الحكومة السودانية الجديدة .. أجواء ملبدة بالغموض والحذر
حزب المؤتمر الوطني: مشروع قديم في شكل جديد !!..
الخرطوم - خاص بالأهالي: أحمد ضحية
جاء تشكيل الحكومة السودانية الجديدة وتوزيع حقائبها
الوزارية، في الفترة القريبة الماضية . بموجب اتفاق السلام
الموقع في يناير الماضي حيث نال المؤتمر الحاكم 52% مقابل
28% للحركة الشعبية بزعامة سيلفا كير النائب الأول للرئيس
و14% للمعارضة الشمالية و6% للمعارضة الجنوبية.. وستبقي
هذه الحكومة لمدة أربع سنوات، تجري بعدها انتخابات تشريعية
في البلاد، بموجب اتفاق السلام. وينص الاتفاق علي إجراء
استفتاء لتقرير مصير جنوب السودان بعد فترة انتقالية،
مدتها ست سنوات بدأت في التاسع من يوليو الماضي.
علي الرغم من ترحيب الاتحاد الإفريقي، بتشكيل الحكومة
السودانية الجديدة، واعتباره لها "مرحلة رئيسية" في تطبيق
اتفاق السلام بالبلاد" . وكذلك ترحيب الأمم المتحدة
والحكومة الأمريكية، إلا أن كل ذلك لا ينفي أن الإعلان عن
الحكومة السودانية الجديدة، ولايزال المناخ السياسي في
السودان، يعاني من التقلبات والأجواء الملبدة بالغيوم
والحذر . بسبب المتناقضات الذاتية داخل الحزب الحاكم من
جهة، والمتناقضات التي وسمت السلوك السياسي للقوي
المعارضة، بمختلف فصائلها من جهة أُخري، إلي جانب الآثار
العميقة التي خلّفها الرحيل المفاجيء، والمأساوي لدكتور
قرنق، وآثار هذا الغياب الفاجع لدكتور قرنق علي الحركة
الشعبية، ما أدي بالنتيجة إلي وراثة خصومه لثمرات إتفاق
السلام، وأنحسار نفوذ أتباعه تحت قيادة سيلفا كير .
الحكومة الانتقالية الجديدة. و تأكيد سيلفا كير بعد عقده
لاجتماع مع وفد شكله رئيس التجمع الوطني محمد عثمان
الميرغني : بحث خلاله ترتيبات مشاركة الحزب الاتحادي
الديمقراطي في حكومة الجنوب.
إذ أكد سيلفا كير ضرورة مشاركة الحزب الاتحادي في الحكومة
الوطنية باعتبار أنه من الممكن أن "يعمل توازنا ودفعة
للحكومة الانتقالية". ومن هنا كانت تأكيدات القوي السياسية
الأخري(غير المتوالية) بأن موقفها من (ثنائية) اتفاق
السلام لم يتغير، فقد إنعكست هذه الثنائية علي تشكيل
الحكومة الجديدة، التي هي بالأساس تم تشكيلها بموجب هذا
الإتفاق الثنائي، ولذلك جاءت المحاولات لدفع بعض القوي
المعارضة للمشاركة الإسمية في هذه الحكومة، كمحاولات غير
جادة، عبرت عن ذلك خلال موقف الصادق المهدي الذي أكد أن
معارضته للحكومة الحالية إنما هو بسبب تكريسها للشراكة
الثنائية بينها كحكومة لحزب المؤتمر الوطني وبين الحركة
الشعبية، ولأن حكومة حزب المؤتمر الوطني لم تعير اهتماما
للتيارات والأحزاب السياسية الأخري. وفي هذا السياق نفسه
انتقد المهدي، في عدد من وسائل الإعلام، الطريقة التي تم
بها التشكيل الحكومي، ووصف نسب المشاركة في السلطة بأنها
غير عادلة؛ لأنها تعطي للأحزاب الأخري نسبة ضئيلة، علي
الرغم من ثقلها الشعبي في الشارع السوداني.ودعا المهدي إلي
عقد مؤتمر جامع لكل أهل السودان، ليقرروا فيه مستقبلهم
السياسي ويتجاوزوا المشكلات الحالية..
كذلك كشف البيان الذي أصدره الحزب الاتحادي، عن طبيعة
الخلاف حول المشاركة في هذه الحكومة (وكانت محادثات دكتور
نافع السابقة لتشكيل الحكومة الجديدة ، مع عدد من
السياسيين البارزين في التجمع الوطني قد جعلتهم مثيرين
للشفقة، فقد عكست محادثاته معهم عدم جدية حزب
المؤتمرالوطني في مشاركة قوي التجمع، وتعامله مع شأن
المشاركة، كنوع من العبث الذي يروّح به عن نفسه، علي هامش
ترتيباته الخاصة في التحكم بزمام الأُمور بصورة ثنائية مع
الحركة الشعبية، في الفترة الانتقالية ) ..
أعلن الحزب الاتحادي في البيان الذي أشرنا إليه سابقا، عن
تملصه من التوقيع علي أي اتفاق مع الحكومة، فقد ذكر أحمد
الميرغني نائب رئيس الاتحادي، في البيان الذي حمل توقيعه
أن" التوقيع مع حزب المؤتمر الوطني، لم يتم بعلمي أو
استشارتي وعلمت به من وسائل الإعلام الرسمية"وأن اللجنة
التي تفاوضت مع المؤتمر الوطني الحاكم رفعت توصياتها
لقيادة الحزب، التي لم تجتمع ولم تتخذ بعد قرارا بالمشاركة
في الحكومة الانتقالية".
وأضاف البيان أنه جرت اتصالات بين رئيس الحزب، محمد عثمان
الميرغني ونائبيه: علي محمود حسنين وأحمد الميرغني، وقد تم
التأكيد علي موقف الحزب بعدم المشاركة في السلطة التنفيذية
.
وقد بدا واضحا قبيل الإعلان عن الحكومة الجديدة، أن
مفاوضات حكومة المؤتمر الوطني مع قوي التجمع الوطني لم تكن
جادة بما يكفي ليتبلور عنها أي نوع من الاتفاقات الكفيلة
بتحقيق قدر معقول من توسيع قاعدة المشاركة . الأمر الذي
ترتب عليه إحباط لقوي التجمع بصورة مثيرة للشفقة، الأمر
الذي جعل موضوع خارطة التحالفات الجديدة، تطل برأسها بقوة
خاصة أن الخلافات بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي،
التي أوجدتها مسألة تقسيم الوزارات (علي وجه الخصوص الخلاف
الشهير حول وزارة الطاقة ) لاتزال تلقي بظلالها بعد أن
حسمت وتم الإعلان عن الحكومة الجديدة، ، وربما تترتب علي
هذا الخلاف، الذي تم استبطانه خصوصا في أوساط تيار قرنق
الذي آثر الانسحاب جنوبا، خطوات ما من الحركة الشعبية علي
المدي البعيد : فيما يخص مشروع الوحدة بين الشمال والجنوب
. فالحركة الشعبية خرجت من التقسيم الوزاري وهي تحمل بعض
الغبن . الذي من شأنه تقوية تيار الإنفصاليين داخلها .
ومثلما نلاحظ أن حزب المؤتمر الوطني، عبارة عن تيارين
أحدهما يوالي الرئيس عمر البشير والآخر يوالي نائبه علي
عثمان محمد طه . كذلك نجد أن الحركة الشعبية تعج
بالمتناقضات الذاتية، التي أبرزها يتعلق بالإرادة السياسية
الواحدة للحركة الشعبية، إذ توضع هذه الإرادة الآن في محك
الاختبار بسبب وجود تيار قوي للراحل قرنق بمجابهة تيار
سيلفا كير، علي الرغم من أن هذين التيارين لم يعبرا عن
نفسيهما بصورة حادة حتي الآن(كمجابهة عسكرية) لكن يظل مع
ذلك ما تحمله الفترة القادمة، محاصرا بالهواجس والظنون في
ظل بروز عدد من التحالفات ذات البعد الإثني(داخل داخل
الحركة الشعبية و علي استحياء داخل حزب المؤتمر).
علي ضوء ما تقدم يمكننا الزعم أن الحكومة السودانية
الجديدة هي حكومة "ولدت معاقة" فقد تمخضت عن تعنت حزب
المؤتمر الحاكم وشهوته الكبيرة في السلطة، والتغيرات التي
أعترت حساباته السابقة وفقا للواقع الجديد الذي فرضه غياب
قرنق، وهو ما ينطبق أيضا علي التغييرات التي أعترت الحركة
الشعبية، لأسباب مشابهة ..
وبإقصائهما(الحركة الشعبية والحكومة)لتيار قرنق و القوي
الكبري وفشلهما بذلك في الإمتحان الأول للتحول
الديموقراطي، يمكننا التأكيد أن حكومتهما الجديدة قد ولدت
معاقة، خاصة أنها بعيدة عن تيار الشارع العام، إلي جانب ما
يبدو أنه بداية الخزلان لكل القوي التقدمية التي تنادي
ب"سودان جديد"..
ويطرح هذا الواقع السياسي المعقد بالتوصيف الذي أشرنا
إليه، عددا من الأسئلة المشروعة :
حول ما إذا كانت الحكومة الجديدة هي بداية النهاية لتيار
قرنق أم خط شروع عسكري جديد لذات التيار، في مجابهة
سلفاكير في الجنوب؟!..
كذلك غموض ما تطالب به قوي التجمع كبديل لما ظلت تطلق عليه
الشراكة الثنائية بين الحكومة والحركة : راية "الثنائية"
هل هي دعوة حقيقية، أم قميص عثمان ؟!. فباستثناء الحزب
الشيوعي، بين قوي التجمع وحزب الأُمة، ظلت القوي الطائفية
لوقت طويل خلال تاريخها غير مبدئية في مطالبها، وعاشقة
لإغراق نفسها في التكتيكي علي حساب الاستراتيجي فيما يخص
الأجندة الوطنية وهو ما أودي بالبلاد، إلي عدم الاستقرار
.. هل تستطيع هذه القوي التعبير بصورة حقيقية عن تطلعات
الشعب، وتكوين تحالف ديموقراطي حقيقي . أم ستظل تراوح
مكانها وتكتفي برفع قميص عثمان، كما تؤكد القوي الجديدة
الديموقراطية، التي تسعي هي الأخري لتكوين تحالف، تأمل أن
تكون الحركة الشعبية راعية له .. تحالف بمعزل عما تطلق
عليه "قوي السودان القديم"..
كذلك هل هذه الحكومة، ( فيما يخص حزب المؤتمر الوطني الذي
كشف عن قدراته الكبيرة في ترضية أتباعه، الأمر الذي يعد
بترهل في المؤسسات موقع مسئوليته) هل هذه الحكومة مؤهلة
للعبور بالسودان بأمان من الفترة الانتقالية، إلي المرحلة
القادمة التي تليها بعد أربع سنوات (الانتخابات التشريعية
)، وهي تفتقر للإجماع الوطني، ونهضت في الإقصاء والثنائية
..
من الصعب إعطاء أي استنتاجات متسرعة، فالوضع حول مستقبل
الحكومة الجديدة، ومصير اتفاق السلام نفسه من الغموض بحيث
يدفعنا للتريث والتأمل مطولا .. خاصة أننا في دولة لا
تعترف بحرية المعلومات التي بموجبها يتم تقييم الأوضاع
ومآلاتها ..