نود أن نذكر القارئ بأن هذه السيدة الأمريكية هي التي فقدت
ابنها منذ أكثر من عام في إحدي معارك الحرب التي يقودها
بوش وحلفاؤه في العراق بحجة أن صدام حسين يمتلك أسلحة
الدمار الشامل أو بأنه متحالف مع جماعة القاعدة الإرهابية
التي قامت بتدمير مبني التجارة الدولي وجزء من البنتاجون
فيما عرف بالأحداث المأساوية في تاريخ 11 سبتمبر 2001،
تحولت مبررات هذه الحرب إلي مواجهة الإرهاب الدولي، بل
واستباق خططه وأهدافه، وأخيراً بدعوي إقرار الديمقراطية في
العراق لتكون نموذجاً للديمقراطيات في الشرق الأوسط، ورغم
التحولات في الأهداف العدوانية علي العراق، إلا أنها
جميعاً جاءت كاذبة مخادعة لا أساس لمصداقيتها وشرعيتها.
لقد تبين الآن للسيدة سندي، كما تبين للعالم أجمع، أنه لا
حقيقة لشيء من تلك المزاعم المبررة لشن الحرب واستمرارها،
وما حصدته وتحصده يومياً من أرواح الأمريكيين والعراقيين،
جنوداً وشرطة ومدنيين، ومن ثم بدأت هذه السيدة تتساءل عن
الغاية النبيلة التي من أجلها يشتعل لهيب الحرب دون انقطاع
في العراق، والتي احترق بنيرانها ابنها الوحيد، ويعتصرها
الحزن والأسي علي أن ابنها راح ضحية لأهداف جنونية لا مبرر
لها من منطلق أي مصلحة أمريكية أو عالمية.
لذلك قررت منذ حوالي ستة أشهر أن تقيم في خيمة علي شارع
جانبي بجوار مزرعة الرئيس بوش في كروفور بولاية تكساس،
وأصرت علي ألا تترك خيمتها إلا بعد أن يأتي الرئيس إليها
ويبرر لها أي هدف نبيل استشهد ابنها من أجله، لكنه لم يعر
احتجاجها اهتماما، وظلت في خيمتها، وتوافدت عليها جموع من
النساء والرجال، وتوالت الرسائل والتعليقات في الصحف.
ومما قرأته تعليقاً علي ما تفعله «سندي» في صحيفة «نيويورك
تايمز» خلال شهر أغسطس الماضي منها: «إنها تمثل بطلا لديها
من الجرأة والتصميم بخلاف كثير من الساسة؛ إننا مدينون لها
بإعلام الشعب الأمريكي عن حقيقة رئيسنا الذي لا يعنيه أن
يعرف الحقائق؛ إنها "الأم النجمة الذهبية" ؛ إننا نريد
ألفاً من الأمهات يعسكرن مع سندي - وقد حدث فعلاً؛ إنه
تقوم باحتجاج علي حرب دبرت بكثير من الخداع وتزييف
الحقائق؛ نسأل الرئيس لماذا لم تنخرط ابنتاه في القوات
المسلحة لأداء الخدمة في العراق، مع أنهما مؤهلتان لذلك؛
يقول الرئيس "نحن" سوف نواصل المسيرة حتي نستكمل المهمة في
العراق، من هم "نحن" الذين يتحدث عنهم ... إن "نحن" هو
ابنك وابني وغيرهم من أبنائنا الذين يفتقدون الصلات
المرموقة المناسبة من الرجال والنساء الشجعان من شعبنا
والذين يقومون بالحرب ويتعرضون للموت» تلك هي بعض الرسائل
التي انهالت علي «سندي» خلال ذلك الشهر، مع التبرعات بمئات
الآلاف من الدولارات.
ثم تنتقل سندي بخيمتها في الشهر الماضي من تكساس إلي
واشنطن حيث تقوم بالتظاهر أمام البيت الأبيض، فيعترضها
الحرس ويقبض عليها. وفي هذا السياق تكتب هذه الرسالة التي
أرسل لي نصها أحد تلامذتي القدامي في الولايات المتحدة.
الاثنين 29 سبتمبر 2005
للمرة الأولي - رسالة من سندي شيهان
تتصدر الرسالة عبارة لأستاذة الأنتروبولوجيا الاجتماعية في
أمريكا مارجريت ميد: «أدعوك ألا تشك إطلاقاً في أن جماعة
صغيرة من المواطنين الملتزمين من أهل الفكر والتدبر يمكنها
أن تغير العالم، إنه هو الشيء الوحيد الذي يحدث دائماً».
«إن الشائعات صحيحة هذه المرة، لقد تم القبض عليَّ أمام
البيت الأبيض، إنها المرة الأولي التي يتم فيها القبض
عليَّ».
لقد اتجهنا من حديقة لافايت حيث نعسكر - إلي مقر الحرس في
البيت الأبيض، ورافقتني في هذا الطريق أختي وبعض أعضاء
«أسر النجم الذهبي للسلام» وبعض أسر الشهداء، وقد تقدمنا
برجاء للالتقاء بالرئيس، حيث إننا جميعاً كنا نسعي إلي
معرفة: ما هي القضية النبيلة التي من أجلها قامت الحرب
العراقية؟ وقد انتابتنا صدمة عنيفة مقرونة بالتعجب عندما
رفض الحرس تبليغ رجائنا، ولم يأبه بتوصيل أي خطابات أو صور
إلي البيت الأبيض مما كان يرسله إلينا أحباؤنا ممن قتلوا.
ولا شك أننا جميعا نعلم الآن لماذا لا يريد «جورج» أن
يلتقي بآباء وأمهات الجنود، وهو الذي يتحمل مسئولية قتلهم،
وهو كذلك يرفض مقابلة أولئك الذين يختلفون معه، ويرجع ذلك
لأسباب أولها: إنه يكره أن يختلف معه الناس، ولست متأكدة
من أنه يكره هذا بقدر كراهيته لإنكار أن ما حدث من فظائع
قد حدث فعلاً، وثاني تلك الأسباب أنه جبان (Coward)، يرفض
بعنجهية الالتقاء بالناس، الذين يدفعون راتبه، ولعله في
المرة القادمة حين يطلب أحد رؤسائنا من أي واحد منا أن
يقدم تقريراً عن عمله، أو أنه سيعلمه بتوقيع عقوبة عليه
لمخالفته نظم العمل في مؤسسته، وجب علي هذا الشخص أن يرفض
الذهاب إلي رئيسه أو التحدث معه متذرعاً بأن رئيس
الجمهورية ذاته لا يوجب ذلك.
أما السبب الثالث الذي يحول دون طلب التحدث إلينا هو
معرفته بأن ليس ثمة قضية نبيلة استدعت غزو العراق
والاستمرار في احتلاله، والواقع أن مطلبنا سؤال ليس له
إجابة حقيقية لديه.
وعندما رفض طلبنا لمقابلة «الشخص المنفصل عنا»، خرجنا
لنقيم في الجهة اليمني من البيت الأبيض «وفي مواجهة الباب»
وجلسنا، ورفضنا أن نتحرك من مكاننا حتي يخرج إلينا «جورج»
ليتحدث إلينا.
والحاصل إننا قضينا وقتاً ممتعاً في ذلك الموقع نردد أغاني
كنسية قديمة وأغاني احتجاجية، حين كنا مقيمين قبل القبض
علينا، وقمت خلال تلك الفترة بربط صورة «كيس - ابنها
القتيل» علي سور البيت الأبيض، وقد كان هذا فيما يبدو
عملاً ضد القانون.
ثم إنه بعد أن صدرت إلينا ثلاثة إنذارات لنقوم بالتحرك من
موقعنا أمام بيتنا «البيت الأبيض» تم القبض علينا، ومن
العجائب بالنسبة لي في تلك اللحظة أن أتذكر الشخص الذي
يقيم في بيتنا الأبيض قد أقسم علي المحافظة والدفاع عن
دستور الولايات المتحدة الأمريكية، إنه الشخص الرئيسي أو
المقيم ((P-resident في البيت الأبيض، وأنه ليس لديه مفهوم
عن الدستور.
والواقع أنه قد تم تعيينه عن طريق المحكمة الدستورية
العليا في دورة ولايته الأولي، وقام بغزو العراق واستمرار
احتلال دولة ذات سيادة دون إعلان للحرب من قبل الكونجرس،
منتهكاً عدة معاهدات لكي يتخذ إجراءات التنفيذ لغزو
العراق، وهذا إذا ما أردنا أن نتجاهل الإشارة إلي آيات
التعذيب المقبول لديه، والذي يملأ ضحاياه السجون العسكرية
في هذه الأيام، إن هذه كلها انتهاكات للدستور ثم إن قانون
«باتريوت» وحرماننا من حقوق التجمع السلمي هي بدورها تمثل
نقضاً خطيراً لوثيقة إعلان الحقوق، ومن الغريب أيضاً أن
نجد «جورج» يعلن بمظاهر زائفة من النفاق إنه معني بأن تصل
العراق إلي وضع دستور ديمقراطي، في الوقت الذي يتجاهل
ويمزق دستورنا.
وأؤكد أن القبض عليّ ليست قضية ذات بال، ورغم أنه قبض
علينا بتهمة «التظاهر بدون ترخيص»، إلا أننا كنا نحتج علي
مسألة أهم بكثير من جلوسنا في جانب من الطريق حول البيت
الأبيض، وتلك هي الموت المأسوي الذي لا ضرورة تقتضيه
لعشرات الآلاف من العراقيين والأمريكيين الأبرياء «سواء
هناك علي أرض العراق أو هنا في أمريكا» وقد كانوا جديرين
بالحياة، لو لم يوجد أولئك المجرمون (Criminals) الذين
يقطنون ويعملون في البيت الأبيض ومن هؤلاء «كارل رووف» ذلك
الرجل المتسلق صانع الاستراتيجيات، الذي أزاح رجل
المخابرات الأمريكية، والذي كان مسئولا عن كشف أعمال ذلك
الرجل مما عرض حياة العديد من مخابراتنا السرية، ومنهم
كذلك «ديك تشيني» وشركته التي استطاعت أن تجني أرباحاً
تفوق خيال أي أحد من خلال ما حصلت عليه من تعاقدات مقفلة
غير مطروحة، في العراق وأفغانستان، ونيوأورليانز.
وهناك أيضا «جون نيجربوت» وأنشطته الغامضة في أمريكا
اللاتينية وما صحبها من سفك للدماء، أما «رامسفيلد - وزير
الدفاع، وجونزاليس - المدعي العام» فإنه يقع علي عاتقهما
التصريح بممارسة أعمال التعذيب وتشجيعها والموافقة عليها،
وإذا صرفنا النظر عن كون أعمال التعذيب تنتهك ميثاق جنيف،
فإنها تضع حياة رجالنا ونسائنا في القوات المسلحة في دائرة
الخطر أثناء الحرب في العراق، وإلي جانب ما أشرنا إليه من
الخونة (Traitors) نسجل اسم «كوندي - كونداليزا» التي سعت
بكل ما لديها من قوة إلي التعجيل الجنوني بعملية الغزو.
إن قائمة الجرائم التي اقترفتها هذه الإدارة طويلة جداً،
مرعبة للغاية، ومما يصعب تصديقه، ومما لا يمكن تصديقه
أيضاً أننا نحن الذين يقبض عليهم لممارسة حقوقنا التي تنص
عليها المادة الأولي في الدستور، بينما يترك أولئك الأشخاص
طليقين أحراراً يستمتعون بحياتهم في ارتكاب الجرائم،
ويثيرون الفوضي في أرجاء العالم.
إن قيمة الغرامة التي يفرضها القانون علي «التظاهر بدون
تصريح» هي «75» دولاراً، وأنا واثقة من أنني لن أدفعها،
وسوف تنظر المحكمة في قضيتي في موعد 16 نوفمبر، ويدعوني
بعض المحامين الذين يدافعون عني بأن أتحدي وأن أدفع بحجة
عدم دستورية ذلك القانون.
أما بعد،،
فهذه ترجمة حرفية لنص الرسالة التي أذاعتها سندي شيهان بعد
القبض عليها في تجمع مظاهرة بدون ترخيص، ويبدو أن قصتها
ممتدة وأن فصولها متعددة كما هو الشأن في احتلال العراق.