هل آن الأوان لإعادة النظر في آلية العمل التي تدار
بها هيئة قصور الثقافة، ودورها في قيادة العمل الثقافي
وفلسفتها، بعد أن فجرت أحداث بني سويف المأساوية العديد من
الإشكاليات الخاصة بالإهمال الجسيم في مختلف المواقع
الثقافية التي تبلغ ما يقرب من 516 موقعا ثقافيا؟. وهل بات
من المحتم إعادة صياغة أهداف الهيئة وفك الاشتباك بين
مختلف المواقع الثقافية، وغربلة العمالة الزائدة التي أدت
إلي سيادة البيروقراطية؟.
وهل غياب التخطيط الثقافي والرؤية أدي إلي انحدار الهيئة
وتلاشي دورها الثقافي؟ أم أن غياب الكادر الثقافي المدرك
لماهية العمل الثقافي وضعف الميزانية وتصدع الأبنية
والقصور هو الذي أحدث هذا الخلل الرهيب؟ وهل سرعة تغيير
المسئولين المتعاقبين علي قيادة الهيئة أدت لهذا التراجع؟
أم أن الهيئة تتخلي عن الدور التنويري المنوط بها
والاكتفاء بالأنشطة والمؤتمرات الشكلية التي لا تفضي إلي
بلورة واقع ثقافي حقيقي؟.
حول فلسفة الهيئة ورسالتها والأسباب التي أدت بها إلي هذا
الوضع المتردي، وسبل النهوض بها وإنقاذها من تلك الكبوة
كان هذا التحقيق:
في البداية يقول حسين مهران - الذي تولي رئاسة الهيئة لمدة
8 سنوات - إن الهيئة لم ولن تفشل في أداء دورها الثقافي
لكنها الآن تمر بكبوة حقيقية ترجع في نظري لعدم وجود
المسئول القادر علي قيادة العجلة الثقافية، مما خلق حالة
من عدم اللامبالاة من جانب الإداريين والتي أفرزت هذه
البيروقراطية، بالإضافة لتقلص ميزانية الهيئة، وعدم توزيع
الاعتمادات المالية علي الأقاليم فضلا عن غياب الكوادر
القادرة علي الإدارة.
وأري أن تجاوز هذه المحنة يتطلب إعادة النظر في الاعتمادات
المالية وأن يكون هناك تعاون وثيق مع كل المحافظين في مصر
علي المستوي المادي والأدبي، وأن تتم الاستعانة بالكوادر
الثقافية الموجودة داخل الهيئة بدلا من عزلها كما يتم
الآن.
حول أسباب تراجع الهيئة يقول الفنان التشكيلي عزالدين
نجيب: هناك عشرات الأسباب أدت لذلك ربما يأتي في مقدمتها
غياب الهدف والاستراتيجية للعمل الثقافي وسط الجماهير، فقد
اختلطت الأهداف الصغيرة «التكتيكية» بالتوجهات الذاتية بكل
رئيس يأتي علي أرضية من الخواء البيروقراطي وغياب الخبرات
المؤمنة بتحقيق تواصل حقيقي مع الجماهير، بالإضافة لتهميش
الدولة لدور الثقافة في العمل التنموي، فلا ينظر إلي
الثقافة باعتبارها ضرورة في البناء الشامل للمجتمع، كما
أنها لا تحصل إلا علي ما تبقي من فتات مائدة الميزانية بما
لا يتيح الفرصة لإضافة مشروعات ثقافية ذات طبيعة
استراتيجية، مثل التوسع في إقامة قصور الثقافة وتجهيز
قوافل الثقافة التي تجوب القري والنجوع والمدن الصغيرة،
والأخذ بأيدي فرق المسرح الإقليمية وغيرها من أوجه النشاط
الإبداعي في الأقاليم، الأمر الذي جعل من هذه القاعدة
العريضة علي مستوي الجمهورية أبنية خاوية مليئة بالتعقيدات
البيروقراطية، وتثير النفور من جانب المبدعين في التعامل
معها، مما أدي إلي انقطاع شبه كامل بين الجمهور، وتلك
المواقع الثقافية.
البريق الإعلامي أضاف نجيب قائلا: هناك أيضا المركزية التي تدار بها
هيئة قصور الثقافة من موقعها الرسمي دون أن تضع في
الاعتبار المشاركة في التخطيط والتنظيم، خاصة أن الجهة
المركزية، لا تهتم سوي بالأنشطة ذات البريق الإعلامي مثل
المؤتمرات والمهرجانات التي ينتهي تأثيرها فور انتهاء
الحدث دون أن تترك عائدا ثقافيا يذكر.
لذلك أقول إنه حدث فصل بشكل قاطع بين العمل الثقافي
والرؤية السياسية، من منطلق أنه لا علاقة بين السياسة
والثقافة وهو المفهوم السلطوي الذي ينظر إلي الجماهير ليس
باعتبارها شريكة في البناء والتنمية.
وأري أنه لا أمل في إنقاذ هذا الكيان إلا بتحوله إلي جهاز
ديمقراطي ذي استراتيجية قومية تربط الثقافة بالتنمية
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وأن يكون قادة الرأي
والفكر الوطني في المجتمع مشاركين في وضع هذه الاستراتيجية
وفي الرقابة علي تطبيقها.
العنصر البشري من ناحية أخري أوضح محمد السيد عيد - وكيل الوزارة
السابق للشئون الثقافية بالهيئة - أن هذا القصور يرجع إلي
أن الوزير فاروق حسني قد دمر بالفعل قيادات الصف الأول
واستدار حاليا للصف الثاني وبالتالي فالعنصر البشري الذي
يفترض أنه يقوم بالعمل في الثقافة الجماهيرية وقيادتها لم
يعد موجودا بعد أن استمرت سياسة فاروق حسني 18 سنة دون أن
يهتم بتربية كوادر جديدة.
وتحولت الثقافة الجماهيرية إلي مؤسسة تعتمد علي كوادر من
الخارج بعد أن كانت تقدم الكوادر لمؤسسات الوزارة
المختلفة، وبعد أن أخرجت فاروق حسني وغيره من القيادات
التي تولت العمل في مؤسسات أخري بنجاح.
وعدد محمد السيد عيد أسباب تدهور الهيئة ومنها قلة
الاعتمادات المالية اللازمة للصيانة وعدم الاهتمام بتعيين
عناصر ثقافية جديدة واقتصار التعيينات علي أصحاب الوسائط،
فضلا عن مجاملة أصحاب النفوذ بافتتاح مواقع ثقافية دون أن
تكون الهيئة قادرة علي توفير أماكن وقيادات مناسبة لهذه
المواقع، بالإضافة لاهتمام الهيئة بإنشاء القصور الفخمة
التي تتكلف عشرات الملايين، بين هذه القصور الباهظة
التكاليف وشقق المساكن الشعبية تاهت الثقافة الجماهيرية.
التخطيط الاستثماري هناك أيضا بعد آخر لا يقل أهمية عن العنصر البشري وعن
المباني والتجهيزات - يواصل محمد السيد عيد - وهي فكرة
المشروعات الثقافية والتخطيط الثقافي الذي غاب عن الوزارة
منذ سنوات طويلة، وليس سرا أن الإدارة العامة للتخطيط في
هيئة قصور الثقافة تركز عملها في التخطيط الاستثماري أي أن
المبالغ المرصودة تتجه للمباني والتجهيزات لا غير، بذلك
فغياب العنصر البشري المؤهل والمبني المناسب والخطة أدي
إلي هذا الانحدار.
والخروج من هذا المأزق يبدأ في نظري باختيار قيادات حقيقية
ذات كفاءات عالية وتقوم بإعداد الصفوف المتتالية التي
يمكنها أن تتولي العمل في السنوات القادمة، بالإضافة لوضع
خطة فيما يتعلق بالمباني والتجهيزات تضمن القضاء علي مشكلة
شقق المساكن الشعبية التي تسمي «مواقع ثقافية»، والتخلص من
عقدة إنشاء القصور الفخمة، مع وضع خطة شاملة للعمل الثقافي
خلال فترة وجيزة مع التفكير الجدي للخروج بالأنشطة من بين
الجدران إلي الفضاءات الواسعة وإلي الجمهور المستهدف.
خلل رهيب رصد فتحي دياب - وكيل الوزارة لمكتب رئيس الهيئة
واعتزل مؤخرا - العديد من أوجه الخلل ومنها أن الهيئة لم
تواجه تلك السلبيات علي مدي السنوات السابقة مما أدي إلي
تفاقمها، وقد تساهلت الهيئة في شروط إنشاء المواقع
الثقافية غير المؤهلة لممارسة العمل الثقافي، مما أحدث
تضخما في المواقع علي حساب الخدمة الثقافية، بجانب
التعيينات العشوائية التي ساهمت في خلل الجهاز الوظيفي،
خاصة أن الهيئة تضم 12 ألف موظف ومع ذلك تفتقد المتخصصين
في العمل الثقافي سواء في الفنون التشكيلية أو الموسيقي أو
المسرح وغيرها من الفنون علما بأنه كان المتبع قبل سنوات
الاعتماد علي خريجي أكاديمية الفنون ومعاهد وكليات الفنون
والآداب وهؤلاء كانوا يشكلون إضافة حقيقية، بذلك تنفذ
الهيئة مشروعات بلا متخصصين.
ويتفق دياب مع سابقه علي ضعف الميزانية المرصودة للإنفاق
علي الأنشطة الثقافية وإنشاء وصيانة المواقع مؤكدا أنها لا
تتجاوز الـ 34 مليون جنيه بذلك يبقي نصيب الفرد المصري أقل
من 40 قرشا في السنة من الخدمات الثقافية التي تقدمها له
الدولة!!.
وطالب دياب بأن تمنح الهيئة نوعا من الحرية في اختيار
وبناء كوادرها وتغيير آلية العمل الثقافي وإعادة النظر في
المواقع الثقافية وأن يكون لدينا القدرة علي إنشاء البديل
المناسب أو غلق تلك المواقع غير المؤهلة للقيام بالعمل
الثقافي الحقيقي.
بارقة أمل تقول د. فاطمة المعدول - رئيس قطاع الفنون الشعبية
والخبيرة في أدب الطفل - لقد تجاوزت الأوضاع في هيئة قصور
الثقافة حدود الأزمة بل وصل الأمر لحد الانهيار في ظل غياب
الرؤية لدي الرؤساء، وبالتالي أصبحت غائبة لدي المرءوسين
في ظل تجريف الكوادر إما عن طريق الطرد أو الخروج علي
المعاش بجانب التخلي عن إعداد الكوادر الجديدة، باختصار
فكرة الثقافة الجماهيرية وفلسفتها غائبة تماما.
وأتصور أن ما حدث في بني سويف هو النتيجة المنطقية الوحيدة
لتلك الأوضاع لذا لا أري أية بارقة أمل في الإصلاح.
حقبة مكارثية من جانبه أكد محمد كشيك - مدير عام الجمعيات الثقافية
بالهيئة - أن اهتمام الهيئة تحديدا في السنوات الخمس
السابقة تركز علي الأنشطة الصورية لمجرد الإبقاء علي حالة
غائمة من الحراك الذي لا يفضي إلي شيء، وفي تصوري أن أهم
العوامل التي ساهمت في انحطاط أداء الهيئة يعود لسرعة
تغيير القيادات فقد تعاقب 6 رؤساء في هذه الحقبة مما خلق
حالة من عدم الاستقرار، بالإضافة لسيطرة الهاجس الأمني علي
كل الفعاليات الثقافية بعد أحداث رواية «وليمة لأعشاب
البحر» حتي بتنا نعيش حقبة مكارثية، حتي أن الندب أو
التعيين أو الترقية تتم علي أساس الولاء والانتماء وليس
علي أساس الأداء الثقافي حتي تحولت الهيئة إلي فرع من فروع
الحزب الوطني، وتحولت مقاليد الهيئة في أيدي الإداريين
البيروقراطيين الذين ليس لهم أية تصورات أو خطط ثقافية.
في ضوء ذلك تحتاج الهيئة لرئيس قادر علي اتخاذ القرار
بعيدا عن التبعية لأي جهة من الجهات الرسمية، وأن يسعي
للتعرف علي الإمكانات الثقافية الموجودة حاليا ومحاولة
توظيفها بعيدا عن سياسة الإقصاء التي تمت بعد الوليمة، وأن
تفعل الأنشطة الثقافية مع انخراطها في الواقع الثقافي،
والبحث عن فكرة المثقف العضوي ومحاولة الالتحام بالواقع
والتعرف علي قضاياه.
الخطاب التنويري يري د. محمود نسيم - مدير عام إدارة المسرح بالهيئة -
أن توصيف الوضع لهيئة قصور الثقافة مرتبط بطبيعتها وتاريخ
نشأتها، حيث نشأت تلك الهيئة في إطار الدولة القومية في
الستينيات وكان عمل كل إدارة من إداراتها في الحشد
والتعبئة القومية علي خط سياسي واجتماعي معين، وانعكس ذلك
علي هيكلها الوظيفي ونظامها الإجرائي، فهناك إدارة مركزية
في العاصمة وعدد من الفروع في الأقاليم تشمل قصورا في
المراكز وبيوتا في القري، الإدارة المركزية تدير وتخطط
وترسم السياسات وتضع البرامج ليتولي مديرو المواقع صياغتها
التنفيذية ومن هنا نشأت فكرة القوافل التي تحمل أدباء
وفنانين قادمين من المركز ليحملوا ما يتصورونه تنويرا
فكريا في القري والأقاليم المختلفة، وكما نعلم فقد تغيرت
الدولة وتحول الواقع جذريا في أبنيته الاجتماعية
والثقافية، ولكن ظلت الثقافة الجماهيرية محتفظة بهيكلها
الوظيفي المرتبط بمرحلة انتهت وبطريقتها في العمل الثقافي
المتصلة بسياسات وأنظمة تغيرت، ومن هنا يأتي الإشكال
الأساسي لتلك الهيئة المهمة، الواقع تغير ولم يعد فيه مركز
وأطراف، لم يعد فيه المثقف حامل الخطاب التنويري المتوجه
لحشد جماهيري ساكن، انتهي المثقف الداعية وتغيرت الدولة
الأبوية الفوقية، ومع ذلك ظلت الثقافة الجماهيرية فكريا
وإجرائيا مندرجة في تلك التصورات المتلاشية، وتلك نقطة
أساسية، لأن قيادات الهيئة علي مدار العقدين الماضيين لم
يدركوا عمق التحول الاجتماعي والثقافي، ولم يستطيعوا صياغة
سياسات ثقافية مرتبطة بتلك التحولات، وفي الوقت نفسه فإن
الحشد والتعبئة الجماهيرية لم يعد جاذبا، ببساطة لأنه لم
يعد هناك خط سياسي يتم حشد الناس عليه، ومن هنا تحولوا
جميعا إلي قيادات إجرائية معنية بالأنشطة اليومية
والاحتفالات الموسمية بحيث أصبح لدينا شكل العمل الثقافي
المتمثل في برامج وخطط وليس جوهره المتمثل في الدور
والفعالية.
وقد عمق من تلك الإشكالية جزئيا أن الكم الأساسي من قيادات
الهيئة لم يكن متفرغا لها، ولعل الجميع يدرك الآن تحت وقع
محنة الحريق وتداعياتها الفاجعة خطأ تلك السياسة التي لا
تصلح للثقافة الجماهيرية.
كما أن الهيئة تفتقد إلي وجود عقل ثقافي يديرها، هناك
كوادر وظيفية مدربة قطعا ولكنها كوادر تجيد حركة الأوراق
والأختام والمكاتبات الرسمية، أما الكوادر الثقافية التي
تدرك ماهية العمل الثقافي وكيفية إدارة حوار اجتماعي فاعل،
فتلك كفاءات مختلفة أتصور أن الهيئة تفتقد وجودها مما تسبب
فيما نلاحظه الآن من شبه غياب لدور الهيئة وتهميش حضورها،
ولكنني أشير إلي منهج يعطي الأولوية للترقي الوظيفي
والصعود البيروقراطي وليس إلي الكفاءات المهنية، وأري أن
الهيئة وغيرها من هيئات وزارة الثقافة تحتاج الآن إلي
انتقال كيفي في كوادرها ونظمها الإدارية ونوعية دورها،
انتقال يعتمد علي المنهج العلمي من حيث وجود قاعدة بيانات
ومعلومات ودراسات تبحث في أنماط استجابات الجمهور للعروض
المسرحية والندوات الأدبية وكافة البرامج الأخري حتي لا
تصبح السياسات الثقافية منحصرة في برامج مركزية مقحمة علي
الواقع ومنفصلة عنه، بل تصبح جزءا من حركته وتحولاته
الدائمة.
لا أعتقد أن التصورات المطروحة للخروج من الأزمة يمكن أن
تنفذ في ظل الأوضاع الراهنة والسياسات القائمة التي
أنتجتها وعمقتها.