علي صفحات «ألف ليلة وليلة» وردت كلمات مبهمة منها
«الشطار» و«العيارين» و«الزعر» وهي جميعا تحدثنا عن نوع من
اللصوص الظرفاء المهمومين بحق شعبهم في العدل، وهم يستندون
في أفعالهم هذه إلي محبة الجماهير لهم لأنهم كانوا يقفون
ضد ظلم الحكام ويقتصون منهم لحساب الفقراء، وكانوا يستندون
إلي قول منسوب إلي الخليفة عمر بن الخطاب يقول «إذا كان
اللص ظريفا لم يقطع» (أي لا يقام عليه حد السرقة).
وهكذا امتلأت صفحات ألف ليلة وليلة في رواياتها عن زمن
هارون الرشيد والمأمون بأسماء عديد من الشطار منهم «أحمد
الدنف» و«حسن راس الغول» وابنه «علي الزيبق» وزوجته «فاطمة
اللبوه» وعدوتهم اللدود «دليلة المحتالة» و«ابنتها «زينب
النصابة».
وتتواصل الروايات لتنتقل بهذه الأسماء في ملاحم شعبية لا
يعرف أحد من هو مؤلفها لتأخذ مكانها في «سيرة علي الزيبق
المصري»، وكما هو الحال في السير الشعبية مجهولة المؤلف
تتغاير الأماكن والأزمة وتبقي أسماء الأبطال، والأمر هنا
لا علاقة له بالصحة التاريخية وإنما بالعبرة والمغزي
التاريخي لشخص يواجه الطغيان، والأهم من هذا هو أن هذه
السير تعكس ثقافة الخوف من بطش الحاكم وسلطاته القاهرة،
وتكشف معها عن ثقافة المقاومة بالحيلة والذكاء، وهو تماما
ما يلجأ إليه المصريون دوما من المقاومة عبر «الإشاعات
السياسية» و«النكتة السياسية».
وإذا كان الشطار خارجين علي القانون إلا أنهم ومن فرط
شطارتهم وقدرتهم علي إزعاج السلطان استطاعوا أن يرغموا
الحاكم علي الرضوخ إليهم ومنحهم سلطة «مقدم الشرطة» أو
ماأسمي أحيانا «المقام» وهي مهنة تجمع بين القضاء والشرطة،
وبهذا ينطبق القول الشهير «حاميها حراميها».
وقد أمتعتنا هيئة قصور الثقافة بأن أصدرت في مجلدين وعبر
سلسلة الذخائر «سيرة علي الزيبق المصري» من تحقيق محمد رجب
النجار، الذي يبدأ صفحات السيرة بمواعظ شعرية تشكل الأساس
الفكري لعملية تخليق هذه السير وصياغة تصرفات أبطالها..
مثل
رعاة الشاه تحمي الذئب عنها
فكيف إذا كان الرعاة هي الذئاب
ومثل أحد رباعيات ابن عروس:
لابد من يوم معلوم
ترتد فيه المظالم
أبيض علي كل مظلوم
اسود علي كل ظالم
وتتحدث «سيرة علي الزيبق» عن فترة أواخر الحكم المملوكي
وأوائل الحكم العثماني للعالم العربي، ويقول محقق السيرة
«وكان إيثار الوجدان الشعبي أو الضمير الجمعي أن يمنح
البطولة الملحمية لواحد من هؤلاء الشطار أمرا بالغ الدلالة
علي مدي التدهور السياسي والاقتصادي الذي أصاب هذه الأمة،
ولم يعد مجرد دليل علي الأفول الحضاري بل علي الموات
الحضاري إذا جاز هذا التعبير» (ج1 - ص32).
وتحكي السيرة مجموعة طريفة من المقالب والملاعيب التي قام
بها الشاطر علي الزيبق ضد المقدم صلاح الدين «محافظ مصر
المحروسة وقائد شرطتها» وذلك حتي دون أن يعرف أن صلاح
الدين هو قاتل أبيه الذي كان هو أيضا واحدا من أشهر الشطار
وهو «حسن راس الغول».. ويمضي علي الزيبق في مقاومته للمقدم
صلاح الدين، ورفضه لما يفرضه من مظالم، و«صار ينصف المظلوم
ويأخذ لصاحب الحق حقه، حتي أحبه الجميع» (ج1 - ص37).
وينتهي الأمر بأن اقتنع الوالي الذي أسمي «عزيز مصر» بأن
المقدم صلاح الدين غير قادر علي حفظ الأمن وأن علي الزيبق
أشطر منه وأكثر مهارة، وأنه نجح في كسب محبة المصريين
الأمر الذي يمكنه أن يحمي سلطة العزيز وأن يمنحه مهابة،
فأرسل العزيز لعلي الزيبق «منديل الأمان وأمر بالمناداة في
أسواق مصر باسم علي الزيبق وأنه صار مقدم درك مصر وقائد
وجاق الزعر».
وإذا كان المصريون يسعون للعدل ويؤملون في القضاء علي
الظلم فقد وجدوا في علي الزيبق أملهم وغايتهم.. وهكذا
تولدت في الوجدان الشعبي فكرة «حاميها حراميها» ولكن.. كيف
تلبست في مصر فكرة معاكسة هي «حراميها حاميها».
وإلي العدد القادم..