علي الرغم من نفي موسكو إقامة دولة الوحدة مع كازاخستان
روسيا تعود بقوة إلي آسيا الوسطي بعد 15 عاما من الانهيار
رسالة موسكو: أشرف الصباغ
أبدت موسكو اهتماما ملحوظا بما تناقلته بعض وسائل الإعلام
حول إمكانية إقامة دولة اتحادية بين روسيا وكازاخستان
أثناء لقاء قمة منظمة التعاون لبلدان آسيا الوسطي الذي
انعقد منذ أيام في مدينة سانت بطرسبورج. وفي المقابل قال
المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الروسية ميخائيل
كامينين إن موضوع إقامة دولة اتحادية بين روسيا وكازاخستان
لم يدرج علي جدول المباحثات، ولا يناقش أصلا. وأضاف بأن
روسيا تحترم سيادة دولة كازاخستان، وتتعاون معها علي أساس
ثنائي في كل المجالات، بما في ذلك في إطار منظمة معاهدة
الأمن الجماعي، والرابطة الاقتصادية الأورو-آسيوية، ومنظمة
شانجهاي للتعاون، وفي إقامة المجال الاقتصادي الموحد.
من جهة أخري بحث لقاء القمة الذي ضم كل من رؤساء روسيا
وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان جملة من
الملفات الرامية إلي تفعيل المنظمة، ومن بينها التعاون
التجاري والاقتصادي والثقافي ومكافحة الإرهاب الدولي
والتطرف.
وتعد منظمة التعاون لبلدان آسيا الوسطي وريثا لما كان يسمي
بالمجموعة الاقتصادية لآسيا الوسطي والتي أنشأتها
كازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان عام 1998. وكان
موفدو روسيا وجورجيا وتركيا وأوكرانيا يحضرون جلسات مجلس
رؤساء دول المجموعة كمراقبين. وأعلن عن قيام منظمة التعاون
لبلدان آسيا الوسطي في عام 2001، فيما تم توقيع المعاهدة
الخاصة بتأسيس هذه المنظمة في عام 2002. ووافق مجلس رؤساء
دول المنظمة بإجماع أعضائه في جلسته غير العادية في 28
مايو 2004 بالعاصمة الكازاخية أستانا علي قبول طلب عضوية
روسيا إلي المنظمة.
ومن جانبها أعادت صحيفة "فريميا نوفستي" إلي الأذهان موضوع
الدولة الاتحادية بين روسيا وكازاخستان، مشيرة إلي أنه بعد
ظهور خبر يقول إن الرئيس نزاربايف سيصل إلي روسيا "في
زيارة خاصة" نشرت إحدي المجلات الموسكوفية ما يفيد بأن
الكرملين بدأ يدرس إمكانية تكوين اتحاد يجمع بين روسيا
وكازاخستان. وجاء في ما نشرته المجلة أنه يمكن أن تنشأ في
النهاية دولة تعادل مساحتها 88% من مساحة الاتحاد السوفيتي
وأن موسكو تهتم بهذا المشروع لأن ذلك سيهيئ فرصة لبقاء
بوتين في الحكم بعد عام 2008 كرئيس للدولة الجديدة، فيما
يمكن أن يصبح نزاربايف نائبا له.
ورأت الصحيفة أن ما نشرته المجلة قد يكون "مجرد مزحة". غير
أنه من جهة أخري قد يكون أيضا دعاية انتخابية حيث يفترض أن
يشجع هذا الخبر الناطقين بالروسية الذين يشكلون ثلث
الناخبين تقريبا في كازاخستان، علي التصويت لصالح إعادة
انتخاب الرئيس نزاربايف في انتخابات الرئاسة الكازاخية بعد
شهرين. بل ويمكن لرئيس نزاربايف أن يمتنع عن التعليق علي
هذا الخبر قبل الانتخابات، ثم يعلن ما معناه أن سيادة
كازاخستان شيء لا يجوز المساس به.
غير أن الأهم في هذا اللقاء هو إعلان رئيس جمهورية
طاجيكستان إمام علي رحمونوف، عقب اجتماع القمة، عن قرار
مجلس منظمة التعاون لبلدان آسيا الوسطي بدمج هذه المنظمة
والمنظمة الإقليمية "المجموعة الاقتصادية الأورو - آسيوية"
التي تضم بلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزيا وروسيا
وطاجيكستان.
ومن جانبه أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن روسيا
تؤيد قرار دمج منظمة التعاون لبلدان آسيا الوسطي والمجموعة
الاقتصادية الأورو - آسيوية، مشيرا إلي أن المطلوب، حتي
يدخل هذا القرار إلي حيز التنفيذ، موافقة دولة أخري عضو في
المجموعة الاقتصادية الأورو - آسيوية هي بلاروسيا. وأضاف
بأن الرئيس البلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أيد عبر مكالمة
هاتفية قرار قادة منظمة التعاون لبلدان آسيا الوسطي.
ومن ضمن ردود الأفعال حول هذا الإجراء الذي رأه المراقبون
خطوة مهمة نحو عودة روسيا بقوة إلي آسيا الوسطي في مواجهة
المد الأمريكي-الأطلسي، رأي رئيس لجنة شئون رابطة الدول
المستقلة بالبرلمان الروسي أندريه كوكوشين أن توحيد منظمة
التعاون في آسيا الوسطي والمجموعة الاقتصادية الأورو -
آسيوية قرار منطقي. وأضاف بأن تطور الأحداث في غضون سنة
دفع إلي ذلك وعلي سبيل المثال إلي انضمام روسيا إلي منظمة
التعاون في آسيا الوسطي. وكان هناك الكثير من التساؤلات
حول مختلف المجموعات التكاملية في إطار رابطة الدول
المستقلة. وقد شطب الآن جزء منها. ووصف كوكوشين انضمام
أوزبكستان إلي نشاط المجموعة الاقتصادية الأورو - آسيوية
بأنه أمر بالغ الأهمية. وقال إنه سيساعد علي تعزيز الأمن
والاستقرار في منطقة آسيا الوسطي كلها. وأعرب عن اعتقاده
بأن الغرب اتخذ موقفه من أوزبكستان انطلاقا من جهله
للوقائع السياسية في آسيا الوسطي. وقال إن "سياسة روسيا
أكثر تبصرا وصوابا من الناحية الإستراتيجية".
أما مدير معهد بلدان رابطة الدول المستقلة النائب
البرلماني قنسطنطين زاتولين فقد رأي أن توحيد منظمة
التعاون في آسيا الوسطي والمجموعة الاقتصادية الأوروآسيوية
يعني أن موسكو تبقي في المرتبة الأولي بالنسبة إلي دول
آسيا الوسطي. وقال إن المضمون الأساسي لهذا الحدث يكمن في
زوال منظمة التعاون في آسيا الوسطي التي تشكلت علي خلفية
تفكك الاتحاد السوفيتي بدون مشاركة روسيا في البداية. وقد
أملت إنشاء هذه المنظمة رغبة هذه الدول في دخول العالم
بشكل مستقل وإيجاد مكانة مشتركة في التقاسم الاقتصادي
والسياسي العالمي. وأضاف بأن محاولة الظهور بشكل مستقل علي
الإطلاق دون رعاية من جانب روسيا بينت بعد مرور فترة من
الوقت أن هذه الهيئة يمكن أن تضيف قليلا جدا إلي إمكانيات
هذه الدول، مشيرا إلي أن دول آسيا الوسطي وجدت نفسها عاجزة
عن حل بعض مشاكلها بالاعتماد علي قواها الذاتية دون
استمالة أي دعم من جانب مراكز القوي العالمية (روسيا
والصين أو الولايات المتحدة). كما رأي زاتولين أن روسيا
انضمت إلي منظمة التعاون في آسيا الوسطي بدافع الرغبة في
اكتساب دور نشيط علي المسار الآسيوي وهو الأمر الذي تخلت
عنه طوعا في فترة تفكك الاتحاد السوفيتي. وأكد أن القرار
الذي اتخذ حول التوحيد يعني الانتقال النهائي لهذه الدول
إلي الطريق الأكثر واقعية للتنبؤ بمصالحها، أي الطريق الذي
يؤدي مجددا إلي موسكو.