيسدد ال 514 مليون دولار.. التي ستتحملها مصر..
بسبب «تأشيرة غلط» للفريق.. الوزير؟!.
وما هي حكاية كباش الفداء الذين يسعي الفريق الوزير
للتضحية بهم.. كي يهرب بجلده؟.
وهل ستتحمل مصر ال 514 مليون دولار من ميزانية الدولة.. أم
من مغارة علي بابا؟!.
هيه علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. هيه علي
بابا.
إن الحكاية تستحق الرواية.. لأنها تعكس العشوائية التي
نعيش في ظلها منذ 24 سنة.
لا.. الحزب السرمدي له سياسة.. ولا الوزراء الذين تربعوا
علي كراسي السلطة من باب المجاملة.. لديهم فكرة عن
الوزارات التي يشغلونها.. لأن الهدف لم يكن «العمل»..
وإنما كان.. المجاملة!.
فالمفروض علي سبيل المثال.. أن تكون المشروعات الكبري..
ولا سيما تلك التي تتعلق بالأمن القومي.. هي مسئولية
الحكومة بأسرها.. وتوضع ضمن خطة.. لا تخضع للأمزجة.
هي جزء من سياسة الدولة.
وسياسة الدولة يضعها الخبراء.. في إطار أولويات تحددها
الميزانية العامة.
يحدث ذلك في جميع دول العالم.. إلا عندنا.
الذي يحدث عندنا أن كل وزير.. يدخل الوزارة ومعه سياسته
ورجاله.. وأعوانه.
نحن لا نعرف الاستمرارية.. ولا المسئولية الجماعية.
ولذلك فعندما قام الفريق الوزير بإرسال خطاب لإحدي الشركات
البريطانية التي كانت قد ظفرت بعقد إنشاء مطار في رأس
سدر.. يبلغها فيه أنه قرر إلغاء مشروع إقامة المطار..
انقلبت الدنيا.
لم يتصور أحد أن دولة.. رائدة علي جميع الأصعدة.. وأزهي
العصور.. تتعاقد مع شركة عالمية لإقامة مطار في رأس سدر.
وأن تتكبد الشركة نفقات دراسات الجدوي.. وتدفع الأتعاب وما
شابه ذلك من مصروفات بلغت ما يزيد علي مليون و600 ألف
دولار! ثم يأتي وزير.. ويسجل بخط يده وفي خطاب رسمي..
يسلمه للسفير البريطاني في القاهرة.. بأن مصر قد صرفت
النظر عن المشروع.
وعندما صارحه السفير البريطاني.. بأن الشركة قد تلجأ
للتحكيم الدولي للحصول علي حقوقها وفقا للعقد.. قال
الفريق:
.. ليس لدينا مانع من الذهاب للتحكيم الدولي!!.
لقد تصور الفريق الوزير.. أنه سيقوم بالتحكيم علي غرار
استعادة «طابا».. ويحقق فوزا تتحدث عنه كتب التاريخ..
ويدفع الذين جاملوه.. بوضع صورته علي طوابع البريد.
ولكن الذي حدث هو العكس.. وخسرت مصر القضية أمام لجنة
التحكيم الدولية.. وبات علينا تسديد غرامة فسخ العقد
وقدرها 514 مليون دولار.
وبعد أن كانت الشركة تطالب وزارة الطيران المدني بثمانية
ملايين دولار.. جاء قرار لجنة التحكيم الذي نص علي تعويض
للشركة قدره 514 مليون دولار.
وهكذا جاء الفريق الوزير ليكحلها.. فأصابها بالعمي!.
وللخروج من المأزق.. واستمرارا في الخروج من مطب للسقوط في
آخر.. قام الفريق الوزير بتكليف محام من الخارج بأتعاب
قدرها 150 ألف دولار.. للدفاع عن موقف الوزارة!.
والوزارة لها جيش جرار من المحامين والمستشارين المصريين..
ولكن الوزير لا يثق.. إلا بالأجانب.
مضيفات أجنبيات.. لأن المضيفة المصرية.. شجرة جميز!.
إدارة أجنبية.. لكل مرافق الوزارة.. لأن المصريين لا
يصلحون!.
المهم..
أنه في إطار المحاولات التي يبذلها الوزير للخروج من
الورطة.. جاءته نصيحة أحد أعوانه.. بأن للخروج بابا
واحدا.. هو:
تحويل القضية إلي قضية جنائية (!!).
وعندما سأل الفريق الوزير عن معني «قضية جنائية» قالوا له:
نبلغ النيابة ضد اللواء عبدالفتاح كاطو الرئيس السابق
لهيئة الطيران المدني.. وكل المسئولين السابقين.
وعندما أبدي الفريق الوزير دهشته.. قالوا له:
نبحث عن ثغرات في العقد الذي وقعه مع الشركة.. وعندما يدخل
اللواء كاطو السجن.. ويرتدي الملابس الزرقاء.. فإننا
نستطيع الدفاع عن أنفسنا أمام لجنة التحكيم الدولية..
ونقول: إن وزير الطيران الجديد.. بريء.. وأن المسئول
القديم عن الطيران المدني.. ارتكب أخطاء اضطرتنا لإلغاء
العقد مع الشركة البريطانية!.
وقالوا له إن إلغاء العقد لظروف قاهرة.. وجنائية.. سيقوي
موقفنا أمام لجنة التحكيم الدولية(!!).
وقام الفريق الوزير بعقد اجتماعات مطولة.. مع رجاله من
جماعة «هيه علي بابا.. هيه علي بابا.. علي بابا.. علي
بابا.. علي بابا» واتفقوا فيه علي كتابة بلاغ للنائب العام
مكون من 8 صفحات يتهم هيئة الطيران المدني.. ورئيسها
اللواء كاطو بالتزوير.. والاختلاس.. والإضرار العمدي
بالمال العام!!.
وبدأت النيابة تحقيقاتها واستمعت إلي 60 شاهدا خلال الشهور
الثلاثة الماضية.. وليس ذلك موضوعنا.. حتي يقول القضاء
كلمته.
نحن نتحدث عن الطريقة التي يتخذ بها الوزير.. قراراته.
نتحدث عن إجراءات اتخاذ القرارات في وزارة مدنية.. وهي
الثغرة التي استثمرتها الشركة البريطانية في اللجوء إلي
التحكيم الدولي.. بعد أن حصلت من الوزير علي أهم
المستندات.. وهو الخطاب الذي يحمل توقيع الوزير الفريق..
ويعترف فيه بأنه صرف النظر عن المشروع.
وهكذا استثمرت الشركة البريطانية نقطة الضعف.. في نظامنا
السياسي.. والاعتماد علي أهل الثقة.. ومكافحة أهل الخبرة.
أهل الخبرة يقولون:
إنه لم يكن من حق الشركة البريطانية اللجوء إلي التحكيم..
رغم مرور 3 سنوات علي فسخ التعاقد.
وأن التحكيم بعد انقضاء هذه المدة لا يعتمد علي أي أساس
قانوني.. بيد أن خطاب الوزير الفريق.. قد أعطي الشركة
المستند الذي يمكن أن تعتمد عليه عندما فكرت في اللجوء إلي
التحكيم.
ويقول الخبراء:
إن العقد الذي اعتمدت عليه الشركة البريطانية هو عقد
ابتدائي.. ولم تتم مراجعته من مجلس الدولة.. ولا يعول
عليه.
ويقول الخبراء:
إن موافقة الفريق الوزير علي التحكيم.. كان الفرصة الذهبية
لطلب الشركة البريطانية رفع قيمة التعويض من ثمانية ملايين
دولار إلي 514 مليون دولار.
واعترف محامي الشركة البريطانية «الأستاذ الأحدب.. وهو
لبناني الجنسية».. بأن خطاب الوزير كان الورقة الرابحة في
يد الشركة (!!).
ولذلك يبدو من حقنا أن نسأل.. من الذي سيتحمل ال 514 مليون
دولار؟!.
هل سيدفعها البسطاء الذين يحصلون علي طعامهم في طوابير
«البردقوش».. أم أن مغارة علي بابا.. ستفتح أبوابها..
وتصدر الصيحة العاتية «افتح يا سمسم»!.
ونسمع من الصحف البريطانية أن حكومتنا.. دفعت ال 514 مليون
دولار.. وأن اللواء عبدالفتاح كاطو قد دخل السجن!
هيه علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. علي بابا.. هيه علي
بابا!.