مواجهة أمريكية - أوروبية لنظام إسلام كريموف قد تنتهي بمحاكمته
السلطات الأوزبكية تتهم السفارة الأمريكية بتمويل أحداث أنديجان
من موسكو: أشرف الصباغ
بدأت توقعات المراقبين تتحقق واحدا تلو الآخر في ما يتعلق
بإجراءات أمريكية-أوروبية قد تنتهي بعزل نظام إسلام كريموف
في أوزبكستان وفرض عقوبات عليه. غير أن الاتهامات الصريحة
التي وجهتها السلطات الأوزبكية لسفارة الولايات المتحدة
بتمويل أحداث أنديجان انعطفت بالأحداث في اتجاه آخر يفيد
بإمكانية تقديم الرئيس الأوزبكي إلى محكمة الجنايات
الدولية.
في غضون ذلك أفادت وسائل إعلام روسية بأن الكونجرس
الأمريكي يبحث مشروع قرار بفتح قضية جنائية ضد إسلام
كريموف في محكمة الجنايات الدولية. ودعا النواب الأمريكيون
البيت الأبيض إلى استخدام نفوذ الولايات المتحدة في مجلس
الأمن من أجل تحقيق هذا الغرض. وتضمن مشروع القرار اعتراض
النواب على تصريحات مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية دانييل
فريد بدفع الولايات المتحدة مبلغ 21 مليون دولار للحكومة
الأوزبكية مقابل استخدام قاعدة خان آباد.
وكان مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الأوروبية
والآسيوية دانييل فريد صرح، عقب لقائه مع رئيس أوزبكستان
إسلام كريموف في طشقند، بأن الإدارة وافقت على الاستجابة
لمطلب القيادة الأوزبكية بإجلاء القاعدة العسكرية في خان
آباد. وسوف تجلي الولايات المتحدة، حسب قوله، العسكريين
الأمريكيين من أوزبكستان قبل نهاية هذا العام وفقا للمهلة
التي حددتها طشقند بستة أشهر.
وعشية وصول فريد إلى طشقند، وجهت السلطات الأوزبكية
اتهامات مباشرة إلى السفارة الأمريكية في طشقند بتمويل
التمرد في مدينة أنديجان في مايو الماضي استنادا إلى شهادة
أحد المتهمين في القضية تفاكالبيك خوجييف الذي أكد بأن
موظفين في السفارة الأمريكية كانوا يسلمون أموالا إلى
ممثلي المجموعة الإسلامية المتطرفة "الأكرمية" لكي ينظموا
العصيان المدني.
يذكر أن أعمال الشغب في أنديجان بدأت في 12 مايو بعد أن
هاجم أنصار 23 من رجال الأعمال الأوزبك المتهمين بالتطرف،
واحتلوا مباني الإدارة المحلية وأطلقوا سراح السجناء.
وقالت المعارضة الأوزبكية أن أكثر من 750 شخصا قتلوا أثناء
سحق القوات الحكومية التمرد. بينما أعلنت الحكومة
الأوزبكية التي رفضت طلب الولايات المتحدة وبعض الدول
الأوروبية بإجراء تحقيقات دولية أن عدد القتلى بلغ 187
قتيلا.
ورأى معارضون أوزبك، وخاصة من حركة "برليق" (الوحدة)، أن
ما يريده الرئيس إسلام كريموف باتهاماته للأمريكيين بتمويل
متمردي أنديجان هو إجلاء القاعدة العسكرية الأمريكية من
أوزبكستان ووضع حد لما تعتبره السلطات الاوزبكية تدخلا في
شؤون أوزبكستان الداخلية من جانب منظمات أمريكية معنية
بحقوق الإنسان.
وعقب الحملة التي شنتها السلطات الأوزبكية عشية زيارة
المسؤول الأمريكي، صرح الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية
الأمريكية جون ماكورماك بأن إدارة الرئيس جورج بوش مصممة
على إجراء تحقيق دولي في أحداث أنديجان. وأضاف بأن واشنطن
جمدت مبلغ 20 مليون دولار كان من المقرر تقديمها كمساعدات
لأوزبكستان لعدم وفاء طشقند بالتعهدات التي التزمت بها.
في غضون ذلك يبحث الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن اتخاذ
إجراءات جوابية على رفض الرئيس الأوزبكي إجراء التحقيقات
الدولية المقترحة.
وفي تناولها لتفاصيل الأزمة بين أوزبكستان من جانب،
والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جانب آخر، رأت
صحيفة "كميرسانت" أن مطالبة الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف
الولايات المتحدة بخروجها من قاعدة خان آباد الجوية، لن
تتسبب فقط في فقدان النظام الأوزبكي مئات الملايين من
الدولارات التي كانت تدفعها واشنطن بسخاء شديد نظير
استخدام هذه القاعدة العسكرية، بل من الممكن أن يصبح ثمن
هذا القرار فادح للغاية، وهو ما يعني فعليا تدميره آخر
فرصة لبقاء كريموف في السلطة. ورأت أنه إذا كان الرئيس
القيرغيزي أوسكار أكايف تمكن بشكل أو بآخر، وبدون أحداث
موجعة، من الخروج إلى التقاعد والتحول إلى متقاعد سياسي،
فالطريق إلى مثل هذا التقاعد "الاختياري" بالنسبة للرئيس
كريموف أصبح مغلقا بعد أحداث أنديجان.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الأوزبكي انعطف نحو اختيار
خطير بإلقاء قفاز التحدي في وجه الولايات المتحدة، وقام من
جهة أخرى بوضع مصيره السياسي (وليس فقط السياسي) في يد
موسكو التي يبدو أنه أصبح يعول كليا عليها. غير أن واشنطن،
وفقا لما نشرته الصحيفة، ستبذل كل جهودها ليس فقط لكي تطيح
بالرئيس الأوزبكي كريموف، بل وتقديمه إلى المحاكمة.
وبالتالي فمستقبله أصبح في غاية الغموض.
ورأت "كميرسانت" أن موسكو ليس بمقدورها مساعدة كريموف حتى
وإن كانت لديها رغبة شديدة في ذلك، مشيرة إلى إنها ستحاول
قدر ما تستطيع محاصرة أية محاولة لفرض عقوبات ضد نظام
الرئيس الأوزبكي، ولكن من المشكوك فيه أن تتمكن من إيقاف
الثورة المخملية الجارية هناك في أوزبكستان. وبالتالي
أصبحت الاختيارات ضئيلة أمام روسيا: إما الدفاع عن إسلام
كريموف بأية وسيلة وبأي ثمن، أو تفادي المواجهة مع
الولايات المتحدة. وألمحت بأنه "في حال اختيار الكرملين
الاختيار الصحيح، سيكون بشكل أو بآخر في غير صالح الرئيس
الأوزبكي إسلام كريموف".
ومن جانبها رأت صحيفة "نيزافيسيمايا جازيتا" أن الجانب
الأوزبكي لن يستخدم مطار خان آباد لمصالحه الخاصة، لأنه لا
يملك قوات جوية بالحجم الذي يتطلب ذلك. وهذا يعني أن هذا
المطار لن يبقى فارغا وسيُشغَل من قبل طرف آخر. ورأى رئيس
صندوق أبحاث الاستشراق سيرجي لوزيانين أنه "قد تظهر في هذه
الحال روسيا ومنظمة شانجهاي للتعاون، خاصة مع تنامي تأثير
الصين في هذه المنظمة. وليس من المستبعد أن تكون طشقند قد
خططت لخيار أمريكي احتياطي على الرغم من التصريحات
المتشددة التي تطلقها بحق الولايات المتحدة".
أما رئيس المركز الروسي للتنبؤات العسكرية أناتولي
تسيجانوك أكد بوجود تطلعات من جانب منظمة شانجهاي للتعاون
إلى مطار خان آباد لأنها تستطيع أن تنشر في هذا المكان
تشكيل جوي مشترك بدعوى التصدي للإرهاب الدولي في منطقة
آسيا الوسطي. وأضاف المنظمة لن تفوت هذا الموقع
الإستراتيجي المهم الذي سيغادره الأمريكيون، مشيرا إلى أن
روسيا والصين فقط تستطيعان منح إسلام كريموف الملايين التي
وعد الأمريكيون بها مقابل سحب قاعدتهم الجوية. وأعرب عن
قناعته بأن الولايات المتحدة ستحاول عرقلة شغل مطار خان
آباد من قبل روسيا أو الصين أو أي جهاز عسكري مختص بمكافحة
الإرهاب تابع للدول الأعضاء في منظمة شانجهاي للتعاون. وفي
الوقت نفسه لن تفوت موسكو هذه الفرصة، وستسعى إلى شغل
المطار العسكري الأوزبكي قبل الآخرين.